نغلق باب البيت جيدًا، ونطمئن لأن أولادنا في غرفهم، ثم نضع في أيديهم هاتفًا يفتح لهم أبواب العالم كله.. ونعتبر أننا قمنا بدورنا! الحقيقة أن المجرم لم يعد بحاجة إلى أن يقتحم البيت، يكفيه حساب وهمي، ورسالة، ولعبة إلكترونية، أو محادثة تبدأ بـ«هاي» وتنتهي بكارثة.
الأرقام التي كشفتها اليونيسيف ليست مجرد إحصاءات، بل إنذار صريح للأسر: نحو 20 مليون طفل بين 12 و17 عامًا تعرضوا خلال عام واحد لشكل من أشكال الاستغلال أو الإساءة الجنسية عبر التكنولوجيا في الدول التي شملتها الدراسة. ونحو 60% من الحالات وقعت عبر منصات التواصل الاجتماعي، و14% داخل الألعاب الإلكترونية.
المشكلة أننا ما زلنا نراقب الساعة التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، ولا نراقب من يقضيها معه. نسأله: «هتفضل على الموبايل لحد إمتى؟»، ولا نسأله: «مين بيكلمك؟ ومين طلب منك صورة؟ ومين بيضغط عليك؟».
والأخطر أن المعتدي ليس دائمًا «غريبًا» كما نحب أن نعتقد. 57% من الحالات شملت شخصًا يعرفه الطفل. وهذا يعني أن جملة «ما تكلمش حد غريب» لم تعد حماية كافية. المجرم قد يدخل من دائرة معرفة الطفل، أو يصنع لنفسه مكانًا فيها، ويتحول تدريجيًا من صديق أو لاعب أو متابع إلى «مبتز».
ثم تأتي الكارثة الأكبر: الصمت.. أكثر من 40% من الأطفال لم يخبروا أحدًا بما تعرضوا له، وأقل من 1% أبلغوا الجهات المختصة، وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل يخاف الطفل من المجرم فقط؟ أم يخاف أيضًا من أب سيصرخ، وأم ستلوم، وأسرة قد تصادر الهاتف وتقول له: «إنت السبب»؟
إذا قال الطفل «حد بيهددني»، فآخر شيء يحتاجه هو التحقيق معه وكأنه متهم. يحتاج إلى أن يسمع أولًا: «أنا مصدقك.. وإحنا هنحل الموضوع». لأن الطفل الذي يخاف من أسرته سيصمت، والصمت هو أفضل حليف للمبتز.
الحماية ليست في سحب الهاتف، ولا في منع الإنترنت، ولا في الاعتقاد الساذج بأن أبناءنا «فاهمين التكنولوجيا أكثر منا». الحماية في أن يعرف الأب والأم التطبيقات والألعاب التي يستخدمها الطفل، وأن يراجعا إعدادات الخصوصية، ويضعا قواعد واضحة للصور والبيانات والمحادثات، وأن يعلما الطفل ماذا يفعل إذا تعرض للتهديد.
وإذا حدث الابتزاز، فلا دفع، ولا إرسال صور جديدة، ولا مواجهة منفردة. نحفظ الأدلة، نبلغ المنصة، ونلجأ فورًا إلى الجهات المختصة.
لكن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها. شركات التكنولوجيا التي تعرف كيف تجعل الطفل يبقى ساعات أمام الشاشة، يجب أن تعرف أيضًا كيف تمنع المجرم من الوصول إليه. والقوانين يجب أن تلاحق جرائم رقمية تتطور أسرع من النصوص التقليدية.
لنحسمها: الهاتف ليس لعبة بريئة عندما نضعه في يد طفل، والإنترنت ليس شارعًا بلا شرطة. إما أن نعلّم أبناءنا كيف يعيشون بأمان في العالم الرقمي، أو نترك المجرمين يعلّمونهم بطريقتهم. وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال: أين كان الطفل؟ بل: أين كنا نحن؟








