تركت المقهي الذى أذهب إليه صباحًا لشرب فنجان قهوة سادة لزوم «الفوقان»، بسبب تأخري على اجتماع مهم تحضره نخبة من رجال السياسة والفكر، لوضع تصور متكامل عن مرحلة انتخابات المحليات «إذا أجريت».
وصلت إلي مقر الاجتماع قبل أن يبدأ بدقائق، فوجدت إفطار «إنتركونتننتال» عالى المستوى، وغالبية الضيوف يأكلون بشغف ونهم وكأنهم لن يأكلوا مرة أخرى.
ابتسمت عندما أشار لي أحد المنظمين، يقف وحيدًا وكأنه يقول: «تعالى جنب أخوك»، ثم بادرنى: طبعا عايزقهوة.. منظرك لسه نايم.
رفعت رأسي دون أن أجيب، ثم قلت: ياريت «دوبل».
ابتسم ابتسامة لم أفهم معناها إلا بعد ساعة.
رفع يده فى حركة تثبت سيطرته علي المكان، وفي ثوان حضرت سيدة أنيقة رائعة الجمال، اتضح أنها سكرتيرته الخاصة، ثم همس لها ببعض الكلمات، قبل أن ترد عليه بصوت ناعم: {هحاول}.
مرت دقائق وأنا في انتظار فنجان القهوة، قبل أن يطلب أحد المنظمين الدخول إلي القاعة.
جلسنا، وكان ترتيب جلوسي في المنتصف، فأنا أحد خريجي برنامج «ليدج» القلائل في منطقة الشرق الأوسط،والذى يدرس ضمن منهجه آليات إجراء الانتخابات وأنسبها للمجتمعات .
بدأ الاجتماع، وبدأت معه المناقشات الجادة حول المحليات، وكيف يمكن إعادة الاعتبار للمجالس المحلية، ودورها في الرقابة والخدمات، وكيف يمكن اختيار مرشحين لديهم القدرة علي التعامل مع مشاكل الناس الحقيقية، وليس فقط القدرة علي تعليق اللافتات والتصوير أمامها.
أحدهم تحدث عن ضرورة اختيار الشباب.
آخر تحدث عن المرأة.
ثالث أكد أهمية أصحاب الخبرة.
ورابع تحدث عن ضرورة أن يكون المرشح قريبًا من الناس.
قلت في نفسى: جميل جدًا.. إذن اتفقنا على كل شىء، ولكن أين فنجان القهوة.
تحدثنا عن القرى والمدن، وعن الشوارع التي تحتاج إلي رصف، والصرف الصحى، ومياه الشرب، والإنارة، والنظافة، والأسواق العشوائية، ومشاكل التراخيص، وعن المواطن الذي لا يريد خطبًا سياسية ولا وعودًا براقة، وإنما يريد ببساطة أن يجد خدمة محترمة عندما يطرق باب الوحدة المحلية.
نظرت إلى الساعة، فإذا بساعة كاملة قد مرت، والقهوة لم تصل.
والسكرتيرة الجميلة لم تظهر.. خرجت من القاعة في استراحة قصيرة، فوجدت صديقى المنظم.
قلت له: القهوة فين؟
ضحك وقال: والله حاولنا.
قلت: «حاولتم»؟!
قال: السكرتيرة قالت إن البن»مش ولابد« والاستاذ منظره كييف وهيكتشف ان البن مضروب..
ضحكت وقلت له: إذن نحن أمام أول أزمة محلية حقيقية.. ولا توجد خطة بديلة!.. من بعيد أشارت لي السكرتيرة باشارة النصر.
عاد إلى القاعة وهو يضحك، وعدت خلفه وأنا أفكر في الجلسة التالية والتى اقدم فيها الورقة الاساسية عن انسب النظم الانتخابية التى تناسب مصر.









