بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف، بل تحولت إلى واحدة من أعقد أزمات النظام الدولى المعاصر، بعدما امتدت تداعياتها إلى الأمن الأوروبي، وأسواق الطاقة والغذاء، والاقتصاد العالمي، ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب.
وفى قلب هذه المعادلة يبرز الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يحاول تقديم نفسه باعتباره القادر على نقل الصراع من منطق الحرب والاستنزاف إلى منطق الصفقة والتفاوض. ومن هنا يثور السؤال: هل يستطيع ترامب بالفعل تحقيق تقارب روسى أوكرانى أوروبى يمهد لإنهاء الحرب وإعادة صياغة منظومة الأمن فى القارة الأوروبية؟.. المؤكد أن رؤية ترامب تختلف بدرجة واضحة عن النهج الأمريكى الذى ساد فى السنوات الأولى للحرب. لتعامله مع الصراعات الدولية بعقلية تقوم على حساب التكلفة والعائد،وقد انخرطت الإدارة الأمريكية خلال عام 2026 فى جهود وساطة مباشرة، وشهدت أبوظبى فى يناير أول محادثات ثلاثية ضمت مسئولين أمريكيين وروسًا وأوكرانيين، أعقبتها جولات أخري، إلا أن المفاوضات الرسمية توقفت لاحقًا، وظلت القضايا الجوهرية دون حل. وتشير تقديرات أمريكية إلى أن روسيا ما زالت تسيطر على نحو خُمس الأراضى الأوكرانية، بينما لم يستطع أى من الطرفين تحقيق نصر عسكرى حاسم. وهنا تكمن فلسفة ترامب: إذا كان الحسم العسكرى الكامل شديد التكلفة وربما بعيد المنال، فلماذا لا تتحول هذه الحقيقة الميدانية إلى فرصة تفاوضية؟
لكن الطريق إلى التسوية يبدأ من موسكو، وهو طريق بالغ الصعوبة. فالرئيس فلاديمير بوتين لا يريد مجرد وقف لإطلاق النار، وإنما يسعى إلى تسوية تعالج ـ من وجهة النظر الروسية ـ جذور الصراع وترتيبات الأمن الأوروبى ومستقبل العلاقة بين أوكرانيا وحلف الناتو. بل إن تصريحات بوتين فى الأول من سبتمبر 2026 تعكس استمرار الثقة الروسية فى الموقف العسكري؛ إذ أكد أن قواته تحقق تقدمًا ميدانيًا، وفى الوقت نفسه ترك الباب مفتوحًا أمام مساهمة مبعوثى ترامب فى عملية تفاوضية جادة، مع رفضه الدخول فى مفاوضات يراها بلا نتائج حقيقية. ومن ثم فإن التحدى الأكبر أمام ترامب هو إقناع موسكو بأن مكاسب السلام قد تصبح أكثر أهمية من مكاسب استمرار الحرب.
على الجانب الآخر، لا تستطيع كييف قبول اتفاق يبدو فى الداخل الأوكرانى وكأنه إقرار بنتائج الحرب أو تنازل مجانى عن الأراضى
ولكن، إذا أراد ترامب الوصول إلى سلام مستدام، فلن يكون ممكنًا عقد صفقة أمريكية ـ روسية تتجاهل أوروبا. فالاتحاد الأوروبى أعلن استعداده للمشاركة فى ترتيبات الضمانات الأمنية بالتعاون مع الولايات المتحدة.
وهنا نعتقد أن مهمة ترامب تصبح أكثر تعقيدًا: فهو لا يتفاوض فقط بين بوتين وزيلينسكي، وإنما يحاول إيجاد هندسة أمنية جديدة لأوروبا تستطيع موسكو التعايش معها، وتطمئن أوكرانيا، ولا تعتبرها العواصم الأوروبية مكافأة لروسيا على استخدام القوة.
يمتلك ترامب أوراق ضغط مهمة. فهو يستطيع استخدام العقوبات الاقتصادية، والدعم العسكرى لأوكرانيا، والعلاقات الاقتصادية المستقبلية مع روسيا، ومكانة الولايات المتحدة داخل حلف الناتو. فنحن أمام معادلة قد تصبح جوهر استراتيجية ترامب: السلام مقابل فتح تدريجى لأبواب التعاون الاقتصادى، واستمرار الحرب مقابل استمرار أو تصاعد الضغوط.
ولكن، هل يمكن تحقيق التقارب الثلاثي؟ : يمكن القول إن النجاح ممكن، لكنه ليس قريبًا أو مضمونًا. فهناك ثلاث فجوات رئيسية يتعين على ترامب تضييقها: فجوة الأراضى بين موسكو وكييف، وفجوة الضمانات الأمنية بين روسيا والغرب، وفجوة الثقة المتراكمة بين روسيا وأوروبا.
ولذلك فإن التسوية الواقعية قد لا تبدأ بمعاهدة سلام شاملة، وإنما بسلسلة خطوات متدرجة: وقف أو خفض العمليات العسكرية، ترتيبات إنسانية وتبادل للأسري، آلية دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، ثم مفاوضات حول الأراضى والضمانات الأمنية والعقوبات والعلاقات الاقتصادية وإعادة الإعمار.
ترامب أمام فرصة سياسية حقيقية، ولكنها فى الوقت نفسه اختبار شديد الصعوبة لدبلوماسية الصفقات التى يتبناها. نجاحه لن يتحقق بمجرد جمع بوتين وزيلينسكى حول مائدة واحدة، بل بقدرته على صياغة معادلة مصالح كبرى: روسيا تحصل على ضمانات بشأن بعض مخاوفها الأمنية دون شرعنة استخدام القوة، وأوكرانيا تحصل على ضمانات حقيقية لأمنها وسيادتها، وأوروبا تحصل على نظام أمنى أكثر استقرارًا، والولايات المتحدة تنجح فى إنهاء حرب استنزفت موارد الغرب وأعادت التوتر الدولى إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب الباردة.
وفى تقديرى، فإن فرصة ترامب فى تحقيق تقارب روسى أوكرانى قائمة، أما تحويل هذا التقارب إلى مصالحة روسية ـ أوروبية شاملة فسيحتاج إلى سنوات وليس إلى صفقة واحدة.
ويبقى السؤال الذى ستجيب عنه الأيام والشهور المقبلة: هل يستطيع ترامب الانتقال من دبلوماسية الصفقة إلى هندسة سلام تاريخى يعيد روسيا وأوكرانيا وأوروبا إلى طاولة واحدة؟ إذا نجح، فلن يكون قد أنهى حربًا فحسب، بل ربما يكون قد ساهم فى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية لأوروبا لعقود مقبلة.









