تطبيــق قانون الإجـــراءات الجنـــائية الجـــــــــــــديد.. نقلة فى سرعة التقاضى
فى الأول من أكتوبر المقبل، يبدأ سريان العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، وهو القانون الذى يمثل نقلة تشريعية مهمة فى سبيل تحقيق العدالة الناجزة التى ظلت لسنوات طويلة حلمًا غير قابل للتنفيذ فى ظل تكدس القضايا أمام المحاكم، وبطء وتيرة التقاضى لدرجة كانت تحزن المواطن المصرى عشرات الآلاف من القضايا كانت تستغرق سنوات أمام المحاكم دون صدور أحكام.
مما كان يجعل العادلة بطيئة والألم يتزايد بين المتقاضين.. القانون الجديد سيعالج الكثير من أسباب بطء التقاضى ويسهل العديد من الإجراءات ليصب فى النهاية لصالح العدالة الناجزة.
«الجمهورية» ترصد فى هذا الملف، جاهزية المنظومة القضائية لتنفيذ القانون الجديد فى إطار منظومة العدالة الرقمية وتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بالمضى قدمًا فى مسيرة التحول الرقمى بالدولة المصرية، وتستطلع آراء نواب ومشرعين وقانونيين حول القانون الجديد ومدى إسهامه فى تحقيق العدالة الناجزة بشكل يليق بـ«الجمهورية الجديدة».
تحقيق المعادلة الصعبة..
سرعة التقاضى.. وتوفير ضمانات الدفاع
قال أعضاء مجلس النواب إن تطبيق قانون الإجراءات الجنائية، بعد التعديل، سيحدث دفعة تشريعية قوية، تفتح آفاقاً واسعة فى تعزيز قوة المنظومة القضائية، التى دخلت العصر الرقمي.
المستشار محمد عيد محجوب – رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى مجلس النواب – يرى أن قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 المقرر سريانه للتنفيذ فى الأول من أكتوبر المقبل يهدف إلى تطوير المنظومة القضائية عن طريق التحول الرقمى سعيًا للقضاء على عملية التكدس بالمحاكم المصرية لنتمكن من تحقيق العدالة الناجزة بشكل يليق بالدولة المصرية، يلفت محجوب إلى أنه من أهم النقاط فى هذا القانون عملية «الإعلان الإلكتروني» للمتهم أو المجنى عليه عن طريق الهاتف المحمول من خلال رسالة نصية تحتوى على تحديد وقت ومكان جلسة المحاكمة بحيث نتمكن من حوكمة الإعلان لتلافى المشاكل السابقة فى هذا الأمر، وأيضًا نستطيع تحقيق العدالة السريعة والأمنة خاصة فى القضايا الخاصة بالإرهاب من خلال إتاحة التواصل بين النيابة العامة والضباط والمتهمين والشهود عن بُعد، لأن التواصل بهذه الطريقة عن طريق التكنولوجيا الحديثة مع كل أطراف القضية القضائية يضمن تنفيذ العدالة الناجزة من ناحية، والحفاظ على أمن وسلامة جميع الأطراف من ناحية أخري.
أضاف، رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى مجلس النواب: «أن القانون الجديد يمكننا من إعلان جميع الأطراف بالقضية من المرة الأولى من خلال الوسائل الإلكترونية الحديثة، مما يساعد فى القضاء على عملية الأحكام الغيابية التى كانت تحدث فى السابق وتربك العملية القضائية وتضطرنا لإعادة المحاكمة فى الكثير من الأوقات، ووزير العدل سوف يقوم بندب مستشارين حديثى الترقية للعمل رؤساء دوائر بالمحاكم الإبتدائية بدلاً من الاستئناف وهو ما يحدث للمرة الأولى حتى نتمكن من إنجاز القضايا والسرعة فى تطبيق العدالة حيث يكون لديهم الخبرات اللازمة لذلك، وأيضًا أهتم القانون بالطب الشرعى حيث كانت القضايا فى السابق تنظر فى المحاكم لفترات طويلة قد تمتد إلى سنوات، ولكن القانون الجديد يتيح الفصل فى قضايا التزوير والسموم وغيرها فى نفس الوقت من خلال الاستعانة بالتكنولوجيا والأجهزة الحديثة دون تدخل من العنصر البشري، ولم ينس القانون التقارير الخاصة بالخبير القضائى الذى كان يعطل سير العملية القضائية لسنوات حيث نتمكن اليوم عن طريق استخدام تقنية الذكاء الإصطناعى من إصدار هذا التقرير فى نفس اللحظة، مما يساهم فى سرعة تنفيذ العدالة التى تتمثل من شقين الأول وهو القاضى والشق الثانى يتمثل فى الجهات المساعدة وقد نجح القانون فى تحسينها وتطويرها بشكل يضمن تحقيق العدالة السريعة».
قال المستشار محجوب إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد حقق المعادلة الصعبة عن طريق التوازن الدقيق بين سرعة إنجاز القضايا وضمانات حقوق الدفاع والحريات العامة، من خلال «حوكمة المحاكم» حيث يستطيع المحامى رفع الدعوة القضائية من مكتبه عن طريق وسائل التواصل الحديثة فى خلال خمس دقائق وتحديد ميعاد الجلسة، وأيضا إخطار المحامى بالحكم وتمكينه من الطعن عليه «أونلاين»، وبذلك نستغنى عن التحقيقات الورقية بشكل نهائى واستبدالها بالوسائل التكنولوجيا الحديثة كما يحدث فى دول العالم المتقدم، مما يساهم فى سرعة تنفيذ الإجراءات الجنائية وإصدار الحكم بشكل يليق بحجم الدولة المصرية.
الفلسفة التشريعية
قالت النائبة مى كرم جبر عضو لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إن الفلسفة التشريعية لقانون الإجراءات الجنائية الجديد، تقوم فى جوهرها على «الانتقال من مجرد تنظيم الإجراءات إلى بناء منظومة متكاملة للعدالة الجنائية الحديثة»، يكون فيها تحقيق العدالة الناجزة هدفًا أساسيًا، ولكن دون أن تكون السرعة على حساب ضمانات المحاكمة العادلة أو حقوق الدفاع أوالحريات العامة.
أضافت، أن العدالة الناجزة لا تعنى مجرد الفصل السريع فى القضايا، وإنما تعنى الوصول إلى العدالة الصحيحة فى الوقت المناسب، من خلال إجراءات أكثر كفاءة ووضوحًا، والحد من إطالة أمد الخصومة، مع الحفاظ على قرينة البراءة وحق الدفاع ومبدأ المواجهة وغيرها من الضمانات الدستورية.
قالت مى جبر: «من أبرز ما يعكس هذا التوجه، هو استحداث نظام استئناف أحكام الجنايات وإقرار التقاضى على درجتين فى مواد الجنايات، إلى جانب تطوير تنظيم الحبس الاحتياطى وبدائله، وتنظيم استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة فى التحقيق والمحاكمة، مشددة على أن البرلمان لم يتعامل مع سرعة الفصل باعتبارها هدفًا منفصلاً عن الحقوق والحريات ، بل إن مناقشة القانون شهدت مراجعات واسعة للنصوص، كما أُعيدت صياغة المواد «محل اعتراض» من رئيس الجمهورية، بما يزيد من ضمانات حماية الحقوق والحريات، ويستجيب لاعتبارات الواقع العملى ويحول دون اختلاف التفسير أو إشكالات التطبيق، ومن ثم يمكن القول إن المعادلة التى استهدفها المشرع هى إجراءات أسرع وأكثر كفاءة، ولكن داخل إطار أشد وضوحًا فى حماية حقوق المتهم والمجنى عليه والدفاع، وبما يرسخ الثقة فى العدالة الجنائية».
حياة المواطن
أكد النائب عاطف مغاورى عضو لجنة الشئون الدستورية والتشريعية فى مجلس النواب، أن قانون الإجراءات الجنائية فى ثوبه الجديد يمثل نقلة نوعية فى سير العملية القضائية بشكل سريع ودقيق.. وأهم ملامح مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، النص صراحة على أن لـ«المنازل حُرمة لا يجوز دخولها، ولا تفتيشها، ولا مراقبتها أو التنصت عليها، إلا بأمر قضائى مسبب يحدد المكان والتوقيت والغرض منه، مع إضافة قيود على اختصاصات مأمورى الضبط القضائى فى أحوال القبض وتفتيش المواطنين ودخول المنازل وتفتيشها»، والتأكيد على «اختصاص النيابة العامة الأصيل فى تحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية، والحفاظ على الطبيعة الاحترازية الوقائية للحبس الاحتياطى من خلال تخفيض مدة الحبس ووضع حد أقصى له، واشتراط أن يكون الأمر بالحبس الاحتياطى مسببًا، وأيضًا إقرار تعويض معنوى وأدبى عن الحبس الاحتياطى الخاطئ بإلزام النيابة العامة بنشر كل حكم بات ببراءة من سبق حبسه احتياطياً وكل أمر صادر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبله فى جريدتين يوميتين واسعتى الانتشار على نفقة الحكومة.
قال عاطف مغاوري: إن القانون الجديد يرتبط بالحياة اليومية للمواطن لذلك كان تعديله وتطويره بهذا الشكل العظيم بمثابة إعادة بناء واسعة لقواعد العدالة الجنائية مشيرًا إلى أن هذا القانون يستخدم التقنيات الرقمية الحديثة حتى يحمى الحرية الشخصية ويحافظ على سلامة سير العملية القضائية بشكل لم يحدث فى مصر من قبل حتى تتمكن الدولة من تحقيق العدالة الناجزة.
محاكم مصر.. رقمية
م. محمود بدوى لـ«الجمهورية»: تعزيز استخدام «الذكاء الاصطناعى» بما يسهم فى سرعة الفصل والدعاوة

رقمنة العدالة.. ليس مجرد شعار بل أصبح واقعًا سوف يلمسه كل المتعاملين مع المحاكم.. ليس فقط فى نظر القضايا عن بعد، وإنما أيضًا الحصول على الخدمات القضائية وتحديد مواقع المحاكم والنيابات والشهر العقارى وكما أكد المستشار محمود الشريف وزير العدل فإن الهدف من رقمنة القضاء لتطوير المحاكم وتقديم خدمات متطورة للمواطن تتميز بالسهولة واليسير والتطور التقنى، مضيفًا أن الدولة تتحرك بخطى ثابتة نحو العدالة الرقمية بما يواكب التطور التكنولوجى ويحترم احتياجات المواطن .. يقول المهندس محمود بدوى – مساعد وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لشئون التحول الرقمي: إن الجمهورية الجديدة تشهد نقلة نوعية تكنولوجية فى مجال القضاء لترسيخ منظومة عدالة مصر الرقمية، وتحقيق العدالة الناجزة بما يسهل عملية التقاضي، وهو ما جسدته بروتوكولات التعاون التى جرى توقيعها بين وزارتى العدل والاتصالات فى هذا الشأن، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، وفى إطار استعدادات وزارة العدل لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 والذى يبدأ العمل به فى أول أكتوبر المقبل.. أضاف بدوي، أن بروتوكول التعاون بين وزارة الاتصالات ومحكمة استئناف القاهرة، هدفه إحداث نقلة تكنولوجية شاملة داخل محاكم الاستئناف على مدار ثلاث سنوات، والبروتوكول يشمل «بناء مستودع رقمى موحد للأرشيف الإلكترونى لحفظ وفهرسة القضايا المفصول فيها نهائيًا، وإطلاق بوابة إلكترونية وتطبيق للهواتف المحمولة لتسهيل التواصل مع المواطنين وتلقى الشكاوي، علاوة على إتاحة مكتبة رقمية للقضاة».
ذكاء اصطناعى
قال مساعد وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لشئون التحول الرقمي، إنه تم التعاون فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى لخدمة منظومة العدالة ومساعدة القضاة فى مجالات البحث الذكى والتلخيص وإعداد مسودات ومذكرات العمل ومقارنة الأحكام، وتنفيذ حزمة متكاملة من برامج التطوير المؤسسى وتنمية وبناء قدراتهم الرقمية وكذا العاملين بالمحكمة، وتدريبهم على الاستخدام الآمن لتقنيات تبادل الوثائق عن بُعد وإدارة دورات العمل القضائية المُميكنة، وهو ما يسهم فى سرعة الفصل فى الدعاوى، وتوفير وقت وجهد المتقاضين، وصون أموال الدولة وحقوق المواطنين.
لفت إلى استمرار التعاون بين وزارتى العدل والاتصالات لتوظيف التكنولوجيا فى الارتقاء بمنظومة التقاضى وتيسير الخدمات على المواطنين، ووضع خطة متكاملة للتحول الرقمى فى محكمة استئناف القاهرة، تشمل توحيد التطبيقات القضائية، ورقمنة الأرشيف والمكتبة، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى كمساعد قضائى ذكى يدعم سرعة الفصل فى القضايا مع الالتزام التام بأمن وسرية البيانات. . تابع المهندس بدوي، أنه سبق إطلاق منظومة التقاضى عن بُعد فى الدعاوى الجنائية بمحكمة شرق الإسكندرية، والتى تتضمن حضور المحامى عن بُعد فى جلسات نظر مد الحبس الاحتياطى بحيث يمكن للمحامى تقديم دفاعه عن المتهم المحبوس احتياطيًا عن بُعد دون الحضور إلى قاعة المحكمة، استكمالاً لمنظومة مد حبس المتهم عن بُعد من محبسه.
أشار إلى أن تلك المنظومة تتيح تحويل المرافعات الشفوية وقرارات القضاة وأقوال المتهم إلى نص مكتوب، وذلك باستخدام الذكاء الاصطناعى الذى يحول الصوت إلى محرر مكتوب بهدف ميكنة محاضر الجلسات والاستغناء عن كتابة محضر الجلسة يدوياً.
أضاف أنه تم توصيل أكثر من 850 خط ألياف ضوئية خلال عام واحد، لكل قاعة محكمة، ومركز إصلاح، وقسم شرطة بهدف تفعيل منظومة النظر فى تجديد الحبس الاحتياطي، وبما يسهم فى توفير الجهد والنفقات، كما تم تزويد المنظومة بـ«1530» وحدة اتصال مرئى لتمكين القاضى من مخاطبة أطراف القضية أينما كانوا وإجراء جلسة واحدة تنعقد فى أكثر من موقع فى وقت واحد، علاوة على تدعيم جاهزية البنية التحتية الرقمية بما يتيح للمحامين والقضاة والشهود المشاركة عن بُعد فى بيئة مؤمنة تلتزم بأعلى معايير الأمن السيبراني، والمنظومة بنيت بالكامل من خلال مركز الابتكار التطبيقى التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بعقول مهندسين مصريين وذلك بنسبة دقة تجاوزت 96 ٪.
بدوى قال أيضاً إنه فى سياق تطبيق التحول الرقمي، تم استحداث عدد من المشروعات الأخري. مثل البوابة الرقمية الجديدة لوزارة العدل، والتى تتيح عددًا من الخدمات مثل خدمة الاستعلام عن بيانات المأذونين والموثقين، وهى خدمة مستحدثة لأول مرة بهدف إتاحة بيانات المأذونين والموثقين الكنسيين ومواقع مكاتبهم وطرق التواصل معهم، وكذلك خدمة الاستعلام عن التصديق على المحررات الرسمية من خلال مكاتب التصديق على المحررات الرسمية التى أنشأتها وزارة العدل فى جميع محافظات الجمهورية.
إضافة إلى الخريطة التفاعلية لمواقع العدالة المصرية، وهى أيضا خدمة مستحدثة لأول مرة ومن خلالها يمكن تحديد مواقع المحاكم والشهر العقارى على مستوى المحافظات، ومواعيد عملها، وهذا التطبيق يمكن التعاون من خلاله مع الجهات القضائية والنيابة العامة لإدراج المواقع الجغرافية بفروعها ومقر النيابات من خلال الخريطة التفاعلية، إلى جانب ترجمة المستندات الرسمية عن بُعد من خلال بوابة وزارة العدل، وخدمة تقديم الجهات الإدارية لطلبات الضبطية القضائية وتهدف إلى إتاحة تقديم الجهات الإدارية طلبات الحصول على صفة مأمورى الضبط القضائي، وتطبيق الرعاية الصحية للموظفين.. وتهدف إلى حصول موظفى الجهات والهيئات القضائية على الخدمة الصحية من خلال التطبيق المعد لذلك، علاوة على خدمة التطبيق الجديد لوزارة العدل وتهدف إلى التوسع فى الخدمات المقدمة مثل الرعاية الصحية والموسوعة الرقمية للوزارة، وإضافة المكتبة الرقمية عقب الافتتاح، بالإضافة إلى خدمات التفتيش القضائي.
أشار بدوى إلى استحداث «تطبيق رقمنة التفتيش القضائي» و»السجل الرقمى للقضاة»، والجزء الأول من مشروع رقمنة لجان التوفيق فى المنازعات، والموسوعة القانونية الجديدة لوزارة العدل.
مصر.. تطبق «التقاضى عن بُعد»
خبراء التحول الرقمى لـ«الجمهورية»:
انتقلنا من التخطيط والتفكير.. إلى التشغيل الفعلى

اتفق خبراء التحول الرقمى على أن أعمالاً كثيرة نفذت، وأخرى تنفذ فى تطوير منظومة القضاء، ومنظومة التقاضى عن بُعد، وهو ما يسهل العمل فى القضايا المنظورة، أو التى انتهت.
قال المهندس أحمد الليثى – استشارى التحول الرقمى – إنه عندما نتحدث عن التحول الرقمى فى منظومة العدالة وجاهزية الأنظمة التقنية والبرمجيات الخاصة بإدارة قضايا المحاكم الجنائية يجب أن نعلم أننا قطعنا شوطًا كبيرًا فى رقمنة منظومة العدالة، حيث يمثل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد فى أكتوبر 2026، عاملاً محوريًا فى تسريع الاستعدادات الفنية والتقنية، ولكن الجاهزية لا تعنى فقط وجود برمجيات تعمل لأن الأمر يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على إدارة رحلة الدعوى من لحظة تسجيلها وحتى صدور الحكم والتنفيذ على المتهم، بالإضافة إلى تحقيق عملية الربط الآمن بين مختلف الجهات المعنية، مشيرًا إلى أن وزارة العدل قد بدأت خطوات عملية فى تطبيق التقاضى عن بعد وهو مؤشر واضح على الانتقال من مرحلة التخطيط والتفكير إلى مرحلة التشغيل الفعلي.
أضاف استشارى التحول الرقمي: أن التحدى الأكبر فى المرحلة المقبلة بعد تطبيق القانون الجديد هو التوسع فى الاستخدام، وربط الأنظمة المختلفة وتدريب الكوادر والتأكد من استقرار المنظومة وقدرتها على استيعاب حجم العمل الحقيقى لأن بناء النظام مرحلة، أما تشغيله على نطاق واسع بكفاءة وأمان فهو الاختبار الحقيقى وهو الأمر الذى تعمل الدولة المصرية على تحقيقه بنسبة 100 ٪».
قال: «إن هذا القانون يعد نقلة نوعية ومن أهم القوانين التى تنتصر للمواطن المصرى فى الجمهورية الجديدة لأن التحول الرقمى فى المحاكم لا يعنى تحويل الورق إلى ملفات كما يعتقد البعض، ولكن الفكرة الجوهرية هى إعادة تصميم دورة العمل نفسها».. وأبرز الأدوات التى تضمنتها المنظومة الحديثة بعد تطبيق القانون رقم 174 لسنة 2025، هى «التقاضى عن بُعد»، والذى يهدف إلى تقليل الحضور الفعلى للمحاكم فى الإجراءات التى يسمح القانون بعقدها إلكترونيًا، وأيضًا «الإعلانات الإلكترونية» التى تساهم فى تقليص الوقت والجهد المرتبط بالإعلانات التقليدية على يد المحضر، كما كان يحدث فى السابق، مع توفير سجل إلكترونى موثق للإجراء وتوقيته، و»الملف الرقمى للدعوي» بدلاً من تنقل الأوراق بين المكاتب يصبح هناك ملف رقمى متكامل تتيح الجهات المصرح لها الوصول إليه فى التوقيت المناسب، و»التكامل وربط الجهات» حيث يتم الربط الآمن للبيانات بطريقة حديثة بين الجهات المختلفة حتى تصبح المنظومة مرقمنة، لأن انتقال البيانات بشكل آمن يقلل من إعادة الإدخال وتداول المستندات، وأيضًا توظيف «الذكاء الاصطناعي» فى المهام المساندة مثل تحويل الكلام فى الجلسات إلى نص مكتوب، ما يوفر الكثير من الوقت ويحسن دقة وتوثيق الإجراءات.
مرحلة جيدة
أكد الدكتور محمد حجازى – استشارى التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات – أنه يمكن وصف جاهزية الأنظمة والبرمجيات الحالية الخاصة بالمحاكم بأنها فى مرحلة جيدة وإن كانت لم تكتمل بعد، فقد تم إنشاء منظومة تقنية لإدارة العمل بما يوزان بين الاستفادة من الأدوات التكنولوجية فى تسهيل الإجراءات وبين تأمين المعلومات، وعلى الرغم من إطلاق منظومة التقاضى عن بعد فى الدعاوى الجنائية بمحكمة شرق الإسكندرية فى أغسطس 2025 كنموذج أولي، غير أن التقييم الأمين يقتضى التنبيه إلى أن العمل ما زال مرحليا، وأنه يجرى العمل حاليا وفق ما أعلن عن المرحلة الثانية التى تشمل تطوير التطبيقات والتقنيات الخاصة بالتقاضى الجنائى عن بُعد، وميكنة محاضر الجلسات، أن الجاهزية لا تكتمل بالبنية التقنية وحدها دون العنصر البشرى القضائي، الأمر الذى يستلزم جهودًا كبيرة وموارد ضخمة حتى يمكن تدريب كافة أعضاء الهيئة القضائية والموظفين فى المحاكم على النظم والتطبيقات الجديدة.
أضاف د. حجازى أن أبزر ما استحدثه قانون الإجراءات الجنائية الجديد، هو تنظيم الإعلان القضائى الإلكتروني، إذ يقرر للمرة الأولى تنظيما قانونيا واضحا لإعلان المتهم والمجنى عليه والمدعى بالحقوق المدنية والمسئول عنها عبر وسائل إلكترونية تشمل رقم الهاتف المحمول والبريد الإلكترونى والموطن المختار، بالإضافة إلى الحرص على استمرار العمل بالإجراءات التقليدية للإعلان بجانب الوسائل التقنية المستحدثة حال تعذر الإعلان الإلكترونى لأى سبب، والأدوات التكنولوجية امتدت لتشمل ميكنة دورة العمل، بما فيها إثبات المرافعات والطلبات الشفوية إلكترونياً وتحويلها إلى محررات مكتوبة باستخدام تقنيات الذكاءالاصطناعي، وإرسال القرارات والأحكام إلكترونياً إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها نحو التنفيذ، بما يحقق ترابطاً متكاملاً فى دورة العمل القضائي، حيث ينتقل ملف الدعوى من كيان ورقى متنقل إلى كيان رقمى مترابط بين الضبط، والتحقيق، والمحاكمة والتنفيذ، ويتصل بذلك أن تكليف الشهود بات جائزاً عبر الهاتف المحمول أو البريد الإلكترونى المثبت ببيانات الرقم القومي».
التحول الرقمي
الدكتور عبدالوهاب غنيم – نائب رئيس الاتحاد العربى للاقتصاد الرقمى بجامعة الدول العربية – يؤكد أنه منذ أطلق الرئيس السيسى مبادرة التحول الرقمى عام 2018، اهتمت كل الجهات الحكومية داخل الدولة بتطويرالبنية التحتية الرقمية حيث ارتفعت سرعة الإنترنت من 5 ميجا إلى أكثر من 100 ميجا، وتم إنشاء أكبر مركز للمعلومات فى منطقة الشرق الأوسط بالعاصمة الإدارية الجديدة يحتوى جميع قواعد البيانات الخاصة بالجهات الحكومية داخل الدولة، بالإضافة إلى منصة مصر الرقمية التى تقدم 250 خدمة رقمية منها الكثير من الخدمات الخاصة بوزارة العدل والشهر العقاري، لذلك نستطيع القول إن وزارة العدل أطلقت قانون الإجراءات الجنائية الجديد المنتظر تطبيقه فى الأول من أكتوبر المقبل بعد أن أصبح لديها شبكة معلومات كاملة والتطبيقات والبرمجيات اللازمة لذلك، وأيضًا تم تدريب جميع العاملين القانونين للعمل بسهولة على تنفيذ القانون.
«طفرة تكنولوجية».. تقود «العمـــــــــل القضـــائى»
قانونيون: وداعًا التباطؤ.. وتكدس القضايا.. ورسالة نصــــــــــية بديل «المحضر»
أكد عدد من خبراء القانون، إنه مع تطبيق تعديلات قانون الإجراءات الجنائية الجديدة، وفى نفس الوقت تحقيق «القضاء الرقمي»، سوف تشهد نقلة نوعية، نودع من خلالها « تكدس القضايا وتباطؤ التقاضي» وصولًا إلى سرعة التقاضى.
قال المستشار بهاء أبوشقة الفقيه الدستورى والقانونى ووكيل مجلس الشيوخ السابق، إن قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 يمثل امتدادًا مهمًا لمسار تشريعى بدأ بالفعل قبل صدوره، ويستهدف تحقيق معادلة دقيقة بين ضمانات المحاكمة العادلة من ناحية، والوصول إلى العدالة الناجزة وإنهاء الخصومة فى أقصر وقت ممكن من ناحية أخرى أضاف «المستشار أبوشقة» أنه لا يمكن تقييم الأثر العملى للقانون الجديد بمعزل عن التجربة التى سبقت نفاذه، وفى مقدمتها ما استحدثه المشرع بالقانون رقم 1 لسنة 2024 من نظام استئناف الجنايات، تنفيذًا للمادتين 96 و240 من الدستور، وإقرارا لمبدأ التقاضى على درجتين فى مواد الجنايات، وقد أثبت التطبيق العملى لهذا النظام أن إتاحة محاكمة موضوعية أمام محكمة الجنايات المستأنفة حققت جانبًا مهمًا من الغاية التى كان ينشدها المحكوم عليه من الطعن، وهى إعادة طرح موضوع الدعوى ومناقشة الأدلة وأوجه الدفاع أمام محكمة موضوع، قبل الوصول إلى محكمة النقض، ويكتمل هذا الاتجاه بما سبق أن استحدثه المشرع بالقانون رقم 11 لسنة 2017 فى المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض رقم 57 لسنة 1959، من إلزام محكمة النقض – متى نقضت الحكم وكان الموضوع صالحًا للفصل فيه – بأن تفصل فى الموضوع، وهو اتجاه تشريعى يستهدف الحد من إعادة القضايا إلى نقطة البداية كلما كان الفصل فيها ممكنًا، وبالتالى الحد من إطالة أمد الخصومة الجنائية، ومن هنا أرى أن فلسفة المشرع أصبحت واضحة ليست العدالة الناجزة مجرد سرعة فى إصدار الحكم، وإنما هى الوصول إلى حكم نهائى بعد استنفاد ضمانات التقاضي، دون إعادة إنتاج الخصومة إجرائيًا بلا مقتضٍ.
أضاف أبوشقة: «أبرز ما يستوقفنى فى القانون رقم 174 لسنة 2025 هو تنظيمه للأحكام الغيابية، وبصفة خاصة ما يتعلق بالجنايات، حيث نصت المادة 369 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 على أنه إذا صدر أمر بإحالة متهم بجناية إلى محكمة جنايات أول درجة، ولم يحضر هو أو وكيله الخاص بعد إعلانه قانونًا، جاز للمحكمة أن تحكم فى غيبته، إلا أن المشرع قرر صراحة أن الحكم يكون حضوريًا إذا مثل المتهم أو وكيله الخاص بالجلسة، وهذا النص فى ذاته يمثل تطورًا مهمًا، لأنه يعترف بالحضور بواسطة الوكيل الخاص، ويحول دون وصف الحكم بالغيابي، متى تحقق هذا الحضور».
تابع: «ثم جاءت المادة 411، وهى فى تقديرى من النصوص شديدة الأهمية فى تحقيق العدالة الناجزة، لأنها تنظم حالة تخلف المحكوم عليه أو وكيله الخاص عن الحضور أمام محكمة الجنايات المستأنفة، فنصت على أنه إذا كان الاستئناف مرفوعًا من المحكوم عليه وتخلف هو أو وكيله الخاص، تؤجل المحكمة نظر الاستئناف لمرة واحدة، فإذا استمر التخلف تندب له المحكمة محاميًا للدفاع عنه، وتفصل فى الاستئناف بحكم لا يقبل إعادة المحاكمة، ويسرى فى شأنه حكم المادة 366، أى أن الحكم الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة لا يكون الطعن عليه إلا بطريق النقض أو إعادة النظر، و هذه الآلية تمثل أحد أهم مظاهر العدالة الناجزة فى القانون الجديد، لأننا أصبحنا أمام محاكمة تستوفى ضمانة الدفاع، دون أن يصبح غياب المتهم سببًا أبديًا لإعادة فتح الدعوى وتدويرها بين درجات التقاضى».
أضاف: أن المشرع نظم الأحكام الغيابية فى الجنح وطرق مواجهتهـا، ونـص علــى المعارضـة فــى الأحكــــام الغيابية الصــادرة فـــى الجنــح فى المــادة 380، كما قرر فى المادة 400 أن يتبع فى الأحكام الغيابية والمعارضة فيها أمام المحكمة الاستئنافية ما هو مقرر أمام محاكم أول درجة، مع تنظيم حالات المعارضة الاستئنافية فى المادة 401، وهذا التنظيم له أثر بالغ فى مواجهة ظاهرة تكدس القضايا، لأنه يضع لكل حالة إجرائية طريقها المحدد، ويمنع الخلط بين المعارضة والاستئناف وإعادة الإجراءات، ويحدد متى يكون الحكم غيابيًا ومتى يكون حضوريًا، ومتى تنتهى الخصومة ولا تعود قابلة لإعادة المحاكمة».
مواجهة التكدس
أكد الدكتور جميل الصغير – أستاذ القانون الجنائى فى كلية الحقوق فى جامعة عين شمس – أن قانون رقم 174 لسنة 2025 سوف يساهم بصورة كبيرة فى القضاء على ظاهرة بطء التقاضى والتكدس الذى نعانى منه أمام المحاكم منذ سنوات طويلة.. لأن القانون القديم كان يحتاج إلى بضعة أشهر وقد تمتد إلى أعوام حتى نستطيع تحقيق العدالة بصورة جيدة ولكن اليوم بعد تطبيق القانون الجديد سوف يتم مخاطبة المواطن عن طريق البريد الإلكترونى الخاص به فى نفس الوقت أو ارسال رسالة نصية على الجوال كبديل للمحضر فى القانون القديم، الأمر الذى يقضى على مشاكل كثيرة كانت تنتج بسبب عدم استطاعت المحضر الوصول إلى المواطن من المرة الأولي، أما اليوم فى ظل القانون الجديد نستطيع تحقيق العدالة السريعة التى تليق بالدولة المصرية.
أضاف أن القانون الجديد يوجد به كل الضمانات لتحقيق عدالة ناجزة وسريعة لم تشهدها مصر من قبل، وأيضًا لم تتوفر فى أى قانون بالماضي، لذلك سوف يتم تحقيق العدالة السريعة وليست المتسرعة وهذا ما يحدث فى الدولتين الأوروبيتين فرنسا وإيطاليا حيث يستخدما هذا القانون منذ سنوات وقد حقق نجاحًا كبيرًا فى تنفيذ العدالة بشكل جيد، حيث يتيح القانون التحقيق مع المتهم ومحاكمته عن بُعد من خلال وسائل التواصل الحديثة، كما يسمح للمحامى أن يعمل ويحضر الجلسات من مكتبه عن طريق خاصية الفيديو «كونفرانس» وهو تقنية تتيح نقل الصوت والصورة بين شخصين أو أكثر فى أماكن مختلفة عبر شبكة الإنترنت فى الوقت الحقيقى دون الحاجة إلى سفر المحامى من مدينة إلى أخرى وقد يحدث بعض المعوقات التى تساهم فى تأخير العدالة».
ركائز أساسية
قال الدكتور صلاح الطحاوى – أستاذ القانون الدولى – إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد يعد أحد أهم ركائز النظام القضائى كونه له الأهمية لمساهمته فى تطبيق العدالة الناجزة وذلك من خلال وضع أطر تنظيمية لسير الدعوى الجنائية بدءًا من ارتكاب الجريمة وحتى صدور حكم بات فيها، لذلك يعتبر هذا القانون بمثابة الدستور الثانى لأنه يعد أهم الضمانات المقررة لحماية حقوق الإنسان سواء لشخصه أو مسكنه على السواء.
أضاف د. الطحاوي: أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد سوف يساهم بشكل كبير فى القضاء على بطء عملية التقاضى وصولاً للعدالة الناجزة وذلك من خلال تحديد مدد الحبس الاحتياطى وإيجاد بدائل له والتعويض عنه.
مزيد من التعاون
قال الدكتور أحمد محمد أحمد محامى اتحاد الناشرين، إنه يمكن التغلب على عقبات تنفيذ هذا القانون بمزيد من التعاون بين كافة الجهات المعنية بذلك الأمر بما يستجيب للتطور التقنى والعملى وحسناً فعل المشرع بمد موعد العمل بهذا القانون بعد عام من صدوره، لإتاحة الوقت أمام أعضاء القضاء والنيابات ومأمورى الضبط القضائى وكذلك والمحامين للإلمام بالأحكام المستحدثة، وكذلك لإنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية بالمحاكم.









