لم تكن زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة مجرد محطة فى أجندة العلاقات الدولية، وإنما جاءت فى توقيت بالغ الحساسية، تتغير فيه موازين القوى العالمية والإقليمية، وتتزايد فيه الحاجة إلى صياغة نظام أكثر توازنًا واستقلالاً.
فالزيارة التى جاءت بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، أكدت عمق الشراكة بين القاهرة وبكين، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسى والاقتصادى والتكنولوجي. ومصر، باعتبارها أول دولة عربية وأفريقية أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956، تحظى بمكانة خاصة فى الرؤية الصينية تجاه المنطقة.
أحد أهم مكاسب الزيارة أنها أكدت مجددًا أن مصر ما زالت لاعبًا رئيسيًا فى معادلات الشرق الأوسط، وأنها تمتلك القدرة على بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى دون الانخراط فى سياسة المحاور.
فالتقارب مع الصين لا يعنى ابتعاد مصر عن الولايات المتحدة أو أوروبا، وإنما يعكس سياسة تنويع الشراكات وتعظيم المصالح الوطنية. وهو ما يمنح القاهرة مساحة أكبر للحركة، ويعزز قدرتها على التأثير فى القضايا الإقليمية والدولية، خاصة فى ظل التحولات الجارية فى المنطقة. وقد أكد الرئيسان أهمية تعزيز التعاون والتنسيق، ودعم دور الدول النامية فى تشكيل مستقبل النظام الدولي. المكاسب الاقتصادية تبدو أكثر وضوحًا، فالصين أصبحت أكبر شريك تجارى لمصر فى تجارة السلع غير البترولية، وبلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 20.7 مليار دولار فى 2025، كما شهدت الاستثمارات الصينية توسعًا كبيرًا فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة فى منطقة التعاون المصرية الصينية «تيدا» بالعين السخنة، التى تستضيف أكثر من 200 شركة واستثمارات تتجاوز 3.8 مليار دولار.
لكن الأهم بالنسبة لمصر هو الانتقال من مرحلة استيراد المنتجات الصينية إلى توطين الصناعة والتكنولوجيا داخل مصر.
هنا تبرز فرص التعاون فى السيارات الكهربائية، والإلكترونيات، والطاقة الشمسية، والكيماويات، والزراعة الحديثة، والذكاء الاصطناعي. كما تركز القاهرة على جذب المزيد من الشركات الصينية للتصنيع فى مصر، وتحويل البلاد إلى مركز إنتاج وتصدير للأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
بالتالى فإن قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها لا تمثلان فقط ممرًا للتجارة العالمية، وإنما يمكن أن تتحولا إلى منصة صناعية ولوجستية صينية كبرى تخدم أسواقًا متعددة.
الرئيس الصينى دعا دول الشرق الأوسط إلى أن تكون «سيدة شئونها ومصيرها»، وأن ترفض التدخلات الخارجية، وأن تعمل على بناء إطار أمنى إقليمى جديد يقوم على الحوار والتعاون والأمن المشترك. هذه الرسالة تحمل دلالات كبيرة، خصوصًا فى ظل الحروب والأزمات التى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فالصين تقول بوضوح إن أمن الشرق الأوسط يجب ألا يظل رهينًا للقوى الخارجية، وإن شعوب المنطقة ودولها هى الأقدر على تحديد مستقبلها وصياغة منظومة أمنها. الرسالة تتقاطع بدرجة كبيرة مع رؤية مصر التى تؤكد أهمية احترام سيادة الدول، وعدم التدخل فى شئونها، والاعتماد على الحوار والحلول السياسية.
لكن بكين، فى الوقت نفسه، تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية؛ فالشرق الأوسط يمثل مصدرًا رئيسيًا للطاقة، كما أن استقرار قناة السويس وطرق التجارة الدولية يمثل أهمية حيوية للاقتصاد الصيني.
مصر أمام فرصة تاريخية
الزيارة تضع أمام مصر فرصة كبيرة لتحويل الشراكة السياسية مع الصين إلى مكاسب اقتصادية ملموسة: استثمارات، تصنيع، تكنولوجيا، صادرات، وظائف، وطاقة نظيفة واقتصاد رقمي.
فى المقابل، تمنح الشراكة مع الصين القاهرة ورقة إضافية فى إدارة علاقاتها الدولية وفق سياسة تقوم على التوازن لا الاستقطاب.
الخلاصة أن زيارة شى جين بينج لمصر ليست مجرد احتفال بسبعة عقود من الصداقة، وإنما إعلان عن بداية مرحلة أكثر عمقًا فى العلاقات المصرية الصينية.
أما الرسالة الصينية للشرق الأوسط، فهى الأوضح: المنطقة يجب أن تصنع مستقبلها بنفسها، وأن يكون قرارها نابعًا من مصالح شعوبها، لا من إملاءات القوى الخارجية. يبقى التحدى الحقيقى أمام دول المنطقة هو تحويل هذه الفكرة من شعار سياسى إلى واقع، عبر بناء اقتصاد قوي، وقدرات تكنولوجية وصناعية، وشراكات دولية متوازنة تحفظ الاستقلال وتصنع القوة.









