فى زمن تستطيع فيه صورة على منصة اجتماعية أن تنافس كتابا تاريخيا فى التأثير، لم يعد الصراع على الماضى يجرى فقط داخل مراكز البحث والمتاحف، وإنما انتقل إلى شاشات المحمول. هنا تظهر مشكلة أكبر من مجرد اختلاف فى قراءة التاريخ، انها محاولة إعادة تعريف حضارات بأكملها من خلال قوالب عرقية، ثم تقديمها باعتبارها الحقيقة التى أخفاها المؤرخون.
من أكثر الأمثلة إثارة للجدل الخطاب المعروف باسم «الأفروسنتريك» أو «المركزية الأفريقية»، الذى يضم اتجاهات وأطروحات متعددة. المشكلة ليست فى محاولة إعادة الاعتبار لتاريخ افريقيا وشعوبها، بل فى بعض القراءات التى تحاول اختزال الحضارة المصرية القديمة فى هوية عرقية حديثة، أو تصوير المصريين المعاصرين باعتبارهم غرباء عن تاريخ بلادهم.
وهنا يجب أن نتوقف، فمصر لا تحتاج أن تثبت تاريخها، فالتاريخ نفسه يكفي. مصر دولة افريقية جغرافيا وتاريخيا، والحضارة المصرية جزء أصيل من تاريخ افريقيا. لكن هذه الحقيقة لا تعنى أن كل حضارات القارة كانت حضارة واحدة، أو أن مفهوم الافريقى فى الخطاب السياسى المعاصر يمكن إسقاطه ببساطة على سكان وادى النيل قبل أربعة أو خمسة آلاف عام.
تشير الدراسات المتخصصة فى الهوية المصرية القديمة إلى أن المصريين عرفوا أنفسهم فى إطار ثقافى وسياسي، وميزوا أنفسهم عن جماعات أخرى فى افريقيا والشرق الأدنى، لا من خلال مفهوم «العرق» الحديث. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس ما لون المصرى القديم وفق تصنيفات القرن الحادى والعشرين؟ بل ماذا تقول لغته ونصوصه وآثاره عن مجتمعه؟
لدينا آلاف النصوص والنقوش والمعابد والمقابر والبرديات والتماثيل والأدوات، ولدينا لغة مصرية استمرت فى مراحل متعاقبة، ولدينا تقاليد دينية وفنية تطورت على أرض مصر عبر آلاف السنين. إنها واحدة من أكثر الحضارات القديمة توثيقا فى العالم. لذلك لا يمكن أن يأتى خطاب حديث بعد آلاف السنين ليقول إن الشعب الذى عاش على ضفاف النيل لم يكن صاحب هذه الحضارة، إلا إذا امتلك أدلة أقوى من الأدلة التى تركها المصريون أنفسهم.
اللافت أن بعض أكثر الأدلة قوة لا تأتى من الجينات، وإنما من اللغة والثقافة والتاريخ الموثق. فالقبطية ليست لغة منفصلة لا علاقة لها بمصر القديمة، وإنما تمثل المرحلة الأخيرة فى تطور اللغة المصرية القديمة، بعد مراحلها القديمة والوسطى والمتأخرة والديموطيقية. وظلت حاضرة خاصة فى المجال الكنسي، حتى اليوم. هذه الاستمرارية اللغوية لا تعنى أن المصرى الحديث يتحدث اللغة نفسها التى تحدث بها المصرى فى عصر الأهرامات، فاللغات تتغير. لكنها تقدم دليلا على وجود خيط تاريخى ولغوى داخل المجتمع المصرى نفسه.
ايضا هناك دراسة منشورة فى Nature Communications عام 2017 حللت 90 جينوما من عينات مصرية قديمة، ووجدت تشابها كبيرا بين المجموعات المصرية القديمة التى شملتها الدراسة، كما وجدت أن الاستمرارية الجينية بين المصريين القدماء والمصريين المعاصرين لا يمكن استبعادها، مع وجود تغيرات فى التركيبة السكانية، من بينها زيادة فى بعض السلالات ذات الصلة بأفريقيا جنوب الصحراء فى العصر الحديث. فمصر، مثل كل المجتمعات القديمة الكبري، شهدت هجرات وحروبا وزواجا واختلاطًا وتغيرات سكانية عبر آلاف السنين.
من أكثر الملفات التى يجرى توظيفها فى هذا الجدل الأسرة الخامسة والعشرون. نعم، حكم ملوك كوش مصر فى القرن الثامن والسابع قبل الميلاد، وأسسوا الأسرة الخامسة والعشرين. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن حكام كوش امتد نفوذهم شمالا إلى مصر، وأن بيي/بعنخى وخلفاءه حكموا مصر إلى جانب موطنهم فى كوش. هذه حقيقة تاريخية، تثبت أن مصر وكوش كانتا حضارتين متجاورتين، وأن ملوكا كوشيين حكموا مصر فى مرحلة تاريخية محددة، لكنها لا تثبت أن الحضارة المصرية كلها كانت «كوشية».
مصر القديمة لم تكن أوروبا، ولم تكن نسخة من أفريقيا جنوب الصحراء، ولم تكن الشرق الأدني، وإن كانت قد تفاعلت مع كل هذه المناطق. مصر حضارة نشأت فى وادى النيل، وتطورت على مدى آلاف السنين، واستوعبت تأثيرات خارجية وأثرت فى محيطها، لكنها حافظت على منظومة ثقافية وسياسية ودينية ولغوية، وهذا ما يجعلها عظيمة.









