أيام قليلة تفصلنا عن بداية العام الدراسي الجديد ومع بدأ العد التنازلي لانطلاق دقات جرس الحصة الأولى، أعلنت الملايين من البيوت المصرية حالة الطوارئ والاستنفار الشامل استعدادا لتجهيز متطلبات أبنائهم للدراسة والتي باتت تحتاج قرضا من البنك أو الفانوس السحري لتحقيقها حيث تبدأ بالمصروفات الدراسية وما يصاحبها من زيادة سنوية مرورا بالزي المدرسي والحقائب ثم السابلايز والكتب الخارجية وغيرها والمصروفات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
والحقيقة لم يعد استقبال المدارس يتسم بتلك البهجة البسيطة التي كان أولياء الأمور يعيشونها سابقا عند شراء الكشاكيل والكراسات الجديدة والاقلام الجاف والرصاص وكراسة الرسم والالوان الخشبية أو الفلومستر والمسطرة والاستيكة بل تحول الأمر إلى عبء كبير مجهد للبدن والذهن والعقل، استنزاف مالي لا يرحم جيوب البسطاء ومحدودي الدخل الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة جشع المدارس وسندان المدرسين والسابلايز.
وبعيدا عن الزيادة السنوية في مصروفات المدارس وتكاليف الباص المدرسي خرجت علينا العديد من المدارس بفرمانات عاجلة تقضي بتغيير الزي الموحد، مستبدلة التصميمات القديمة بتيشيرتات وبناطيل جديدة لا تختلف كثيراً في الخامة، ولكنها تختلف جذرياً في السعر.. ليجد الأب نفسه مجبراً على دفع مبالغ تتجاوز الألف والألفين جنيه للطقم الواحد للطفل؛ وهي مصروفات وإجراءات تعسفية تهدف في المقام الأول إلى إغلاق الباب أمام تدوير الملابس بين الأشقاء أو استخدام زي العام الماضي، والأدهى من ذلك هو سياسة الاحتكار المباشر، حيث تفرض بعض المدارس الشراء من منافذ حصرية تابعة لها أو اتفقت معها مسبقاً، بأسعار مضاعفة ومبالغ تتجاوز كل أسعار السوق الحر، ليتحول التيشيرت المدرسى من وسيلة لترسيخ المساواة وإلغاء الفوارق الطبقية بين الطلاب، إلى “بزنس” يحقق أرباحاً طائلة على حساب ولي الأمر .
وما إن يفيق ولي الأمر من صدمة الزي الموحد، حتى تباغته إدارة المدرسة ومدرسو المواد بـ «ليستة السابلايز»، وهي قائمة طلبات أقل ما يقال عنها أنها افتراء، ولا تراعي أية ظروف اجتماعية أو مادية، فقد تراجعت أسطورة الكشكول والقلم الجاف او الرصاص، ليحل محلها أدوات بماركات معينة ومستوردة بالاسم، ورفض كامل للبدائل المحلية المتاحة.
تشتمل القوائم على كميات خيالية من الورق والألوان والأدوات الهندسية، فضلاً عن تحميل الطالب مسؤولية التكفل بـ «مستلزمات النظافة والرعاية» الخاصة بالمؤسسة التعليمية كاملة؛ من مطهرات، ومناديل معقمة، ورق تواليت، وصابون رغوي بكميات تكفي قطاعات إدارية لا أطفالاً في مرحلة التعليم.
استقيموا يرحمكم الله.. من اين يأتي رب الأسرة بكل ذلك والسؤال.. كيف لأسرة متوسطة أو لديها أكثر من طفل في مراحل تعليمية مختلفة أن تصمد أمام هذه الفواتير؟ إن المتوسط المالي لطلبات طفل واحد في قائمة المستلزمات والزي والمصروفات الإدارية بات يتجاوز مرتبات أسر بأكملها، مما يدفع الكثيرين للاقتراض أو الاستدانة لمجرد تأمين دخول أبنائهم إلى فصولهم الدراسية دون خجل أو إحراج أمام زملائهم.
إن المعاناة الحقيقية لا تكمن فقط في الأرقام المسجلة على فواتير الشراء، بل في الضغط النفسي والعصبي الذي يمارس على أولياء الأمور الذي يعيشون أيام عصيبة يحاولون خلالها تحقيق التوازن بين التزامات البيت المعيشية وبين طلبات المدرسين التي لا تنتهي، والتي جعلت من موسم العودة للمدارس حملاً ثقيلاً بدلاً من أن يكون مناسبة سعيدة لبدء مرحلة جديدة من بناء عقول الأبناء.
يا سادة هناك الملايين من أصحاب الدخول المتوسطة التي لا تتجاوز دخولهم الـ 10 آلاف جنيه.. ماذا هم فاعلون؟.. أين الرحمة؟.. أين الإنسانية؟.. أين الإحساس بالناس؟.. لقد حان الوقت لوقف هذه الفوضى، وفرض رقابة حازمة وجادة من وزارة التربية والتعليم والأجهزة الرقابية على المدارس الخاصة والمدرسين.. امنعوا بيزنس المدارس والزي وفوضى السابلايز، احظروا تغيير الزي المدرسي إلا في أضيق الحدود ولترخيص زمني لا يقل عن خمس سنوات، مع فتح المجال لشراء الملابس من أي منفذ تجاري حر.
التعليم حق مكفول للجميع، وتوفير الأدوات الأساسية واجب، ولكن تحويل المستلزمات والزي إلى مشنقة مالية يمثل إرهاقاً صريحاً للمواطن وتفريغاً للعملية التعليمية من مضمونها التربوي والإنساني.. ارحمونا يرحمكم الله.









