ممارسة الطب
لا تحتمل خيار «الخطأ والصواب»
فجر التحذير العاجل الذى أطلقته النقابة العامة للأطباء بشأن قبول طلاب للالتحاق بكليات طب بشرى تابعة لفرع إحدى الجامعات الدولية داخل مصر بمجموع يبدأ من 50 ٪ فقط زلزالاً واسعاً فى الوسط الطبى والتعليمي.. هذا التحرك النقابى الموجه إلى رئاسة مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي.. يفتح الملف الأكثر خطورة فى منظومة الصحة والتعليم العالى .. فهل تحولت مهنة الطب التى تتعلق بحياة البشر وسيعتمد عليها أمن المواطن الصحى إلى سلعة تجارية لمن يملك القدرة المالية بغض النظر عن الكفاءة الأكاديمية؟
تتأسس خطورة الواقعة فى خلق «نظام موازٍ» يتيح التفافاً صريحاً على قواعد التنسيق والحدود الدنيا المعتمدة بكليات الطب (والتى لا تقل عادة عن 79 ٪ إلى 90 ٪ فى الجامعات الحكومية والخاصة).. وتستند هذه الجامعات إلى الذريعة القائلة بأن «الجامعة دولية وتطبق لوائح القبول الخاصة بدولتها الأم بشرق أوروبا» وهى حيلة قانونية وأكاديمية واهية.. فالجامعة التى تعمل على أرض مصرية وتستهدف إعداد خريجين لتقديم الرعاية الصحية للمواطن المصرى لا يجوز بأى حال إعفائها من المعايير السيادية والمنظومة المعتمدة لممارسة المهنة داخل الدولة. إن قبول طالب فى أخطر وأهم كليات القمة بمجموع «50 ٪» يمثل تهديداً متعدد الأبعاد فالعلوم الطبية تعتمد فى المقام الأول على تحصيل عميق للمواد الأساسية (الأحياء، الكيمياء، الفيزياء) والحصول على 50 ٪ يعكس ضعفاً كبيراً فى المبادئ العلمية الأساسية مما يجعل استيعاب المناهج الطبية المعقدة والمحدثة أمراً بالغ الصعوبة، ويرفع احتمالية إنتاج طبيب ضعيف التكوين العلمي.
وممارسة الطب لا تحتمل خيار «الخطأ والصواب» فالطبيب يتخذ قرارات مصيرية فى غرف العمليات والطوارئ وضبط الجرعات الدوائية.. واستبدال الجدارة والأهلية العلمية بالملاءة المالية يُخرج للشارع أطباء يفتقرون للكفاءة مما يرفع معدلات الكوارث والأخطاء الطبية الجسيمة التى يدفع ثمنها المواطن البسيط من صحته وحياته. ولا تتوقف الأزمة عند المجموع المتدنى فحسب، بل تمتد – وفقاً لنقابة الأطباء – إلى افتقار العديد من هذه الكليات المستحدثة لـ«مستشفيات جامعية تعليمية» معتمدة وهو ما يعنى تحول الدراسة إلى تلقين نظرى مجرد وحرمان الطالب من التدريب الإكلينيكى المباشر على أيدى أساتذة متخصصين ومعاينة الحالات المرضية الحقيقية.
إن الطبيب المصرى طالما تميز عالمياً بكفاءته العالية وتأسيسه الصارم مما جعله مطلوبا فى مختلف الدول العربية والأوروبية.. وفتح باب القبول لمعدلات متدنية يضرب سمعة الطبيب المصرى فى الخارج ويدفع المؤسسات والهيئات الطبية الدولية لحظرواعتماد الشهادات الصادرة من مصر مما يدمر عقوداً من تراكم سمعة الطب المصري.
أما نقابة الأطباء فلم تقف عند حدود التحذير الشفهى بل اتخذت موقفاً حازماً يتلخص فى إعلان النقابة صراحة عدم قيد أو تسجيل أى خريج من هذه الكليات فى جداولها العامة وحرمانه المباشر من الحصول على «ترخيص مزاولة المهنة».. إلى جانب تمسك الجمعية العمومية للنقابة بقواعد قاطعة تشترط ألا يزيد الفارق بين مجموع الطالب فى الثانوية العامة والحد الأدنى للقبول بكليات الطب الحكومية المصرية عن 5 ٪ إلى 10 ٪ كحد أقصى سنة حصوله على المؤهل.. مع إلزام وزارة التعليم العالى والبحث العلمى والمجلس الأعلى للجامعات بإخضاع كافة الكليات (بما فيها الدولية والأهلية) لقانون التعليم العالى المصرى والحد الأدنى للقبول مع غلق المنشآت التى لا تملك مستشفيات جامعية متكاملة للتدريب.









