قرأ البعض زيارة الرئيس الصينى شى جينبينج الأخيرة لمصر الأسبوع الماضى أنها تأتى فى سياق التنافس على مصر بين واشنطن وبكين فى العديد من الاستثمارات والصفقات وعلى رأسها صفقة بناء مركز حكومى مصرى لبيانات الذكاء الاصطناعى، التى تسعى كل من بكين وواشنطن للاستخواذ عليها، لاعتبارات عديدة، تكنولوجية واقتصادية وأمنية، كلاهما يطمح إلى الهيمنة الرقمية، ومصر توازن مواقفها بما يخدم مصالحها مع التأكيد على أنها لن تفرط فى سيادتها الرقمية، خاصة مع ما يتردد من مخاوف من أن الدولة ستفوز بالصفقة قد تتمكن من الوصول إلى بيانات مصرية حساسة، ولذلك تدرس القاهرة الملف من جميع جوانبه والعروض المقدمة وبتمهل شديد وتتبع سياسة الاتزان الإسترايجى بما يحقق مصلحتها الوطنية.
طرحتالحكومة المصرية مناقصة لإنشاء مركز بيانات حكومى للذكاء الاصطناعى وتقدمت لها شركة هواوى الصينية بعرض، وبمجرد علم الإدارة الأمريكية بالأمر طلب الرئيس ترامب شخصيا من تحالف يضم عددا من الشركات الأمريكية العاملة فى التكنولوجيا تقديم عرض منافس لإزاحة الصين من الصفقة، فكل من واشنطن وبكين تنظران لهذه الصفقة ليس من منظور تجارى ولكنها ميزة تنافسية فى سبيل الاستحواذ على أكبر نسبة من تأسيس مراكز البيانات فى العالم، باعتبار أن البيانات الآن لا تقل أهمية عن الأسلحة والمعدات، وحروب البيانات باتت أسرع وأسهل وقد تحسم صراعات فشلت فيها الحروب التقليدية لعقود، ومن ثم فالصفقة ليست مجرد «سيرفرات» أو استثمارات، المسالة أكبر وأخطر بكثير.
بالنسبة لمصر الصفقة ليست مجرد البحث عن شريك تكنولوجى والبنية التحتية الرقمية، لكنها تبحث عن شريك بمواصفات خاصة ووفق الشروط المصرية التى تحفظ لمصر سيادتها الرقمية.
فيما يخص التنافس حول بنية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى، تتمتع الصين بميزة نسبية فى هذا المجال، إذ بلغت مفاوضاتها مع مصر مرحلة متقدمة بشأن الصفقة، لكن الولايات المتحدة لم تقف صامتة ولن تسمح بوجود معوقات أمام وصول التكنولوجيا الغربية إلى العالم، ولا سيما مصر لموقعها المتميز فى قلب العالم، فالمسألة تثير اهتمام واشنطن جدا، وسبق لواشنطن عام 2018 أن ضغطت على شركائها فى تحالف «العيون الخمس» بريطانيا وكندا ونيوزيلندا واستراليا لفسخ العقود مع شركة هواوى لإقامة شبكات الجيل الخامس، خوفا مما وصفته واشنطن وقتذاك باختراق خطير للأمن القومى للدول الحليفة.
الشاهد أن هذا التنافس بلا شك سيؤدى إلى زيادة قدرة مصر على المناورة، مع الحرص على التوازن، فمصر تدرك ذلك جيدا خطورة المعادلة وتجيد على مر الزمان المواءمة وضبط المسافات مع القوى الكبرى والفاعلين السياسيين فى العالم، وهى ذات المعادلة التى تتبعها العديد من الدول صاحبة السياسات التقليدية الراسخة.
أول الدروس فى علم السياسة يقول إن علاقات الدول تدار بالمصالح، وليس بالعواطف والمشاعر، فليس معنى أن نلحظ مؤخرا تعاطفا من المصريين تجاه الصين أو تحفظا تجاه بعض السياسات الأمريكية أن صانع السياسة يتأثر فى قراره بهذا التعاطف أو ذاك التنافر، حتى مع تعدد سبل إظهار هذه المشاعر عبر الإعلام و»السوشيال ميديا»، فالسياسة محكومة بالحسابات المجردة وعلاقات القوة والنفوذ.
فى العلاقات الدولية، لا ود يدوم ولا خلاف يدوم، فقط تدوم المصلحة، ومصر ترفع شعار مصلحتها أولا وتدير سياستها بالتوازن لا بالانحياز، وتفضل استقبال التكنولوجيا والاستثمارات الصينية والأمريكية معا، لكنها لا تريد أن تسلم لأى منهما مفاتيح البنية الرقمية المصرية.
التقارب مع الصين سيظل ضرورياً لمصر فبينهما تاريخ طويل من التعاون وخلف كل منهما حضارة عريقة، وقد عكس البيان الرسمى المصرى الصينى المشترك الصادر عقب قمة الزعيمين فى القاهرة توافقا سياسيا، ونظرة متطابقة لقضايا المنطقة والعالم ويكفى هنا الاستشهاد بدعوة الرئيس شى جينبينج فى كلمته إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مع مصر، لكن يبقى أن يتم هذا من دون إثارة حساسية الولايات المتحدة أو الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية معها، وهذا يتطلب سياسة تنتج علاقات متوازنة مع مختلف القوى للاستفادة من تعدد الشراكات والحفاظ على هامش أوسع للمناورة، فالقاهرة يمكنها الاستفادة من الصين للتنويع ونقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، على أن تظل واشنطن مهمة جداً لمصر فى التسليح والتدريب والتوافق العملياتى والعلاقات الاستراتيجية.
أخيرا: يجب أن تتعامل مصر مع التنافس الأمريكى الصينى والروسى باعتباره مساحة للمناورة، مع تجنب أن تكون طرفاً فيه ومن دون إحلال طرف مكان طرف وهو ما يعنى تنويع الشراكات دون تغيير المعسكر.









