حين تتجه أنظار أكبر قوتين تكنولوجيتين في العالم، الولايات المتحدة والصين، إلى مصر للتنافس على مشروع للذكاء الاصطناعي، فهذه ليست مجرد صفقة تبحث كل دولة عن الفوز بها، وإنما شهادة جديدة على الثقل الذي أصبحت تمثله مصر في خريطة التكنولوجيا العالمية.
فمصر بما تملكه من سوق ضخمة، وكوادر بشرية، وموقع استراتيجي، وبنية تحتية للاتصالات، لم تعد مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل أصبحت دولة يتنافس الكبار على أن تكون جزءًا من مستقبلهم التكنولوجي.
الصين، عبر شركة «هواوي»، تعرض إنشاء بنية تحتية متقدمة للحوسبة بالذكاء الاصطناعي تضم أكثر من ألفي رقاقة، بينما تتحرك الولايات المتحدة لتشكيل تحالف من شركاتها لتقديم عرض منافس، فيما لم تعلن الحكومة المصرية حتى الآن اختيارها لأي من العرضين.
وهنا يجب أن ننتبه جيدًا.. فالفرصة ليست في أن نضع آلاف الرقائق داخل مبنى مصري ونحتفل بافتتاحه.. الفرصة الحقيقية أن نضع العقل المصري فوق هذه الرقائق، وأن تتحول الجامعات إلى معامل حقيقية للذكاء الاصطناعي، وأن تحصل الشركات الناشئة على قدرات الحوسبة التي تمكنها من بناء منتجات تنافس إقليميًا، وأن تستخدم الدولة هذه القدرات في تطوير خدمات أكثر كفاءة.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تكنولوجيا جديدة يمكن إضافتها إلى قائمة الأدوات الحديثة. إنه اقتصاد جديد بالكامل، ومن يملك الحوسبة والبيانات والعقول والمنظومة القادرة على تحويل هذه العناصر إلى منتجات وخدمات، سيمتلك جزءًا كبيرًا من اقتصاد المستقبل.
وهنا تظهر القضية الأكثر حساسية: السيادة الرقمية. فمركز بهذا الحجم يمكن أن يتعامل مع بيانات حكومية ومالية وصحية وتجارية، فضلًا عن بيانات ملايين المستخدمين. ووجود الخوادم داخل الأراضي المصرية يمثل جانبًا من السيادة على البيانات، لكنه لا يكفي وحده. السيادة الحقيقية تبدأ عندما تمتلك مصر المعرفة والكوادر والقدرة على إدارة هذه المنظومة واتخاذ قرارها التكنولوجي.
لذلك، لا يجب أن يكون السؤال المصري: أمريكا أم الصين؟ بل يجب أن يكون: ماذا ستحصل عليه مصر؟ من ينقل المعرفة؟ من يدرب الكوادر المصرية؟ من يضمن أمن البيانات؟ من يتيح لمصر تطوير قدراتها مستقبلًا؟ ومن يتعامل مع الجامعات والشركات المصرية باعتبارها شريكًا حقيقيًا في المنظومة، وليس مجرد مستخدم لخدماتها؟
المنافسة الأمريكية الصينية يمكن أن تتحول من مأزق إلى فرصة تاريخية لمصر، إذا أحسنا إدارة هذه المنافسة ورفعنا سقف طموحنا. فمصر لا يجب أن تكتفي باستضافة مركز بيانات متقدم، وإنما يجب أن تسعى إلى بناء مركز معرفة، ومجتمع من المطورين والباحثين والشركات القادرة على إنتاج حلول الذكاء الاصطناعي وتصديرها إلى الأسواق العربية والأفريقية.
وفي النهاية، إذا كان السؤال العالمي اليوم: أمريكا أم الصين؟ فالإجابة التي يجب أن تكتبها مصر بنفسها هي: لا هذا ولا ذاك.. الإجابة مصر.









