تتجه أنظار عشاق السينما العالمية هذه الأيام نحو جزيرة ليدو الإيطالية، حيث تُقام فعاليات الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. ووسط هذا العرس السينمائي العالمي، يظل الحضور العربي بصمة لا تُنسى في تاريخ المهرجان العريق.
ومن بين أبرز الأسماء العربية التي تركت أثراً واضحاً في «فينيسيا»، النجم الإيطالي ذو الأصول التونسية محمد الزواوي (Mohamed Zouaoui)، الذي يمتلك مسيرة فنية حافلة تمتد لعشرين عاماً في أوروبا.
ولم تكن علاقة الزواوي بـ«فينيسيا» عابرة؛ فقد مرّ من بوابته الكبرى مرتين: الأولى عام 2016 كصانع أفلام حين شارك بفيلمه القصير «فريدة» ضمن مبادرة «MigrArti» المهتمة بقضايا التعدد الثقافي.
أما الثانية فكانت استثنائية العام الماضي، حين وقف كممثل أمام أساطير هوليوود، مثل آل باتشينو ومارتن سكورسيزي، في العرض العالمي الأول لفيلم «In the Hand of Dante» الذي يُعرض حالياً على منصة نتفليكس.
وفي حديث خاص لـ«الجمهورية» عبر شبكة الإنترنت، فتح الزواوي قلبه ليتحدث عن مسيرته الدولية، والتحديات التي يواجهها الفنان العربي في المهجر، وعشقه للسينما المصرية.


تأثير «هوليوود الشرق» ومدرسة عمر الشريف
رغم غوصه وتعمقه في تفاصيل السينما الأوروبية، وتمكنه من أداء أدوار معقدة بلغات لا يجيدها —كما فعل حين نال جائزة «غلوبو دورو» كأفضل ممثل صاعد عام 2011 عن فيلم «زهور كركوك» ناطقاً بالكردية— إلا أن الزواوي يؤكد أن التكوين الفني الحقيقي يبدأ من مصر.
يقول الزواوي لـ«الجمهورية»: “هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن السينما المصرية كانت ولا تزال قوة ناعمة تخطت الحدود الجغرافية، إنها هوليوود الشرق والمدرسة الأم التي شكلت وعي أجيال بأكملها؛ فنحن تربينا على الفن المصري الذي جعلنا نتذوق الفن ونفهم لغة المشاعر قبل حتى أن نحترف التمثيل”.
ويضيف مؤكداً اعتزازه بنماذج النجاح المصرية: “لطالما ألهمتني مسيرة النجم العالمي عمر الشريف؛ فقد استطاع الوصول إلى قمة العالمية في هوليوود دون أن يتخلى يوماً عن هويته المصرية والعربية، وهذا هو الرهان الحقيقي: أن ننجح في الخارج دون أن نفقد بوصلتنا وهويتنا. بالنسبة لي، مهما حققت من نجاحات، يبقى تقدير الجمهور المصري والعربي هو التتويج الحقيقي والأغلى في مسيرتي”.



أزمة التوزيع والتواصل بين الممثل العربي وجمهوره
بعد رحلة بدأت عام 2004 غادر فيها الزواوي مسقط رأسه بمدينة المهدية التونسية، متخلياً عن حلم احتراف كرة القدم من أجل السينما، تراكمت في رصيده أكثر من 50 عملاً فنياً تنوعت بين السينما والدراما.
وقاد بطولات مطلقة في أفلام أوروبية بارزة مثل «Codice Karim» و«Scirocco»، وشارك في الفيلم الأمريكي «Beirut» عام 2018. ومع ذلك، تبقى أزمة التوزيع هي العائق الأكبر أمام وصول هذه الأعمال للجمهور العربي.
ويفسر الزواوي هذه المفارقة لـ«الجمهورية» قائلاً: “أعتز بكل تفاصيل مسيرتي، ووصول العمل للجمهور هو دائمًا غاية أي فنان، لكني أدرك جيداً أن الصناعة تحكمها آليات توزيع معقدة؛ فقد أقوم ببطولة خمسة أفلام في أوروبا ولا يشاهدها أحد في المنطقة العربية،
بينما يصلني الجمهور عبر دور في إنتاج أمريكي ضخم يُعرض على منصة عالمية. فالفيلم الأوروبي، مهما بلغت جودته، يواجه صعوبة بالغة في اختراق الأسواق العربية.. وما يشاهده الجمهور العربي أحيانًا هو مجرد نافذة صغيرة على مكتبة كبيرة من الأعمال”.
الشخصية العربية.. من التهميش إلى البطولة
وسط أزمة التوزيع، يرى الزواوي جانباً مشرقاً يتمثل في تطور النظرة الأوروبية للممثل العربي؛ فبعد أن كانت الأدوار مقصورة على صور نمطية، تغير المشهد الدرامي بالكامل.
ويوضح الزواوي هذه النقطة لـ«الجمهورية»: “الوجه الآخر والأكثر إشراقًا هو التحول الجذري في طريقة كتابة الشخصية العربية داخل الصناعة الأوروبية؛ ففي مطلع الألفية، كانت الأدوار العربية تُكتب غالباً لتأدية وظيفة سردية سطحية، مثل المهاجر الواقع في مأزق أو كخلفية لحدث أمني”.
ويستكمل حديثه قائلاً: “أما اليوم فالأمر مختلف تماماً؛ حيث أشارك حالياً في مسلسل (L’appartamento Sold Out) على شاشة (Rai 3) الإيطالية بدور (أسامة)، في قصة تتناول حياة زوجين تونسيين، حيث تمثل الشخصية العربية محوراً درامياً رئيسياً له عمق وحياة داخلية.
كما أنضم للجزء الجديد من المسلسل الشهير سوبورا (Suburra). والفرق الحقيقي اليوم ليس في حجم التواجد فقط، بل في جودة الكتابة؛ فالشخصية العربية أصبح لها كيان، وصناع العمل أدركوا أن التنميط أصبح عبئاً على الدراما وعلى نجاح العمل تجارياً”.
نبذة عن النجم محمد الزواوي
محمد الزواوي، فنان إيطالي من أصل تونسي، حائز على جائزة «غلوبو دورو» العريقة كأفضل ممثل صاعد، وصاحب مسيرة دولية حافلة تمتد لعشرين عاماً، وقف خلالها أمام عمالقة هوليوود مثل آل باتشينو، ومارتن سكورسيزي، وجون مالكوفيتش في فيلم «In the Hand of Dante» الذي عُرض مؤخراً على منصة نتفليكس.
كما ترك الزواوي بصمات استثنائية في مهرجان فينيسيا السينمائي مخرجاً وممثلاً. ويشهد حالياً حالة من التوهج الفني الكبير؛ حيث ينضم لأبطال الجزء الجديد من مسلسل «سوبورا» (Suburra) الذي يُعد من أنجح الأعمال الإيطالية عالمياً ويتصدر قائمة الأكثر مشاهدة على نتفليكس، وذلك بالتزامن مع تواجده في المغرب لتصوير عمل سينمائي دولي ضخم، وظهوره الحالي على الشاشات الإيطالية عبر قناة Rai 3.









