هناك أكاذيب تعبر عن أمنيات بعض الفئات
ليس جديدًا القول إننا نعيش فى بحر زاخر من الشائعات، وسبق أن رصد مركز المعلومات بمجلس الوزراء، أنه فى شهر واحد نبتت أكثر من عشرة آلاف شائعة، ومن يتابع مواقع «السوشيال» سوف يكتشف سرعة توالد وتكاثر الشائعات، معظم رموز الدولة من مسئولين وخبراء تحدثوا وحذروا من هذا الأمر.
ومن المهم معرفة أن الشائعة وجدت منذ أن وجد أول تجمع إنسانى، وهكذا فإن الشائعات موجودة فى كل مجتمع وداخل كل دولة، ليس صحيحًا أنها حكر خاص على المجتمعات البدائية أو دول العالم الثالث، كما يتصور البعض، ولا هى مرتبطة بطبيعة نظام الحكم، لا ترتبط بالفقر أو الغنى ولا بغير المتعلمين، فى الأوساط الجامعية حيث أرفع مستوى تعليمى هناك الشائعات، وبين رجال المال والأعمال تلعب الشائعات دورًا فى بعض الصفقات، داخل الأحزاب السياسية أيضا توجد الشائعات، يبدو أنها لازمة إنسانية، الرئيس دونالد ترامب يشكو كثيراً من الشائعات والمعلومات المغلوطة التى تقال عنه، هكذا هو يرى ويقول.
هناك شائعة تدمر حياة إنسان أو مجموعة من البشر، حتى لو لم يقصد قائلها ذلك، وهناك شائعة تهز مجتمعا بأكمله وشائعة قد تؤذى دولة بأكملها.
مثلاً شاب مصرى سافر للعمل بالخارج، يصله حيث هو رسائل ومشاهد على شاشة تليفونه، تطعن أو تشكك فى سلوك زوجته، يترك الشاب عمله ويعود غاضباً يقتل زوجته ويقتل اثنين من الجيران، ثم يتبين أن لا شيء حقيقياً يدين الزوجة المسكينة وأنها هى وهو راحا ضحية عملية دس خبيثة، هى قتلت وهو قيد المحاكمة.
فى الثقافة العامة، هناك تعبير شائع حول «القيل والقال»، وكثيرا ما نسمع تعبير «قالوا..»، هذه التعبيرات تؤكد أن الشائعات قديمة فى المجتمع.
أما الشائعات فى المجال السياسى والعمل العام، فهى كثيرة ومتواصلة، خاصة فى زماننا هذا، حيث سيولة المعلومات وانتشار المواقع وافتقاد التدقيق والتوثيق.
وفى فترات الصراعات والحروب تزداد وتكثر الشائعات، شائعة المطار السرى أيام حرب الاستنزاف تعرفها الأجيال التى عاصرت تلك اللحظة.
وهناك وحدات خاصة لدى بعض أجهزة المخابرات لبث شائعات حول الخصوم أو الدول المعادية وأحيانا بحق الدول الصديقة أيضا، وهناك تنظيمات وجماعات خاصة تعتمد على الشائعات بحق الدول والمجتمعات التى تستهدفها، وقد يحدث لقاء بين جماعة ما وجهاز مخابرات ما ويتبادلان نشر الشائعات بحق شخص بعينه أو دولة بذاتها.
ونحن فى مصر عانينا من ذلك طويلاً، حيث تخصصت الجماعة الإرهابية طوال تاريخها فى بث الشائعات التى يمكن أن تهز المجتمع والدولة.
فى سنة 1966، بعد انتهاء محاكمة سيد قطب وأعضاء التنظيم الذى أسسه، كان الحكم عليه بالاعدام، انطلقت شائعة أن خلية من الجماعة تنكرت فى زى ضباط شرطة وذهبوا إلى السجن، اصطحبوا قطب ومن معه خارج السجن وتم تهريبه عبر الحدود، تم نفى الشائعة رسميًا وقتها، ربما كانت هذه الشائعة احد أسباب التصديق على حكم الاعدام.
فى العام 1982، جرت محاكمة قتلة الرئيس السادات، وصدر الحكم بالاعدام على قاتله خالد الاسلامبولى ونفذ الحكم، وفجأة انطلقت شائعة أن الحكم لم ينفذ وتم تهريبه خارج مصر، وهناك من أقسم أنه شاهده فى العمرة بالأراضى المقدسة فى المملكة العربية السعودية، احد المحللين ذكر أنه شاهده يتمشى بأحد الشوارع فى عاصمة عربية، اقتضى الأمر صدور رد رسمى يؤكد تنفيذ الحكم. شائعة على هذا النحو ليست عفوية ومخاطرها شديدة منها أن الإرهابى يمكن أن يفلت بجريمته وأن هناك من يتعاطف مع الارهاب داخل الأجهزة الرسمية، فضلا عن أن الرئيس الشهيد، كان هناك بين المحيطين به من يود إزاحته بأى طريقة.
وفى سنة 2014، اطلقت الجماعة شائعة أن د.محمود عزت هرب عبر الأنفاق من سيناء إلى غزة ومنها إلى اسطانبول، كانت الانفاق قد سدت وصارت تحت سيطرة رجال الأمن، كان الهدف من الشائعة صرف نظر جهات الأمن عن الرمز الإرهابى كى يواصل التحريض ودفع كوادر الجماعة لممارسة الارهاب، ومثل شائعة أن الدولة قررت هدم عدد من المساجد الكبرى – سنة 2014 – بينما كانت وزارة الأوقاف تقوم بترميم وتجديد مئات المساجد، فضلاً عن بناء مساجد جديدة، الغريب أن تلك الشائعة نقلتها إحدى القنوات الفضائية التى تدعم تلك الجماعة. كان هدف شائعة الهدم هو هدم المجتمع من داخله وإثارة الهياج العام ضد الدولة المصرية.
ومثل شائعة أن مصر قررت تأجير قناة السويس لمدة 99 عاماً، وصل الأمر إلى نشر صورة عقد إيجار، وكان العقد مزوراً والشائعة كاذبة كليًا، والذى حدث أن هيئة القناة نفت الخبر وهددت بمقاضاة من يردد تلك الاكذوبة، فاختفى العقد واختفت الشائعة، والحق أن القناة كانت هدفًا لمروجى الشائعات فى الداخل وفى الخارج ايضا.
القناة رأسمال وطنى كبير فى الوجدان المصرى والمساس بها عدوان صريح ومباشر على الوطنية المصرية.
ولم يسلم قطاع فى الدولة من شائعات الجماعة الإرهابية والتي وصلت إلى حد القول بحدوث تسرب إشعاعى من مفاعل الضبعة يهدد حياة المصريين.
الجامعات، القضاء، الصحة والسياحة والاعلام، كلها مناطق طالتها الشائعات، المتحف المصرى الكبير، كان افتتاحه حدثًا عالميًا، بعد الافتتاح بأيام انطلقت شائعة أن المتحف غرق بعد سقوط أمطار خفيفة، وتبين مدى الجهل والكذب المغرض فى الشائعة.
وهل نذكر شائعة السبعين مليار دولار، التى روجها عضو بالكونجرس الأمريكى فى مطلع فبراير 2011، وتقول إن الرئيس حسنى مبارك حصل على سبعين مليار دولار عمولة خاصة من بعض الصفقات، اخدت الجماعة الشائعة وطيرتها فى أنحاء مصر، فازداد الهياج فى ميدان التحرير، وبعد أن أدت الشائعة دورها، خرج عضو الكونغرس يعتذر بأنه كان يقصد معمر القذافي، كان اعتذاره بسبب فجاجة الأرقام.
وفى السنوات الاخيرة صار الرئيس عبدالفتاح السيسى ورموز الدولة هدفا لشائعات الجماعة الإرهابية وأعوانها من المتأخونين فى الداخل والخارج بهدف تشويه الدولة المصرية وما يتحقق من إنجازات اقتصادية وسياسية و خاصة في ملف العلاقات الخارجية وربما كانت فترة السابع من أكتوبر وما بعدها خصبة فى الشائعات، المعروف أن لحظات الفوضى تشهد انتشار الشائعات، حيث لا تكون المواقف والرؤى واضحة.
والملاحظ أنه منذ إلقاء القبض على أحد قيادات الجماعة فى ليبيا، الشهر الماضي، ازدادت حدة شائعات الجماعة بحق الدولة والحكومة، يبدو أن القيادى المقبوض عليه، يمتلك الكثير من الأسرار والفضائح، خاصة أنه كان ينسق العمل بين الجماعة وعدد من الاطراف المناصرة لها أو المستفيدة منها، فى المنطقة.
>>>
وهناك شائعة قد تصدر عفويا، تعبر عن أمنية ما أو رغبة معينة وربما توقع ما.
تابع بدء العام الدراسى الجديد، من المقرر أن يكون السبت القادم، وهو موعد مبكر عما اعتدناه واعتاده أولياء الأمور سنويا، كان يبدأ فى شهر أكتوبر ثم جرى التبكير ليكون فى الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر، لكن وزارة التربية والتعليم تريد العودة بالعام الدراسى إلى العدد الأفضل من الأسابيع، وهكذا تقرر أن تكون البداية يوم 12 سبتمبر، الأهالى لن يعترضوا على مسألة صحيحة تربويًا وتعليميا، لكن الأمر يخالف ما اعتادوا عليه، إذا راحوا يطلقون الشائعة تلو الشائعة عن تأجيل العام الدراسى أسبوعين ثم أسبوع، ومن الجيد أن الوزارة تخرج وتؤكد الالتزام بالموعد المقرر، سوف يبقى الحال هكذا حتى يبدأ العام الدراسى فعلا.
ومع نهاية كل عام دراسى تنطلق شائعة أن الوزارة قررت إعفاء الطالب الذى لم يدفع المصاريف، صحيح أن هناك حالات يتم فيها الإعفاء وقد تتدخل بعض الجهات لحل المشكلة، لكن الشائعة هنا تعبر عن رغبة مكتومة أو تطلع (عشم) نحو الاعفاءات.
فى هذا الإطار يمكن أن نفهم شائعات تقديم موعد صرف المعاشات، كل سنة مع انتهاء العام المالي، أو إذا اقترب احد الأعياد، تقوم وزارة المالية بتبكير موعد صرف المرتبات، حتى يتسنى للعاملين بالدولة مواجهة المناسبة. لكن على الفور يصاحب ذلك شائعة أن صرف المعاشات سوف يتم صرفها مبكراً، ولما يتم نفى ذلك، يدور نقاش آخر حول المساواة بين صاحب المعاش وصاحب المرتب، هنا الشائعة تعبر عن توقع ما أو رغبة فى عدم التمييز فى التعامل، المؤكد أن قصد التمييز ليس قائما لدى أى طرف بالدولة، لكنها القواعد المالية.
>>>
فى كل الأحوال وأيًا كان الأمر، يجب الرد فورًا بالمعلومات الصحيحة على كل ما يثار وعدم تجاهل أى شائعة، حتى لو رأيناها بسيطة، ذلك أن الشائعة البسيطة قد تبنى عليها شائعة أخرى جديدة وخطيرة، فندخل فى دائرة معقدة من الحكايات والوقائع الملفقة والكاذبة.
هناك شائعات بسيطة، قد يراها البعض تافهة، يتم السكوت عليها فيترتب عليها الكثير من المخاطر، واقعة مذبحة الاسكندرية سنة 1882، بدأت بشائعة.
وليت من يستمع إلى أى قول أن يدقق فيه ومدى منطقية ما يقال، كثير من الشائعات يكون فيها تناقض داخلي، يقتضى الامر قدرًا من محاولة التعامل النقدى معها.
ونتمنى أن تكون هناك دراسات حديثة لهذا الملف الشائك، هناك دراسة قديمة للراحل د.صلاح مخيمر، صدرت فى أعقاب حرب سنة 1967، وسيل الشائعات التى أطلقت وقتها على مصر والمصريين، وما زالت الشائعات تنطلق، لكن الدفة لم تعد تنطلق من إسرائيل وحدها، بل دخلت الجماعة الإرهابية على الخط.









