الخطأ الكبير الذى وقع فيه الكثيرون – وأنا واحد منهم – هو أن المعارك المحيطة والدائرة هى صراع بين خبر صحيح وخبر كاذب، فى إطار السجال التاريخى بين أهل الحق وأهل الباطل.
المعركة الحقيقية، يا سادة، أصبحت معركة انتباه؛ فمن يستطيع أن يجعلك تنظر هنا بدلًا من هناك؟ ومن يستطيع أن يجعل قضية ما تحتل عقلك طوال اليوم؟ ومن يستطيع أن يحوّل الهامش إلى متن، والمتن إلى هامش؟
قديمًا، كان من يملك الجريدة أو المجلة يمتلك قوة ضاربة، يشكّل بها الأمزجة ويصنع من خلالها رأيًا عامًا، ثم أصبح من يملك محطة التلفزيون يمتلك قوة أكبر وأسرع فى خوض المعارك.
أما اليوم، فالوضع بات مغايرًا مائة بالمائة؛ فلا الصحيفة، ولا الصحفى، ولا التلفزيون، ولا المذيع، يستطيع مواجهة
«الخوارزميات»!
فعلينا، إذن، أن نسأل السؤال الأخطر: من يملك الخوارزمية التى تقرر ما الذى سيشاهده مائة مليون إنسان فى وقت واحد، ودون مجهود أو تكلفة أو رقابة؟
لقد ظهر لاعب جديد يجلس خلف الستار، لا وجه له ولا صوت، لكنه يقرر كل صباح ما الذى سيراه الملايين، وما الذى سيختفى من أمامهم، وما الذى سيتكرر حتى يتحول من مجرد رأى إلى حالة عامة.
إنه المهندس الخفى للرأى العام: الخوارزمية.
الخوارزمية التى لا تدخل بيتك لتقول لك: صدّق هذا واكفر بذاك، ولا تأمرك بأن تحب شخصًا أو تكره آخر؛ إنها تستخدم سلاحًا أكثر نعومة وخطورة: تختار لك ما تراه.
لأن من يستطيع التحكم فى بوابة الانتباه يستطيع أن يؤثر فى المزاج العام، ومن يؤثر فى المزاج العام يستطيع أن يؤثر فى القرار، ومن يملك القدرة على التأثير فى قرارات الجماهير فقد وضع يده – ولو جزئيًا – على عجلة التاريخ.
أذكر هنا، وعلى سبيل المثال، «تيك توك»؛ إذ يوضح أن نظام التوصية لديه يتعلم من الأشياء التى تشاهدها، وما تكمله من فيديوهات حتى النهاية، وما تتجاوزه، وما يعجبك أو تشاركه أو تعلق عليه، ثم يستخدم هذه الإشارات للتنبؤ بالمحتوى الأكثر احتمالًا لجذب اهتمامك.
أى إن كل ضغطة، وكل ثانية مشاهدة، تتحول إلى معلومة عنك، ثم تعود إليك فى صورة عالم إعلامى مصمم خصيصًا لك.
والنتيجة أن شخصين يجلسان على الأريكة نفسها، فى المنزل نفسه، ويفتحان التطبيق نفسه، قد يعيشان داخل عالمين مختلفين تمامًا؛ الأول يرى محتوى يؤكد أن الدنيا تنهار، والثانى يرى أن الأمور تتحسن. الأول تحاصره رواية سياسية معينة، والثانى تغمره الرواية المضادة، وكلاهما قد يظن أن ما يراه هو «ما يقوله الناس».
وهنا مكمن الخطر الحقيقى..
فالخوارزمية لا تصنع الحقيقة بالضرورة، لكنها تستطيع صناعة الشعور بما هى الحقيقة السائدة، بصرف النظر عن صحتها أو خطئها.
إنها تستطيع أن تجعل حدثًا صغيرًا يبدو وكأنه قضية الأمة، وأن تجعل قضية كبرى تختفى تحت طوفان من الترفيه. وتستطيع أن تكرر فكرة أمامك حتى تفقد إحساسك بأنها رأى، وتبدأ فى التعامل معها باعتبارها حقيقة بديهية.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: تشاهد محتوى غاضبًا، فتتفاعل معه، فتفهم الخوارزمية أن الغضب يجذبك، فتقدم لك المزيد منه، فتزداد انفعالًا، فتتفاعل أكثر، فتتعلم الآلة منك مرة أخري.
إنها دائرة يتعلم فيها الإنسان من الشاشة، بينما تتعلم الشاشة من الإنسان، الذى يدخل بقدميه ومشاعره إلى داخل الفقاعة الملعونة .









