تجديد الخطاب الدينى يحتاج إلى العلم .. ولا مساس بثوابت الشريعة
«اللامذهبية» تفتح باب فوضى الفتوى .. وكل مذهب حصيلة علمية لا يجوز تركها
اختلاف الأئمة فى الفروع رحمة .. والشريعة جاءت بسعة وتيسير
التصوف علم لابد لكل مسلم معرفة جانب منه

من «كُتّاب القرية» فى «نمرة البصل» بدأت رحلة طويلة مع القرآن الكريم وعلوم الشريعة، رحلة امتدت لعقود من طلب العلم والتدريس، وصولاً إلى الجلوس على كرسى مشيخة الشافعية بالجامع الأزهر الشريف.. إنها سيرة عالم جمع بين التكوين الأزهرى الأصيل، والتجربة الحياتية الثرية، وملازمة العلماء، وتدريس العلم، حتى أصبح شاهدًا على تحولات طويلة فى مسيرة التعليم الدينى والفقه الإسلامى.. يستعيد شيخ الشافعية بالجامع الأزهر الشيخ عبدالعزيز الشهاوى محطات فى رحلته؛ من حفظ القرآن الكريم فى سن العاشرة، وملازمة عمه الشيخ الشهاوى فى طلب العلم، إلى سنوات الخدمة بالقوات المسلحة، دون أن تنقطع صلته بالعلم والتدريس.. كما يتحدث عن أهمية الحفظ والمراجعة لطالب العلم فى عصر التكنولوجيا، وخريطة إعداد الأئمة والوعاظ، ودور المذهب الشافعى فى التعامل مع مستجدات العصر، وموقفه من الدعوات إلى «اللامذهبية» والاجتهاد المطلق، فضلاً عن أدب الاختلاف الفقهى، والتصوف الصحيح، ومواجهة الفتاوى الشاذة وفتاوى غير المتخصصين.
كيف تلخصون رحلتكم الطويلة من كُتّاب القرية فى «نمرة البصل» إلى الجلوس على كرسى مشيخة الشافعية بالجامع الأزهر؟
ولدت فى قرية «نمرة البصل» عام 1945، وبدأت حفظ القرآن الكريم فى كُتّاب القرية، وأتممت حفظه وختمته وأنا فى سن العاشرة. ثم انتقلت إلى دراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغوية، وكانت رحلة طويلة أكرمنى الله عز وجل خلالها، فما عودنى إلا الجميل، ولازمت الشيخ الشهاوى، عم والدى، فى طلب العلم، وبدأت الدراسة على يديه عام 1957، واستمرت ملازمتى له حتى عام 1965، وعندما بلغت سن التجنيد الإجباري، التحقت بالقوات المسلحة، وخدمت فى البحرية المصرية بالإدارة المالية للقوات البحرية مراجعَ حسابات لمدة أربع سنوات، ثم انتقلت إلى البحر الأحمر، حيث عملت أربع سنوات أخرى كاتبًا للماليات، وقد تزوجت فى سن الخامسة عشرة، وخدمت فى الإسكندرية أربع سنوات، ثم انتقلت إلى البحر الأحمر، فى سفاجا والغردقة، وقضيت هناك أربع سنوات.
هل انقطعتم عن العلم أثناء فترة التجنيد؟
لا، لم أنقطع عن تدريس العلم، وكان الطلاب يأتون إلى القرية من مختلف أنحاء مصر ومن خارجها لطلب العلم. واستمر ذلك حتى طلبنا الجامع الأزهر الشريف، منذ نحو ثمانى أو تسع سنوات، للتدريس فى أروقته العامرة، ومنذ ذلك الحين لم أنقطع نهائيًا عن تدريس العلم.
كيف ترون أهمية الحفظ والمراجعة لطلاب العلم الشرعى فى عصر الاستسهال التكنولوجى؟
لابد لطالب العلم من الحفظ والمراجعة. وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «تعاهدوا القرآن»، فهو أشد تفلتًا من الإبل فى عقلها، حتى إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حث على تعاهد القرآن ويقول بعض العلماء: من لم يذاكر علمه ولم يستفد منه نسى ما تعلم. ولذلك لابد من المراجعة المستمرة، وإلا نسى الإنسان علمه.
ما الخريطة العلمية والتربوية التى تنصحون بها جيل الأئمة والوعاظ الشباب لتجديد الخطاب الدينى دون المساس بالثوابت؟
نصيحتى لشباب الأئمة والوعاظ أن يتقنوا العلم ويتفقهوا فى الدين، وأن يتعلموا أركان الخطبتين وأحكام الصلاة والإمامة؛ فلا يكفى أن يكون الإنسان إمام مسجد ولا يعرف أركان الخطبتين، والقاعدة تقول: «كل من وجب عليه عمل، وجب عليه علمه». ومثال ذلك حجاج بيت الله الحرام والمعتمرون؛ فالمشكلة تكون كبيرة عندما يعود بعضهم وقد ارتكب أخطاء جسيمة لا يمكن تداركها، وكل ذلك بسبب الجهل وعدم معرفة الأحكام.
تتبؤون منصب شيخ الشافعية فى مصر.. ما الخصائص التى يتميز بها الفقه الشافعى ومدرسته فى التعامل مع النوازل والمستجدات العصرية؟
مستجدات العصر تحتاج إلى النظر فى أمور كثيرة، وقد تعرضنا لذلك فى دروسنا فى مسائل متعددة، منها التيمم ومسافة المصلى بينه وبين الماء، فنحن نتحدث عن حد القرب وحد البعد وحد الغوص. فإذا كان حد القرب، مثلاً، نحو كيلومترين، فكم يستغرق الوصول إلى الماء بالسيارة فى عصرنا؟ هذه أمور تحتاج إلى إعادة نظر، ولقد غيرت مستجدات العصر كثيرًا من الظروف والمعطيات، ولذلك أصبح من الضرورى أن ننظر إلى بعض المسائل نظرة مختلفة، مع الحفاظ على أصول الشريعة وثوابتها.
ما ردكم على دعاوى «اللامذهبية» أو الاجتهاد المطلق؟
كل من يدعو إلى عدم التمذهب ورفض المذاهب يقول بلسان حاله أو مقاله: «أنا البديل» وأقول له: حسنًا، إذا تركنا المذاهب، فمن الذى سيفتينا؟ ومن الذى سيوصلنا إلى الحكم الشرعي؟ قد يقول الإنسان: «أنا البديل»، وربما كان قائل هذا الكلام لا يحسن قراءة آية من القرآن والمذاهب الفقهية حصيلة علمية عظيمة، وقد اجتمعت عليها الأمة، فلا ينبغى التقليل من شأن العلماء والمذاهب التى حملت الفقه الإسلامى عبر القرون.
كيف يسهم أدب الاختلاف الفقهى بين الأئمة فى إثراء الفكر وحماية المجتمع؟
الاختلاف بين الأئمة لم ينشأ عن أهواء أو عبث أو تضييق، وإنما نشأ عن النظر والاستدلال والاستنباط، واختلاف العلماء رحمة؛ لأن الشريعة جاءت بسعة، وهذا الاختلاف يراعى أحوال الناس وقدراتهم فمثلاً، قد أكون أصلى ولا أستطيع الجلوس طويلاً، أو أعجز عن أداء بعض الهيئات على صورتها المعتادة، وهنا نجد اختلافًا فى الفروع بين الأئمة، وهذا الاختلاف يفتح للناس أبوابًا من التيسير والتيمم مثال واضح على رحمة الشريعة وسعتها، ولذلك فإن اختلاف الأمة فى الفروع الفقهية رحمة، ما دام قائمًا على العلم والدليل والأدب.
كيف تحددون مفهوم التصوف الصحيح المنضبط؟
> تحدثت كثيرًا عن التصوف، وقلت إن التصوف علم كسائر العلوم، ولابد لكل مسلم من جانب منه، خاصة فيما يتعلق بتزكية النفس ومجاهدة الهوى ومن أمثلة ذلك علاج الحسد والحسد داء، وهو تمنى زوال النعمة عن الغير. وكنت أتحدث مع أحد الزملاء عن علاج الحسد فى التصوف، وكيف يتدرب الإنسان على مجاهدة نفسه، ويتدبر قول الله تعالي: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا) فإذا فتح الله على إنسان بنعمة، فلا يستطيع أحد أن يمنعها عنه، وهنا يتعلم الإنسان الأدب مع الله، ويدرك أن مجاهدة النفس وتدريبها من أهم ما يعين على التخلص من أمراض القلوب.
ما أهم نصيحة ورثتموها عن شيوخكم؟
الآداب الشرعية بصفة عامة؛ من كرم الأخلاق، وحب الخير للناس، والالتزام بكل الآداب الشرعية هذه هى أهم وصية ورثتها عن مشايخي، وأتمنى أن تنتقل من جيل إلى جيل.
أصبحت الفتاوى الشاذة مادة دسمة للتريند والإثارة الإعلامية.. هل تؤيدون فرض قوانين رادعة تمنع غير المتخصصين من الفتوى؟
نعم، وأتمنى أن تضع إدارة الأزهر قوانين رادعة، وأن يكون كل ما يتعلق بالأحكام الشرعية تحت مظلة الأزهر الشريف، لقد سمعت رجلاً ينكر بعض القصص الواردة فى التراث، ويتحدث عن أحكام شرعية بطريقة بعيدة عن العلم، بل وصل الأمر إلى إطلاق أحكام خطيرة على الآخرين، ولذلك أتمنى أن يكون كل ما يتعلق بالعلوم الشرعية والفتوى تحت مظلة الأزهر الشريف، وأن تتم محاسبة من يتصدر للفتوى بغير علم، وفق القانون والجهات المختصة، فالفتوى مسئولية عظيمة، ولا يجوز أن تتحول الأحكام الشرعية إلى مادة للتريند أو وسيلة للإثارة، وإنما يجب أن تصدر عن أهل العلم والتخصص.









