التراث الصينى الحضارى فى مجال العلاج بدأ يجد حضورًا أكاديميًا وعمليًا فى مصر بلد الحضارة أيضًا.. فشهدت جامعة عين شمس تعاونًا مع جامعة بكين للطب فى مجال الطب الصينى التقليدى
د. جمال مصطفى سعيد
حين يزور الرئيس الصينى أرض الكنانة ويلتقى رئيسنا عبدالفتاح السيسى ، فهذا حدث جلل بل وغير عادى خصوصًا وأن الزيارة هى زيارة دولة بكل ما يحمله هذا الوصف من تقدير واهتمام متبادل بين البلدين، فدول العالم كلها تنظر إليها ليس باعتبارها لقاء بين بلدين أو زعيمين فحسب بل بين حضارتين هما الأقدم فى التاريخ الإنسانى كله.
حين نتحدث عن الصين الحديثة، نتحدث عادة عن دولة عظمى، واقتصاد ضخم، وتكنولوجيا تتقدم بسرعة، وعن حضارة أصبح حضورها فى العالم أكثر وضوحًا من أى وقت مضى. لكن وراء هذه الصين الحديثة توجد الصين القديمة، التى تركت تراثًا طويلاً فى الأدب والفلسفة والفنون، وكذلك فى الطب وهو- بحكم تخصصى- موضوعنا اليوم.
الطب الصينى التقليدى واحد من أشهر وجوه هذا التراث، وقد ظل حاضرًا عبر قرون طويلة، وتناقل الناس ممارساته من جيل إلى جيل، حتى أصبح اليوم جزءًا من صورة الصين نفسها.
لكن السؤال المهم ليس: هل الطب الصينى قديم؟ فالقدم وحده لا يجعل أى ممارسة صحيحة أو خاطئة. والسؤال الأجمل هو: ماذا يمكن أن نتعلم من هذا التراث اليوم؟ وما الذى استطاع العلم الحديث أن يفهمه منه، وما الذى ما زال يحتاج إلى الدليل؟
هنا لابد من وقفة.. هذه ليست معركة بين الطب القديم والطب الحديث، ولا مباراة بين حضارة وأخرى، أقصد الحضارة الصينية وحضارة مصر القديمة، وإنما محاولة لفهم كيف تعامل الإنسان، فى أزمنة مختلفة، مع المرض والألم والرغبة فى الشفاء.
من أشهر ما ارتبط بالطب الصينى قديما وحديثا، الوخز بالإبر أو ما يعرف عندنا فى مصر بالعلاج بالإبر الصينية، إلى جانب استخدام الأعشاب وبعض الممارسات البدنية والتأملية. وقد نشأت هذه الممارسات داخل منظومة فكرية خاصة بها، تتحدث عن توازن الجسم وتدفق الطاقة، وهى مفاهيم تختلف عن اللغة التى يستخدمها الطب الحديث فى تفسير وظائف الجسم والأمراض.
هنا تبدأ المسافة بين عالمين.
فالطبيب الحديث ينظر إلى الجسم من خلال التشريح والفسيولوجيا «علم وظائف الأعضاء» والكيمياء الحيوية وعلم المناعة والجينات، ويطلب دليلاً يمكن قياسه وتكراره وهو ما نعرفه حالياًً باسم الطب المبنى على الدليل. أما الطب التقليدى فقد بنى جزءًا كبيرًا من مفاهيمه على الملاحظة والخبرة المتراكمة والتفسير الفلسفى للجسم والمرض، وهذا لا يعنى بالضرورة أن كل ما جاء من التراث لا قيمة علمية له، كما أن وجود ممارسة قديمة لا يعنى أن العلم ملزم بقبولها، ولعل هذا هو الطريق الصحيح للنظر إلى الطب الصينى اليوم.
خذ مثلاً العلاج بالإبر الصينية، تلك الممارسة التى خرجت من حدود الصين وأصبحت معروفة فى أنحاء مختلفة من العالم، ولاقت رواجاً كبيراً فى مصر فى أواخر الثمانينيات من القرن الماضى وما زال الاهتمام بها قائماً حتى اليوم. وقد تناولتها أبحاث ودراسات كثيرة، وأشارت بعض الأدلة إلى فائدتها فى تخفيف أنواع معينة من الألم وبعض الأعراض، بينما ظلت النتائج متفاوتة بحسب المرض وطريقة العلاج ونوعية الدراسات. ولذلك لم تعد القضية أن نضع العلاج بالإبر الصينية فى خانة القبول المطلق أو الرفض المطلق، وإنما أن نحدد أين يمكن أن تكون له فائدة حقيقية، وكيف يستخدم بصورة صحيحة وآمنة.
أما الأعشاب الصينية، فقضيتها أكثر تعقيدًا. فالنباتات تحتوى بالفعل على مواد كيميائية يمكن أن تكون لها تأثيرات دوائية، لكن الخلطة العشبية التقليدية قد تضم مواد عديدة، وقد تختلف تركيبتها من منتج إلى آخر، وقد تحدث تفاعلات مع الأدوية الأخري. ولذلك فإن كلمة «طبيعى» لا تعنى تلقائيًا «آمن»، كما أن كلمة «قديم» لا تعنى تلقائيًا «فعّال».
هنا يظهر أجمل ما يمكن أن يقدمه لنا العصر الحديث: ليس إلغاء التراث، وإنما اختباره.والفكرة نفسها يمكن أن نراها فى تاريخ الطب المصرى القديم.فقد عرف المصريون القدماء استخدام النباتات والمواد الطبيعية، وامتلكوا خبرات تراكمية فى علاج العديد من الأمراض، ووصلتنا نصوص طبية تكشف أن الطب فى مصر القديمة كان قائمًا على قدر من الملاحظة والخبرة والممارسة، وليس مجرد مجموعة من الوصفات العشوائية.
لا ينبغى أن نقارن الطب الصينى بالطب المصرى القديم بحثًا عن «من كان أكثر تقدمًا». فهذا سؤال لا معنى له خارج سياق كل حضارة. فالمهم أن حضارتين بعيدتين جدا جغرافيًا، ومختلفتين فى فلسفتهما وثقافتهما، حاولتا أن تفهما المرض وتقاوماه، وأن تستفيدا من الطبيعة المحيطة بهما. فالإنسان، أينما عاش، وجد نفسه أمام الجسد نفسه تقريبًا: ألم، وارتفاع درجة الحرارة، وجروح، واضطرابات هضمية، وأمراض مزمنة، وقلق من الموت. وكانت الملاحظة والتجربة وما توفر من نباتات ومواد طبيعية من الأدوات الأولى التى استخدمها فى البحث عن العلاج.
لكن- وهنا الفرق الذى يجب ان نلتفت إليه – الطب الحديث أضاف إلى هذه الخبرة شيئًا لم يكن متاحًا للأقدمين سواء فى مصر أو فى الصين: المنهج العلمى،.. فأصبحنا نستطيع أن نستخلص المادة الفعالة فى النبات الموصوف، ونحدد تركيبها الكيميائي، ونفهم آلية عملها، ونقيس الجرعة المناسبة لها، وندرس آثارها الجانبية، ثم نختبرها فى دراسات وتجارب سريرية قبل أن نسمح باستخدامها على نطاق واسع، ويتم ذلك تحت إشراف هيئات علمية طبية لها قواعد صارمة.. وهكذا تحولت العلاقة بين التراث والطب الحديث من علاقة رفض أو قبول مطلق إلى علاقة أكثر نضجًا، ولنقل مثلاً أن التراث يقدم الفكرة، والعلم يختبرها. فإذا نجحت فى الاختبار، أخذت مكانها فى الطب الحديث، وإذا لم تنجح، فلا مشكلة فى أن تبقى جزءًا من التاريخ الثقافى للإنسان، دون أن تتحول إلى علاج يُنصح به للمرضى.
هذا لا يخص الصين وحدها
فالطب الشعبى المصرى أيضًا يحمل مخزونًا واسعًا من الخبرات المتعلقة بالأعشاب والأغذية والزيوت والمواد الطبيعية. ومن الخطأ أن نرفض هذه الخبرات كلها لمجرد أنها شعبية، كما أنه من الخطأ أن نعتبرها صحيحة لمجرد أن الأجداد استخدموها.
هناك منطقة وسطى هى منطقة العلم، فقد يحمل نبات ما مادة دوائية حقيقية، وقد تحمل وصفة شعبية فكرة تستحق البحث، وقد يكون ما شاع بين الناس مجرد وهم أو مصادفة أو ممارسة غير آمنة. والعلم هو القادر فى النهاية على الفصل بين هذه الاحتمالات.
نعود الى الصين… فالجميل أن هذا التراث الصينى الحضارى فى مجال العلاج بدأ يجد حضورًا أكاديميًا وعمليًا فى مصر بلد الحضارة أيضًا، فمثلا شهدت جامعة عين شمس تعاونًا مع جامعة بكين للطب فى مجال الطب الصينى التقليدي، بما فى ذلك التدريب والبحث، كما ظهرت فى السنوات الأخيرة مبادرات أكاديمية مصرية أخرى تتصل بدراسة الطب الصينى التقليدى والتعاون مع مؤسسات صينية متخصصة.وهذا التطور يستحق التأمل؛ لأنه لا يعنى أن مصر تستبدل طبًا بطب، ولا أن الطب الصينى جاء ليحل محل الطب الحديث، أو ان الطب الحديث يتجاهل الطب القديم، وإنما يعكس اتجاهًا أكثر هدوءاً ونضجًا: التعرف إلى تجربة علاجية مختلفة، ودراستها، ثم تحديد ما يمكن أن يستفيد منه الطب الحديث، أى أنه نقاش بين حضارات لا يمكن تجاهله.
اللافت أن الصين نفسها لا تقدم دائمًا الطب التقليدى والطب الحديث باعتبارهما عالمين متصارعين. ففى بعض المؤسسات الصينية نجد الممارسات التقليدية إلى جانب وسائل التشخيص والتقنيات الطبية الحديثة، وكأن التجربة تقول إن السؤال ليس أيهما ينتصر، وإنما كيف يمكن أن نستخدم العلم لفهم ما يمكن الاستفادة منه فى التراث. وهنا يلتقى الطب الشعبى الصينى ونظيره المصرى بصورة غير مباشرة؛ ليس لأن أحدهما أخذ من الآخر، وإنما لأن كليهما يقف اليوم أمام السؤال نفسه: ماذا يبقى من خبرة الماضى عندما تمر أمام ميزان العلم؟
أما فى باقى دول العالم، فقد بدأت المؤسسات الطبية العالمية تنظر إلى الطب الصينى بصورة أكثر جدية، لكن بطريقة مختلفة عن الماضى. فلم تعد القضية أن نسأل: «هل نؤمن به أم لا؟» وإنما: ما الذى يمكن إثباته؟ وما الذى يمكن استخدامه بأمان؟ وكيف يمكن تنظيمه؟ وهذا هو الاتجاه الأكثر عقلانية.
ربما تكون هذه هى أجمل رسالة يحملها الطب الصينى إلى عالم اليوم: أن المعرفة الإنسانية ليست طريقًا مستقيمًا بدأ من نقطة واحدة، وإنما نهر طويل ساهمت فيه حضارات كثيرة، وكل حضارة تركت وراءها شيئًا من خبرتها فى فهم الإنسان ومعالجة مرضه.
فالطب القديم أعطانا أسئلة كثيرة، وربما أعطانا بعض الإجابات الصحيحة أيضًا.
أما الطب الحديث، فقد أعطانا أدوات أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق أن يبقى وما ينبغى أن يُترك.
وبين الحكمة القديمة وامتحان العلم، تستمر رحلة الإنسان فى البحث عن الشفاء.









