بالتزامن مع جهودها الدبلوماسية لاحتواء التصعيد المتنامى مع واشنطن، حذرت طهران من أن قواعد الاشتباك قد تغيرت مؤكدة استعدادها لتوسيع نطاق المواجهة عبر تنسيق متزامن مع حلفائها على أكثر من جبهة.
وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي، بحث فى اتصالين هاتفيين مع نظيريه السعودى والتركي، مستجدات الأوضاع الإقليمية وآخر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد فى الخطاب الإيراني، بعدما أدانت وزارة الخارجية الهجمات العسكرية الأمريكية التى قالت إنها استهدفت سفناً تجارية إيرانية فى الخليج وبحر عُمان، واعتبرتها انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ولقواعد أمن الملاحة الدولية.
وأكدت طهران عزمها الدفاع عن سيادتها ومصالحها الوطنية، محملة الولايات المتحدة وحلفاءها مسئولية تداعيات استمرار ما وصفته بالحصار البحرى والتصعيد العسكرى فى المنطقة.
وفى لهجة أكثر تشدداً، قال رئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف إن على الولايات المتحدة أن تدرك، «قبل فوات الأوان»، أن قواعد المواجهة تغيرت، مؤكداً أن أى هجمات مستقبلية تستهدف أمن إيران أو مصالحها ستقابل برد أسرع وأشد إيلاماً.
وأضاف قاليباف أن الولايات المتحدة أدركت أن مرحلة «الردود المتناسبة» انتهت، معتبراً أن الضربات التى استهدفت، بحسب قوله، قواعد تابعة لـ»المعتدين» خلال العمليات الأخيرة لم تكن سوى بداية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد وزير الاقتصاد الإيرانى على مدنى زاده أن بلاده تمكنت من إيجاد مسارات جديدة للإنتاج والتجارة والتمويل رغم العقوبات والضغوط الاقتصادية المتواصلة.
وقال إن طهران ترد على الضغوط الأمريكية عبر «المقاومة والإصلاحات الاقتصادية»، مشيراً إلى أن الشعب الإيرانى تحمل تكاليف كبيرة خلال السنوات الماضية، لكنه لن يستسلم. وأضاف أن إصلاح الاقتصاد الإيرانى مسئولية الحكومة والشعب الإيراني، وليس وزارة الخزانة الأمريكية.
وفى موازاة التصعيد السياسى والعسكري، تحدثت تقييمات إسرائيلية عن استعداد إيران لسيناريو مواجهة أوسع مع إسرائيل، يقوم على تنسيق العمليات بين عدة جبهات فى وقت واحد.
ووفقاً لتلك التقييمات، تسعى طهران إلى تنسيق تحركات قواتها مع حزب الله فى لبنان وحركة حماس والحوثيين فى اليمن وفصائل موالية لها فى العراق، ضمن استراتيجية تستهدف زيادة الضغط على إسرائيل عبر فتح أكثر من جبهة بصورة متزامنة.
وأشارت تقارير إسرائيلية إلى أن الحرس الثورى الإيرانى عمل خلال الفترة الماضية على معالجة ما اعتبره ثغرات فى التنسيق بين حلفائه خلال جولات المواجهة السابقة، بحيث يصبح التحرك المتعدد الجبهات جزءاً من الاستراتيجية منذ اللحظة الأولى لأى تصعيد واسع.
كما تحدثت تقارير عن تجدد التنسيق بين حماس وحزب الله بدعم إيراني، بهدف زيادة الضغط على إسرائيل من الجبهتين الشمالية والجنوبية فى آن واحد، فى وقت أشارت فيه معلومات أخرى إلى عقد مسئولين فى «فيلق القدس» اجتماعات واتصالات مع قيادات فى حزب الله والحوثيين وفصائل عراقية لمناقشة احتمالات توسيع نطاق المواجهة.
وفى البحر، تصاعدت حدة التوتر بين واشنطن وطهران فى مياه الخليج ومضيق هرمز، مع تبادل الهجمات واستهداف سفن وناقلات نفط، فى تطور يثير مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها نفذت ضربات ضد ثلاث ناقلات نفط إيرانية، رداً على ما قالت إنه هجوم بصواريخ باليستية استهدف سفينتين تابعتين للبحرية الأمريكية، مؤكدة عدم وقوع إصابات فى صفوف العسكريين الأمريكيين.
وقالت واشنطن إن إحدى الناقلات تعرضت للاستهداف قرب جزيرة خرج، أحد المراكز الرئيسية لصادرات النفط الإيرانية، فيما وقعت الضربات الأخرى فى مناطق بحرية مختلفة.
وفى المقابل، أعلن الحرس الثورى الإيرانى استهداف سفن مرتبطة بالولايات المتحدة، إلى جانب ناقلات نفط قال إنها كانت تسلك مسارات غير مصرح بها داخل مضيق هرمز، فيما لم يصدر تأكيد أمريكى مستقل بشأن هذه الهجمات.
وأكدت طهران أن حركة السفن فى المضيق يجب أن تتم وفق المسارات التى تحددها السلطات الإيرانية، محذرة من أن أى سفن تستخدم طرقاً تعتبرها غير مصرح بها قد تواجه إجراءات عسكرية.
وفى أحدث حلقات التصعيد، أعلنت إيران استهداف سفينة أمريكية غير مأهولة قالت إنها كانت تحاول دخول مضيق هرمز، فى إطار الرد على الضربات الأمريكية الأخيرة، بينما لم يصدر تأكيد أمريكى فورى بشأن وقوع أضرار.
وبينما تتحرك الدبلوماسية الإيرانية باتجاه الرياض وأنقرة بحثاً عن سبل للتهدئة واحتواء الأزمة، تكشف التطورات العسكرية والسياسية عن مسار موازٍ يتسم بتبادل الرسائل والتهديدات والاستعداد لسيناريوهات أكثر خطورة.
ويضع هذا المشهد المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فإيران تسعي، من جهة، إلى توسيع الاتصالات الدبلوماسية لمنع انفجار شامل، بينما تواصل، من جهة أخري، رفع سقف الردع فى مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط مخاوف من أن يؤدى أى خطأ عسكرى جديد فى الخليج أو على إحدى الجبهات الإقليمية إلى انتقال التصعيد من مواجهة محدودة إلى صراع متعدد الجبهات.









