أمضيت عامًا ونصف فى «دير المحرق» لأكتب «أحزان الشماس»
الشعر أدخلنى إلى عالم السرد القصصى والاثنان أوصلانى إلى الرواية
جريدة «الجمهورية» أول من قدمنى للقارئ
كتب : سهي زكي
لا يتحدث الكاتب الكبير سعيد نوح فى هذا الحوار فقط عن الكتابة، وإنما يفتح للمرة الأولى تقريبًا أبوابًا شديدة الخصوصية فى حياته: الألم، محاولة الانتحار، سعاد، الشعر، جيل التسعينيات، تشكيل مشروعه الروائى، وعلاقته بالمكان والدين والذاكرة.
هو حوار مع إنسان صنعت التجربة القاسية منه كاتبًا.
هناك كتاب يكتبون لأنهم اختاروا الكتابة، وهناك من تبدو الكتابة بالنسبة إليهم قدرًا لا يستطيعون الفكاك منه.. وسعيد نوح واحد من هؤلاء الذين لم تكن الكتابة عندهم رفاهية أو مهنة، بقدر ما كانت وسيلة للنجاة، ومحاولة مستمرة لفهم ما جرى، وما لا يزال يجرى داخل الإنسان.
منذ البدايات الأولى، حمل صاحب «كلما رأيت بنتًا حلوة أقول يا سعاد» تجربة إنسانية شديدة القسوة، بدأت بمحاولة انتحار فى طفولته، ثم امتدت عبر سنوات طويلة من الألم والفقد، وصولا إلى رحيل سعاد، الفتاة التى ارتبط اسمها بتجربته الإنسانية والأدبية، وتحولت سيرتها إلى واحدة من أشهر رواياته وأكثرها التصاقًا باسمه حتى أنه أطلق اسم سعاد على ابنته ليصبح لقبه بين أصدقائه «أبوسعاد».. لكن سعيد نوح ليس صاحب رواية واحدة، كما يؤكد فى هذا الحوار، فخلف «سعاد» مشروع روائى ممتد، تشكل عبر الشعر أولا، ثم القصة، ثم الرواية، وعبر سنوات من البحث والمعايشة والاقتراب من الناس والأماكن، وهو أيضًا أحد الأسماء التى ارتبطت بما عرف لاحقا بـ»جيل التسعينيات»، ذلك الجيل الذى حمل تجارب سردية متعددة، وفتح أبوابًا جديدة فى الرواية والقصة المصرية.
فى هذا الحوار، يتوقف سعيد نوح الذى رشح اسمه ضمن القائمة القصيرة لجائزة الدولة للتفوق فى الآداب أمام روايته «أحزان الشماس» التى ظلت حبيسة الأدراج أكثر من ستة عشر عامًا، ويشرح كيف أصبح الموت أحد المكونات الأساسية فى عالمه الروائى.
سعيد نوح معنا يقترب من سعيد الإنسان.. ذلك الذى ظل طوال عمره يحاول أن يفهم الألم، ويحوّله إلى كتابة.
> كيف بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل كانت القراءة بالنسبة إليك بداية طريق أم وسيلة للنجاة؟
>> هى رحلة العمر، بعد أن تمكنت، وأنا فى الثامنة من عمرى، من خوض تجربة الانتحار بالنار، وهى التجربة التى كتبتها بالكامل فى رواية «61 شارع زين الدين» التى صدرت عن روايات الهلال عام 2006، لم يكن أمامى إلا الاختباء فى البيت بعد تجربة الانتحار المحرقة تلك، جلست حبيس البيت بعد ما يزيد على العامين قضيتهما فى مستشفى الأمراض المستعصية بحلوان، وهكذا مضى بى الزمن بين مجموعة من عمليات التجميل، حتى تمكنت، بعد خمس سنوات، من الخروج من البيت دون غطاء للرأس وجزء من الوجه.
طريق القراءة
> وكيف كنت تهزم كل هذا الوقت؟
>> طبعا، كان التليفزيون وقتها محطتين فقط، ويبدأ البث من الخامسة مساء، باستثناء يوم الأحد لم يكن هناك حل سوى القراءة، كانت مكتبة أبى عبارة عن متر فى متر داخل الجدار، لها ضلفتان، وممتلئة بمجلات «المختار الإسلامية»، وبعض كتب التفسير المبسطة، وجزء من السيرة النبوية، وبعض قصص الأنبياء، وحين رأت أمى شغفى بالقراءة، راحت تشترى لى الكتب، وبدأت كتابة الشعر بالفصحي، وكان باب القراء فى جريدة «المساء» أول من نشر لى ثلاث قصائد صغيرة، ومن هناك انطلقت، لتكون جريدة «الجمهورية» أول من نشر لي، فى نصف الصفحة الأخيرة، قصيدة بعنوان «من طفل فى الوطن العربى إلى المجتمعين فى ريكيافيك».
> نعرف أن لك قصة مع شعر العامية وجيل الثمانينيات اسردها لنا؟
>> فى بداية عام 1985 وجدتنى أكتب شعر العامية، لأنضم إلى مجدى الجابري، ومحمود الحلواني، وطاهر البرنيالي، ومسعود شومان، وشحاته العريان، ويسرى حسان، ويسرى العزب، وناجى شعيب، ومحمد الحسينى، وشهاب حسن، وغيرهم، ومضت بى خمس سنوات من أجمل أيام حياتى ، كل يوم كانت هناك ندوة فى مكان ما بالقاهرة: ندوة الأستاذ محمد جبريل فى جريدة «المساء»، وندوة الدكتور يسرى العزب، وندوة الأستاذ محسن الخياط، وندوة «العوامة»، والحزب الوطني، وجماعة الشعر، وندوة المركز الاشتراكى بالجيزة، ونادى الزجالين.. كما التصقت فى تلك الفترة بالرائد المبدع يسرى العزب وأنا أنظر إلى تلك السنوات، أقول إن فضل هؤلاء جميعا على كبير، ولولا الكتاب ما كان لى وجود، فالشعر أدخلنى إلى عالم السرد القصصى، والاثنان أدخلانى إلى عالم الرواية.
جيل التسعينيات
> ينظر إليك باعتبارك أحد أبناء «جيل التسعينيات» كيف تشكل هذا المصطلح، وكيف تنظر إليه الآن بعد كل هذه السنوات؟
>> جيل التسعينيات» مصطلح طرح مرتان فى منتصف عام 1995، على وجه الدقة طرحه الأكاديمى والناقد الجليل صبرى حافظ فى مقال عن روايتى الأولى «كلما رأيت بنتا حلوة أقول يا سعاد» التى صدرت عام 1995و نشر هذا المقال الطويل العميق فى جريدة «المصور» على عدد من الصفحات.. مرت المقولة على بعض الأفواه العتيقة والراسخة فى دنيا السرد لمدة عام كامل، وكنت أنا المصحوب بها، فقد ترددت مقترنة باسمي، هناك من تندر بها، وهناك من ضحك عليها وأضحك من حوله، وهناك من رفعها فوق رأسه وراح يؤكد عليها، مثل الكاتب الراحل الكبير محمد ناجي، صاحب رواية «لحن الصباح» البديعة ولا يمكن أن أنسى أنه اشترى مائة نسخة من روايتى ووزعها، أو الناقد الراحل حسين عيد، الذى كتب عنها فى الأسبوع الأول من صدورها، إلى جانب محمد كشيك، ومحمد البساطى، والعم إبراهيم منصور.. وهناك قتلة مأجورون من كبار المبدعين حاسبهم الله على ما فعلوه فينا نحن الكتاب الجدد، ورحمهم على ما قدموه من موهبة تعلمنا منها أيضا.. ثم، وعلى حين غرة، عمّ المصطلح مصر وانتشر بين المثقفين المصريين.. كانت مجلة «الكتابة الأخرى» التى أسسها وأصدرها المبدع الكبير هشام قشطة، قد أخرجت إلى النور عددها الرابع عشر، الخامس عشر فى مايو 1996، وبه مجموعة من الفصول الأولى لروايات عدد من المبدعين، منهم مصطفى ذكري، وسمير غريب، وعبدالحكيم حيدر، ومنتصر القفاش، وميرال الطحاوى، إلى جانب نصوص قصصية لهدى حسين، ووسام سليمان، وعفاف السيد، وسحر توفيق، وهناء عطية، وناصر الحلوانى.. ومن هنا ظهر المصطلح وتردد مرة أخرى، وتم تعميمه على جيل مختلف كل الاختلاف فى توجهاته السردية.. وبالطبع لم يتكون هذا الجيل من هؤلاء فقط.. هناك أسماء لكتاب أصحاب علامات واضحة داخل ما سمى بجيل التسعينيات، الكاتب الكبير الراحل حسين عبدالعليم، الذى صنع النوفيلا الخاصة به «حسنى حسن»، وخالد إسماعيل، والسفير محمد توفيق، وعادل عصمت، ومحمد إبراهيم طه، وعلاء خالد، وياسر شعبان، وسيد الوكيل، وحمدى أبوجليل، رحمه الله، وشحاته العريان، وصبحى موسى.. كل هؤلاء أصحاب مشاريع مهمة داخل ذلك الجيل.. والقارئ الماهر سوف يؤكد أن لكل منا وجهة نظر تختلف عن الآخر.. ربما تجمعنا تواريخ الظهور، لكن على امتداد الطريق كانت هناك دائمًا بصمة خاصة بكل واحد منا، وبصمة أحادية التوجه.
> ما اللحظات التى تراها علامات حقيقية فى تكوينك الإنسانى والأدبي؟ وكيف انعكست علاقتك بسعاد على تجربتك فى الكتابة؟
>> بعد أكثر من أربعة وثلاثين عاما على رحيل سعاد، ما زلت أثير قيدها.. هناك دائما وأبدا لحظة لخلق الإنسان داخل ذاته، ليست علامات على الطريق بقدر ما هى لحظات يمر بها الإنسان، وحين يخرج منها لا يعود كما دخل، يخرج محملاً بروح جديدة.. العلامة الأولى بالنسبة لى كانت تلك اللحظة التى أمسكت فيها بجركن الجاز وقربته من صدرى، وحين هممت بصبه، اكتشفت أننى أرتدى قميصًا جديدا يصلح لأخى الأكبر.. تحركت قدماى كإنسان آلي، ونزلت إلى الدور الثانى، إلى الحجرة التى تنام فيها أمى، فتحت ضلفة الدولاب بهدوء، واخترت قميصًا قديمًا ممزقة بعض أجزائه، وتركت الآخر الجيد لأخى، ولم أنظر إلى أمى النائمة تحت لحاف من الستان الأزرق، تتناثر عليه عصافير لا تظهر إلا فى الضوء.. عدت إلى المكان الذى اخترته، ورفعت جركن الجاز، لكننى لم أفرغه كله كما تخيلت، بسبب تلك الرائحة التى تسللت إلى أنفى، تركته، وبسرعة أخرجت الكبريت وأشعلت العود.. فى تلك اللحظة تأكد لى أن النار تخرج من صدري، لا من يدى التى أسقطت العود.اللحظة الثانية كانت حين اكتشفت أننى ما زلت حيا فى مغسلة المستشفى، لكننى كنت أخاف أن أعلن عن تمسك جسدى بالحياة، ظللت لأكثر من ساعتين، ثم تحركت، فاكتشفوا أننى ما زلت أحيا، فأخرجونى من المغسلة إلى رحلة عذاب استمرت لعامين كاملين، كانوا يكحتون جلدى الملتهب والمعبأ بالمياه والصديد دائما ليمسدوا أسفله بطبقة من المراهم، حتى بدأ الجلد يعيد بناء نفسه، ونجوت! اللحظة الثالثة حين كنت فى المقبرة مع أبى لدفن سعاد، أزلت غطاء الكفن الأبيض عن وجهها المنير، فتأكد لى أننى سأظل أحمل ذلك الوجه ما دمت حيًا، أما اللحظة الأخيرة فى هذا الحديث، فكانت فى اليوم الثالث بعد موت سعاد، كنت قد عدت من المقابر فيما بين الثانية والنصف والثالثة، ودخلت حجرتى فى الدور الأرضى، أشعلت اللمبة النيون الخضراء، وجلست على السرير أتذكر متى تناولت طعاما.. تحركت إلى الثلاجة، وأخرجت علبة زبادى وتناولتها حتى يهدأ الحرقان فى معدتي، ثم أرخيت جسدى على السرير، وغلبنى النوم، وهناك، فى ذلك البرزخ الجميل الذى هيأه لى الموت، خرجت لى سعاد كما لم أرها من قبل، يا الله على هذا الجمال الساكن فى جنتك! أخذتنى من يدى وأرتنى تفاصيلها، وما إن أمد يدى إلى ما ترينى إياه حتى أعود سريعا لأمرر يدى على وجهها، لأتأكد من وجودها وأنها لم تمت كما أشاعوا! كان السؤال يجتاحني، وكنت أضلله حتى لا أخرج من الرؤية، كنت أريد أن أتأكد من أنها حية، ولهذا لم يخرج السؤال من مكمنه، كانت الأنوار تتداخل فى بعضها، وأنا أتبع جسدها الدافئ حتى لا أفيق من وقع ما أعيشه، حتى جاءت الخاتمة، حين طلبت منى أن أكتب رواية عنها، ثم أمرتنى أن أقوم بإطفاء النور الأخضر والاستعداد لصلاة الفجر، فتحت عيني، لأجد اللمبة النيون فى عينى أغمضتهما، لعلى أعود إلى سعاد حيث كانت لكن صوت المؤذن أكد لى أننى كنت أحلم بها.
أما عن سعيد الكاتب، فأقول بكل وضوح وثقة: بعد مرور تلك السنوات الأربعة والثلاثين، وقبلها عشر سنوات فى دنيا الشعر، يشرفنى كثيرا أن أكون أخا لسعاد ولولا سعاد ما كان سعيد ، فقط أشير إلى ما قمت به بعد أن حملت رواية «كلما رأيت بنتًا حلوة أقول يا سعاد» على الرأس والعين ، كانت مسئولية كبيرة بالنسبة لى أن أكتب شيئا ذا بال بعد هذه الرواية التى ارتبطت باسمي، فإذا ذكر سعيد نوح، ذكرت تلك الرواية، وكأن لم تجرِ فى النهر مياه كثيرة، كأننى لم أصدر غيرها.
مشروع ممتد
> وهل يزعجك أن تشتهر بتلك الرواية على حساب بقية أعمالك؟
>> صحيح هذا يضايقنى فى بعض الأحيان، لأن لدى مشروعا روائيا ممتدا وليس رواية واحدة، ولو كانت «كلما رأيت بنتا حلوة أقول يا سعاد»، لكن فى كل الأحوال أنا أعتز بها وأعتز بكونها أثرت فى أجيال من أهل الكتابة كثيرا، سيناريو كتابة رواية «كلما رأيت بنتا حلوة أقول «يا سعاد» أسطورى كلما تذكرته، أنهيت كتابتها فى أسبوع، من اليوم الثالث لرحيلها ولمدة أسبوع، لم أكن أفعل شيئا سوى الكتابة والبكاء وبعض اللقيمات وكثير من علب السجائر، ثم نشرت بعد ما يزيد على ثلاث سنوات، فى الحقيقة، كتبتها على الآلة الكاتبة، لم يكن الكمبيوتر قد عرف فى تلك الفترة بالنسبة لنا، وصنعت أكثر من خمسين نسخة، وجلدتها، ورحت أوزعها على الأصدقاء والكتاب والنقاد فى كل الأماكن الثقافية التى عرفتها خلال ما يقرب من اثنى عشر عاما، كنت خلالها أسيرا للثقافة وأماكن وجودها، بعد أن هجرت الشعر، كانت كلمات الأصدقاء مشجعة لى لأدخل إلى رواية جديدة، هى رواية «أحزان الشماس».
> حدثنا عن تجربتك فى كتابة رواية «أحزان الشماس»؟
>> ظهر لى بطل العمل فى شخصية طالب فى السنة الأولى بالجامعة، ابن شماس فى دير، ولما كنت من منطقة حلوان، ذهبت إلى دير العريان بالمعصرة لأتعرف إلى الحياة داخله.. ودخلت كل كنائس حلوان مع أصدقائى فى الأعياد والأفراح والمآتم والأربعين، كنت أحتاج إلى معرفة أشياء كثيرة عن الثقافة الكنسية، لأن العمل كله يدور فى الدير.. وذهبت إلى دير المحرق، أمضيت عاما ونصف العام أتردد عليه وأكبر مدة تشرفت بالجلوس فيها كانت شهرا ونصف متواصلا وفى منتصف عام 1994 انتهيت من ثلاثية «الشماس» التى نشرت بعد ذلك بسنوات تصل إلى ستة عشر عامًا أو يزيد فى المجلس الأعلى للثقافة تحت عنوان «أحزان الشماس».
تجربة موجعة
> الموت حاضر بقوة فى تجربتك.. كيف تحول من تجربة شخصية موجعة إلى مادة أساسية فى مشروعك الروائى؟
>> منذ الصغر عرفت ذلك الخفى، لكننى لم أدرك كنهه إلا مع سعاد، مررت بالفقد حتى وصل إلى قلبى ذاته أما عن الموت داخل كل أعمالي، فهو حقيقة كالحياة، لكن الحياة تبدأ فى بداية الطريق، بينما الموت يأتى بعد حياة طويلة كانت قائمة بمسراتها وأحزانها وأوجاعها، لكننى رحت أسأل نفسى: ماذا أصنع، ومادتى الخام قد دونت منذ آلاف السنين على جدران المعابد المصرية القديمة بلغة معروفة؟ ماذا أفعل لأخرج من مأزق الموت عند المبدعين السابقين؟ وجدت الحل الأمثل فى الدخول إلى قلب الأحداث، إذن لا بد من وجود لغة شاعرية وإيجازية فى الوقت نفسه، الإيجاز فى عالم مليء بالتعقيدات والإيجاز الذى أعنيه هو الدخول إلى قلب الأشياء مباشرة، دون تورية أو إضمار.
> لكن حضور الموت امتد إلى عناوين الأعمال كذلك وليس داخلها فقط؟
>> نعم فرواية «دائمًا ما أدعو الموتى» كانت اللغة وعاء للشخصيات ومن هنا كانت اللغة العامية هى لغة العمل.. أما الحدث، فهو حكاية حب بين شخصية أنور المنسترلى وتوحة، أنور ممثل من الدرجة الثانية، من هؤلاء الذين يطلق عليهم لقب «كومبارس» جعلته يظهر فى مجموعة من الأفلام المهمة فى ذاكرة السينما المصرية، فمثلا جعلته أحد الكومبارسات الذين يرددون وراء محمد عبدالوهاب أغنيته الشهيرة «عاشق الروح» فى فيلم «غزل البنات»، ثم جعلته العسكرى الذى يصاحب أنور وجدى فى فيلم «أربع بنات وضابط»، ويظهر صديقا لفريد شوقى فى فيلم «الأسطى حسن»، وأعتقد أن تلك المرجعية المخترعة من الألف إلى الياء جعلت أنور إنسانا من لحم ودم، كما أخبرنى كثير من الأصدقاء حتى إن عمنا المبدع الكبير محمد البساطى اتصل بى وهو يشاهد فيلم «قلبى دليلى» ليسألنى عن أنور.. فبعد نشر الرواية ببضعة أشهر رن هاتف المنزل، وحين أجبت فاجأنى صوت الأستاذ محمد البساطي:ـ واد يا سعيد أنا بتفرج على فيلم «قلبى دليلي» فين أنور هنصوره فى الكورس؟ وكان يقصد الكورس الذى يردد خلف ليلى مراد الأغنية وفى الوقت نفسه، توجد داخل الرواية شخصية حقيقية ومهمة مثل يوسف صديق، أحد الضباط الأحرار، بل أهمهم أيضًا من حيث الفعل الذى قام به، والذى لولاه ما حدثت الثورة فى موعدها، أو على الأقل لم يتم الالتفات إليها.
شخصيات متخيلة
>لكن روايتك 61 شارع زين الدين تذهب فى اتجاه مختلف فكيف تحررت وذهبت بعيدا؟
>> رواية «61 شارع زين الدين» تحكى عن نشأة ذلك الحى الذى نشأت فيه، وتاريخ نشأته وسكانه، صحيح أن الأحداث والشخصيات متخيلة، لكننى أردت أن أكتب تاريخ الحى الاجتماعيى. وأنا أبنى الشخصيات اكتشفت أن المقدس فرج قد اختار بيته بجوار الجامع الوحيد فى بداية النشأة ومن هنا رحت أبحث داخل إطار الرواية: لماذا اختار فرج ذلك المكان؟ ولماذا ظل طوال عمره يستمع إلى ميكروفون الجامع فى بيته ليل نهار؟ إنها المعرفة الجديدة بطبائع البشر، لقد ظل المقدس وفيا لدينه، ومع ذلك لم يكره صوت المؤذن أو يتأذ منه يوما.
> وهل يمكن اعتبار رواية المهرج والملاك امتداد للتناول الاجتماعى؟
>> فى رواية «الكاتب والمهرج والملاك الذى هناك» كانت المعرفة الجديدة التى تفجرت من داخل العمل هى دخول ما يشبه الدراسة الميدانية الموثقة عن حكر أبو دحروج، ذلك المكان العشوائى الذى نشأ فى بداية الثمانيات، والذى أخرج لنا أبطالا جددا لم يتم التعامل معهم من قبل فى العمل الروائى، ثم كتبت بعد ذلك روايات كثيرة فيها عوالم مختلفة، بعضها واقعى والكثير منها متخيل، فنحن الكتاب نمتح من حياتنا ومن سير المحيطين بنا عوالم متخيلة، وإن غيرنا الزمان والمكان والأسماء.









