ليس من الإنصاف أن نقيس الاقتصاد المصري من خلال أسعار السلع فقط، كما أنه ليس من الصواب أن نتجاهل ما يشعر به المواطن في حياته اليومية. الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيدًا، فالمواطن يواجه بالفعل ضغوطًا معيشية حقيقية، لكن الاقتصاد المصري في المقابل يتحرك في اتجاه مختلف، وتظهر أمامنا مؤشرات تقول إن مرحلة التعافي أصبحت أكثر وضوحًا.
العالم كله دفع ثمن السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الحروب والتوترات الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد .
وفي هذا السياق، يصبح تحقيق الاقتصاد المصري معدل نمو 5.1 % خلال العام المالي 2025/2026 رقمًا يستحق التوقف أمامه، خصوصًا أنه جاء في عام شديد الصعوبة إقليميًا ودوليًا. الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، حرص خلال مؤتمره الصحفي الأخير على حضور الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، لاستعراض النتائج النهائية للنمو، التي جاءت أعلى من توقعات عدد من المؤسسات الدولية.
الأهم من الرقم في رأيي هو مصدر هذا النمو. فالنمو لم يعد قائمًا على مورد واحد أو قطاع واحد، وإنما جاء مدفوعًا بتحسن الصناعة، وتعافي نشاط قناة السويس، ونمو تكرير البترول، إلى جانب قطاعات الاتصالات والسياحة وغيرها. وقد سجل الاقتصاد نموًا قدره 4.7 % في الربع الرابع، بينما ارتفع نمو قناة السويس خلال العام المالي إلى 23.3 % بعد الانكماش الذي شهدته في العام السابق.
وهنا يجب أن نقرأ الصورة الأوسع. مصر لا تحاول فقط تجاوز أزمة اقتصادية، وإنما تعمل على تغيير هيكل الاقتصاد نفسه، من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على الإنتاج والتصنيع والتصدير والاستثمار الخاص.
وفي هذا الإطار تأتي الشراكة مع الصين كفرصة استراتيجية وليست مجرد اتفاقيات تجارية. فالتعاون الجديد في مجالات السيارات، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والصناعة والمنسوجات، يمكن أن يضع مصر أمام مرحلة مختلفة إذا نجحنا في تحويل الاتفاقيات إلى مصانع وإنتاج ونقل معرفة وفرص عمل وصادرات وهذه هي النقطة التي أراها الأهم.
لذلك، فإن مصر تتغير بالفعل، ولكن التغيير الاقتصادي لا يحدث بين ليلة وضحاها. ما تحقق خلال الفترة الأخيرة يعطي مؤشرات إيجابية، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام الحكومة مسؤولية أكبر، وهي أن يتحول النمو من رقم في البيانات الرسمية إلى تحسن محسوس في حياة المواطن.
ومن هنا أرى أن الاقتصاد المصري يقف اليوم أمام فرصة تاريخية، فوسط عالم مضطرب يبحث المستثمر فيه عن أسواق مستقرة ومواقع إنتاج قريبة من الأسواق الكبرى، تمتلك مصر الموقع، والبنية الأساسية، والسوق، والقوة البشرية، والعلاقات الدولية التي تؤهلها للعب دور أكبر.
قد تكون الطريق مازال صعباً، وقد تكون فاتورة الإصلاح ثقيلة، لكن المؤشرات تقول إن الاقتصاد يتحرك إلى الأمام. والمطلوب الآن أن نستكمل الطريق، وأن نضمن أن يكون المواطن هو المستفيد الأول من ثمار هذا التحول.









