أعجبنى جدا مقال الأخ والصديق العزيز الدكتور محمد الباز المنشور فى ،،حرف،، الملحق الثقافى الصادر عن جريدة الدستور بعنوان «الصنم المدنس» وقد تناول فيه الرد على كل المحتفين بالمجرم الإرهابى سيد قطب.. نعم.
أمرهم غريب وتصرفاتهم حمقاء وأفعالهم كلها تنم عن جهل وغباء..هؤلاء هم من يحتفلون الآن بالإرهابى سيد قطب. هم يقدمون وعيا مزيفا للأجيال الجديدة. فقد شهدت الساحة الفكرية مؤخرًا محاولات من تيارات التطرف خاصة جماعة الإخوان وبعض المنضوين تحت لوائها لإحياء ذكرى رموز العنف الفكرى وعلى رأسهم سيد قطب. هؤلاء يرسمون حوله هالة من التقديس ويصورونه كمظلوم قضى نحبه فى سبيل مبادئه، متجاهلين تماما الكارثة الفكرية والآثار المدمرة التى تركها فكره فى جسد الأمة الإسلامية والعالم بأسره. إن الرد على هذه الظاهرة ليس مجرد تفنيد تاريخى لنصوص أو مواقف، بل هو معركة وجودية للدفاع عن وسطية الدين واعتداله، وحماية عقول الأجيال الجديدة من الوقوع فى فخ الأدلجة الظلامية التى تشرعن العنف وتكفر المجتمع.
الخطيئة الكبرى التى تبنى عليها أفكار سيد قطب، وتتوارثها الأجيال المحتفية بذكراه، هى مقولة جاهلية المجتمع. فعندما كتب فى ظلال القرآن وفى كتبه الأخرى أن البشرية كلها تعيش فى جاهلية، وأن الحكم بما أنزل الله مفقود، لم يكن يوجه نقده لأنظمة سياسية محددة فحسب، بل كان يوجه طعنة لضمير المجتمع المسلم ذاته. لقد أخرج قروناً من التاريخ الإسلامى والحضارة والثقافة الإسلامية من دائرة الإسلام، معتبراً أن المجتمعات القائمة اليوم هى مجتمعات كافرة أو فى جاهلية. هذا التأصيل النظرى الخطير هو النواة الأولى والمنبع الأصلى لكل تنظيمات العنف والتكفير والقتال التى ظهرت لاحقاً، فمن يقتنع بأن مجتمعه كافر أو جاهلي، يصبح القتال ضده والتخريب فى بنيانه والمفاصلة الشعورية عنه أمراً مشروعاً ومطلوباً بل ومقدساً.
الاحتفاء بسيد قطب يتغاضى عمداً عن الطبيعة الإقصائية لفكره، والتى لا توفر مساحة للتعايش أو الحوار. ففى أدبياته، لا يوجد سوى تيارين اثنين لا ثالث لهما. تيار الإيمان الخالص الذى يمثله تنظيمه الضيق أو من وافق رؤيته التكفيرية، وتيار الكفر والجاهلية الذى يضم العالم بأسره بمن فيه من مسلمين يمارسون شعائرهم بشكل طبيعى. هذا الفكر الثنائى الماسونى الخير المطلق مقابل الشر المطلق جرف طاقات شبابية نحو العدمية، فبدلا من أن يستثمر الشباب فى بناء الأوطان وتطوير العلوم ونهضة المجتمعات، جرى استنزافهم فى معارك وهمية لتكفير الدولة واستباحة الدماء ومحاربة المجتمعات التى ينتمون إليها. إن تخليد ذكرى صاحب هذا الفكر هو بمثابة صك اعتراف ضمنى بصلاحية هذه المنهجيّة الهدامة لكل زمان ومكان.
علاوة على ذلك يعمد المحتفون بسيد قطب إلى فصل النص عن السياق التاريخى والسياسى الذى كتب فيه، وخلع عباءة المفكر المظلوم عليه، محاولين إخفاء الجانب العملى والانقلابى فى خطابه. فالسجون والمعتقلات، بغض النظر عن الجدل التاريخى حول ملابساتها، لم تكن هى التى أنتجت التطرف، بل إن التطرف الفكرى والمشروع التنظيمى السرى ومحاولات تقويض الدولة والاغتيالات هى التى سبقت وواكبت تلك المراحل إن تحويل مجرم فكرى أو منظر للعنف إلى شهيد كلمة هو تزييف للوعى التاريخي، يهدف إلى استعطاف العواطف الدينية النبيلة لدى البسطاء والشباب الذين لا يملكون الأدوات النقدية لقراءة النصوص وتفكيك خلفياتها.
وفى مواجهة هذه الظاهرة تبرز الحاجة الملحة إلى تفكيك هذا الخطاب من جذوره عبر أدوات نقدية علمية ومؤسسية. إن الرد الحقيقى لا يكون بالشجب الانفعالى فحسب، بل بتقديم البديل المعرفى الرصين الذى يرسخ لمفاهيم المواطنة، والانتماء الوطني، ووسطية الإسلام وسماحته. والمؤسسات الدينية الكبرى مثل الأزهر الشريف ودور الإفتاء، تقع عليها مسؤولية تاريخية كبرى فى بيان زيف الأصول الفكرية التى تستند إليها أدبيات سيد قطب، وتوضيح كيف تتقاطع مع مقاصد الشريعة الإسلامية التى جاءت لحفظ الأنفس والأعراض والعقول، لا لهدمها وتكفيرها.
كما أن التعليم والثقافة يلعبان دور خط الدفاع الأول، فبناء عقل نقدى قادر على التساؤل، وقراءة التاريخ بموضوعية، واستيعاب التنوع والاختلاف، هو السلاح الأقوى فى وجه التمترس الأيديولوجى والإقصاء. وعندما يتم تربية الأجيال على أن حب الوطن، واحترام سيادة القانون، والعيش المشترك هى من صميم الدين، تتهاوى تلقائياً أساطير الحاكمية المطلقة والجاهلية الشاملة التى روج لها قطب وأتباعه. إن الشباب بحاجة لمن يروى لهم قصص البناء والإعمار والتعايش السلمي، لا قصص الانعزال والكراهية واستعداء المجتمعات.
إن إحياء ذكرى سيد قطب ليس وفاء لفكر نير كما يزعم مريدوه، بل هو استدعاء لشبح الدمار والخراب الذى اكتوت به الأمة عقودا طويلة. إن التاريخ لا يرحم من يعيدون تدوير الأزمات، والدول لا تبنى على أنقاض التكفير والتخوين، إن الرد الحاسم على هذه الظاهرة هو التمسك بوعى وطنى جامع، وإسلامى سمح، يرفض الغلو والتطرف، ويؤمن بأن بقاء الأمة ونهضتها لا يتحققان إلا بالعمل المشترك، والبناء المؤسسى، وقبول الآخر، لا بالإقصاء والتكفير والارتماء فى أحضان الماضى المظلم.









