تتيه فخرًا، ونسور الجو يرسمون علم مصر فى سماء العلمين، ويؤدون عروضًا جوية مبهرة «معجزة» في الافتتاحية الرئاسية للنسخة الثانية من معرض مصر الدولى للطيران والفضاء.
يصدق في نسور الجو المصري قول الشاعر: «أنا النسر فى العلياء محلقًا / دون السماء لا أرتضى إلا القمم». الطلعات الجوية الاستعراضية المحكمة المتمكنة القادرة، تؤشر على المنجزات، وما نراه من رفعة القوات الجوية وارتقائها، حاصل جمع نضالات رجالات عظماء، منهم من قضى نحبه «شهيدًا»، ومنهم من يرنو إلى السماء ليشهد ارتقاء النسور قمم جبال الوطن زودًا عن الحياض المقدسة.
الاحتفالية فرصة، وسنحت للتذكير بتاريخ القوات الجوية العظيمة، تاريخ من الفخار، آيات من الفداء، والبدايات ترسم المستقبليات.
بدايات سلاح الجو المصري كانت مشجعة لتحوز القوات المسلحة المصرية سلاح جو، هو درة تاج العسكرية المصرية، ونسرها العالى فى السماء، «إلى العلا فى سبيل المجد»، شعار القوات الجوية المصرية.
فجر القوات الجوية أشرق في صباح يوم من العام 1928 عندما طالب البرلمان المصري بإنشاء قوات جوية مصرية، وقامت وزارة الحربية بإعلان احتياجاتها لمتطوعين لهذا السلاح الجديد، وتقدم مئتان من المؤهلين للتطوع لهذا السلاح الجديد، وبعد اختبارات طبية وفنية متعددة تم اعتماد الأجداد الثلاثة (أول ثلاثة طيارين: عبد المنعم ميجاويتي – أحمد عبد الرازق – فؤاد عبد الحميد) وإرسالهم إلى مدرسة الطيران الملكية البريطانية في «أبوصوير»، وتم تدريبهم على أنواع متعددة من الطائرات الكبيرة والصغيرة، وبعد التخرج من مدرسة الطيران تم ابتعاثهم إلى بريطانيا للتدريب المتخصص.
وفي ثلاثين نوفمبر من العام نفسه قام الملك فؤاد باتخاذ قرار إنشاء سلاح الجو المصري تحت اسم القوات الجوية للجيش المصري، وفي 31 سبتمبر قامت شركة «دي هيفلاند البريطانية» بالفوز بعقد توريد 10 طائرات DH-60 TIGER MOTH، وكانت الشركة البريطانية خططت لشحن الطائرات في سفن إلى مصر، ولكن الإصرار المصري أدى إلى رجوع 5 طائرات إلى بريطانيا وذهاب 3 طيارين مصريين إلى بريطانيا والطيران بالطائرات من لندن إلى القاهرة بصحبة 2 طيارين إنجليز، ووصلت الطائرات إلى مطار ألماظة واستقبلهم الملك والشعب بمهرجان كبير من المصريين.
وتأسس سلاح الجو المصري بعشر طائرات من طراز أفرو Avro-626، وهي التى تعتبر أول طائرة عسكرية مصرية.
>>
عقد الثلاثينيات شهد تأسيس المدرسة الجوية، وفي عام 1938 تسمت القوات الجوية الملكية المصرية ، و ارتسمت في أعين المصريين فخرا .
خلال عقد الأربعينيات، مع نشوب الحرب العالمية الثانية والتهديد الإيطالي والألماني للحدود المصرية، تم إنشاء المزيد من القواعد الجوية، وكانت القوات الجوية المصرية تقوم برحلات استطلاع طويلة على الحدود والبحر المتوسط، وبنهاية الحرب العالمية الثانية كانت القوات الجوية قد بلغت الكمال.
وشكلت حرب العام 48 البزوغ الأول للقوات الجوية، وقامت بدعم الجيش عند دخوله فلسطين، وحققت بعض النجاحات وإسقاط طائرات «سبيت فايتر» إسرائيلية، ودمرت قاعدة بريطانية في فلسطين المحتلة والعديد من الطائرات البريطانية هناك.
>>
الخمسينيات، عقد الثورة، قامت الثورة المصرية 1952 بتغيير اسم القوات الملكية الجوية إلى القوات الجوية المصرية، وتم تقاعد الخبراء البريطانيين بالقوات الجوية، وأصبح للقوات الجوية مهام جديدة للدفاع عن قناة السويس بعد إخلاء الإنجليز القواعد الجوية في القناة.
عام 1955 بدأ البناء الحقيقي للقوات الجوية المصرية، الذي عركته حرب قناة السويس، التي كانت هي الخبرة العملية الثانية للقوات الجوية، حيث قامت القوات الجوية بتدمير طائرات الاستطلاع المعادية، وضرب القوات البرية الإسرائيلية في سيناء عند اقترابها من ممر متلا.
>>
للسياسي البريطاني العتيد «ونستون تشرشل» مقولة ذات مغزى، «إن الإجابة الوحيدة على الهزيمة هي الانتصار». حرب يونيو لونت عقد الستينيات بالحزن، وفي 5 يونيو قام الطيران الإسرائيلي بهجوم مفاجئ على القواعد الجوية المصرية، لكن كما يقولون: الضربة التي لا تقتلك تقويك، وفي الأيام التالية انتفض سلاح الجو، ودوى صفير النسور، وحققت قواتنا الجوية بعض الانتصارات الجوية على الطيران الإسرائيلي، وأوقفت تقدم إسرائيل بضربات مؤثرة يوم 14 يوليو، وتم بنجاح منع الطيران الإسرائيلي من اختراق المجال الجوي، وتغطية انسحاب القوات البرية من سيناء.
ما بين العقدين، وفي مفرق تاريخي، فترة حرب الاستنزاف جرى إعادة بناء القوات الجوية (1967 – 1970) على أسس عصرية، وبناء المطارات والقواعد الجوية وملاجئ الطائرات، وملاجئ صيانة طائرات، وملاجئ تجهيز وتسليح، وتم فصل قوات الدفاع الجوي عن القوات الجوية، وتخريج مئات من الطيارين وآلاف الفنيين وأفراد الدعم الأرضي والمهندسين العسكريين.
وللمرة الأولى في تاريخ القوات الجوية جرى التخطيط للهجوم والهجمات العدائية والضربة الأولى وليس رد الفعل.
>>
عقد السبعينيات كان عقد القوات المسلحة وجناحها (سلاح الجو) بامتياز، فاق التصورات، وارتقى عاليًا فوق التوقعات، وشهد واحدة من أرفع معارك الجو المصرية فنونًا قتالية، وانتصارات محققة، شهد الضربة الجوية الناجزة التي كانت باكورة نصر أكتوبر العظيم، وتلتها معركة المنصورة التاريخية التي باتت عيدًا للقوات الجوية المصرية في 14 أكتوبر من كل عام، وبُنيت خطة القوات الجوية المصرية على أن تنفذ ضربة جوية مصرية شاملة نبدأ بها الحرب ضد (جميع المطارات في سيناء وقواعد الدفاع الجوي ومراكز الشوشرة والقيادة والتحكم ومواقع المدفعية البعيدة المدى الإسرائيلية ومناطق تجمع القوات الإسرائيلية)، وأن تدمر هذه الأهداف في وقت واحد.
وضعت خطة الضربة الجوية المصرية على أساس أن تكون ضربة جوية قوية وسريعة ومركزة ضد جميع الأهداف الإسرائيلية المحددة التي قد تعوق العبور المصري للقناة.
وفي مذكراته يقول لواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات بحرب أكتوبر 1973: «في الساعة الثانية بعد ظهر ذلك اليوم السادس من أكتوبر عبرت الطائرات المصرية خط جبهة قناة السويس متجهة إلى عدة أهداف إسرائيلية محددة في سيناء. وأحدث عبور قواتنا الجوية خط القناة بهذا الحشد الكبير، وهي تطير على ارتفاع منخفض جدًا، أثره الكبير على قواتنا البرية بالجبهة..
كانت قلوبنا في مركز عمليات القوات المسلحة تتجه إلى القوات الجوية، ننتظر منها نتائج الضربة الجوية الأولى، وننتظر عودة الطائرات إلى قواعدها لتكون مستعدة للمهام التالية. كما كان دعاؤنا للطيارين بالتوفيق، لقد حققت قواتنا الجوية بقيادة اللواء طيار محمد حسنى مبارك نجاحًا كبيرًا في توجيه هذه الضربة، وما حققته فيها من نتائج بأقل الخسائر التي وصلت في الطائرات إلى خمس طائرات فقط، وهي نسبة من الخسائر أقل جدًا مما توقعه الكثيرون.
وألحقت القوات الجوية هزيمة تاريخية بالعدو في معركة المنصورة التاريخية، وحدث خلالها «بطولات استثنائية» في يوم الرابع عشر من شهر أكتوبر، حين دارت أطول المعارك الجوية في التاريخ الحديث باشتراك أعداد كبيرة من طائرات الجانبين، وليكون هذا اليوم الخالد عيدًا للقوات الجوية اعتبارًا من عام 1994 وحتى يومنا هذا.
تاريخيًا، وقعت معركة المنصورة الجوية في 14 أكتوبر 1973، بغارة جوية عدائية كثيفة غطّت وجه السماء فوق دلتا مصر بأحدث أنواع الطائرات (وقتها)، (إف- 4 فانتوم الثانية)، و(إيه- 4 سكاى هوك- A)، بغية تدمير قاعدة المنصورة الجوية. تسجل الأكاديميات العسكرية المتخصصة واحدة من كبرى المعارك الجوية، عددًا وزمنًا، حيث اشتبكت في تلك المعركة قرابة 200 طائرة مقاتلة في آن واحد، معظمها من الجانب الإسرائيلي.
بدأت المعركة في الساعة 3:15 مساء، حين أنذرت مواقع المراقبة المصرية على ساحل دلتا النيل قيادة القوات الجوية المصرية بالهجوم، فتطلع نسور الجو العظماء إلى السماء، واشتبكوا في معركة بكل المقاييس تاريخية بأعداد لا تقارن وبطائرات (ميج 21)، برزوا نسورًا عالية الجناح، وأذاقوا الطيران الإسرائيلي طعم الهزيمة المُذلّة، وأسمعوهم صفيرًا (صوت النسور غاضبة).
>>
وتحقق النصر، لكن النسور لا تعرف الراحة، وشهدت عقود السلام أهم وأخطر عملية تحديث مستدامة للقوات الجوية بلغت سقف التوقعات عاليًا، وصارت القوات الجوية المصرية مصنفة عالميًا، ووفق سياسة الردع، استقدمت القوات المسلحة لسلاح الجو المصري أحدث ما أنتجته الترسانات العسكرية تواليًا من طرازات حديثة تكنولوجيًا، وارتقت قواتنا الجوية مصاف القوات الأولى عالميًا، وصُنفت كأحد الأسلحة المهابة في المنطقة التي تموج بالصراعات.
عقود السلام كانت جهدًا شاقًا ومخلصًا، يعتبر تطوير القوات الجوية من الإجراءات التي تحتاج إلى تخطيط طويل المدى لأنه يتأثر بمجموعة من العوامل والاعتبارات، منها المتغيرات الدولية والإقليمية بالمنطقة وتأثيرها على الأمن القومي المصري والعربي، طبيعة وحجم العدائيات والتهديدات التي تواجهها الدولة والمستجدات التي تطرأ عليها، طبيعة وحجم المهام المستقبلية للقوات الجوية..
عقد الرفال، عقد فريد، وفي إطار حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على التحديث المستمر لقدرات وإمكانيات القوات الجوية، لدورها الحيوي في منظومة الدفاع المصرية، فقد تم دعم القوات الجوية بالعديد من الطرازات الحديثة ومن مصادر متعددة وفق استراتيجية مصر في تنويع مصادر السلاح.
وفي هذا المجال حصلت مصر على الطائرات متعددة المهام (الرافال – ميج 29)، والتي تعد من أحدث طائرات الجيل الرابع، لما تملكه من نظم تسليح وإمكانيات فنية وقتالية عالية، بما يتناسب مع متطلباتنا العملياتية ليصبح لدينا منظومة متكاملة من أحدث الطائرات متعددة المهام والنقل والإنذار المبكر والاستطلاع والهليكوبتر الهجومي والمسلح والخدمة العامة من مختلف دول العالم.
النسور كلما ارتقت زاد بريقها.. وقوتها، وقدراتها في التحليق فى عين الشمس.









