لم يكن اختيار الأمين العام للأمم المتحدة يومًا مسألة إجرائية محضة، إلا أن أهميته تكتسب بُعدًا استثنائيًا فى المرحلة الراهنة، فى ظل تزامن أزمات النظام الدولى مع تحديات متزايدة تواجه فاعلية المنظمة.
فتصاعد النزاعات المسلحة، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع فرص التوافق داخل مجلس الأمن، إلى جانب الضغوط المتنامية على قواعد القانون الدولى ونظام المعاهدات، كلها تضع الأمين العام المقبل أمام بيئة دولية أكثر تعقيدًا.
غير أن هذه التحديات لا يمكن اختزالها فى شخص الأمين العام أو فى قدرته على ممارسة الدبلوماسية. فهناك قيود مؤسسية وسياسية تحد من قدرة المنظمة على التحرك، فى مقدمتها بنية مجلس الأمن وحق النقض وتعارض مصالح القوى الكبرى.
ومن ثم، فإن اختيار الأمين العام المقبل ينبغى أن يُقرأ ضمن سؤال أوسع يتعلق بطبيعة القيادة التى تحتاج إليها الأمم المتحدة فى نظام دولى تغيرت فيه موازين القوة وتعددت فيه مراكز التأثير.
لقد أصبح النظام الدولى أكثر تعددًا فى مراكز القوة وأكثر تعقيدًا فى أنماط التفاعلات الدولية، بينما لا تزال هياكل الأمم المتحدة وقواعد عملها، فى جوانب أساسية، مرتبطة بترتيبات نشأت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين حجم المسئوليات الموكلة إلى المنظمة وبين قدرتها على الاستجابة لها فى بعض الملفات.
تكشف هذه الفجوة عن الحاجة إلى تطوير المؤسسات الدولية بصورة تدريجية، بما يسمح لها بالتعامل بمرونة أكبر مع النزاعات والتنافس الجيوسياسى والتحديات الاقتصادية والتكنولوجية والأزمات الإنسانية.
ولا يعنى ذلك التخلى عن النظام متعدد الأطراف، بل تحديث أدواته بما يتناسب مع التحولات التى طرأت على البيئة الدولية.
يظل مجلس الأمن المجال الأبرز الذى تتجسد فيه هذه الإشكالية. فتركيبته الدائمة وحق النقض يعكسان توازنات القوة التى تأسس عليها النظام الدولى بعد الحرب العالمية الثانية.
قد كان الهدف من الفيتو الحفاظ على مشاركة القوى الكبرى فى نظام الأمن الجماعي، إلا أن استخدامه يصبح أكثر إشكالية عندما تكون إحدى هذه القوي، أو أحد حلفائها، طرفًا مباشرًا فى نزاع.
لا يقتصر أثر ذلك على تعطيل قرارات محددة، بل يمكن أن يؤدى فى بعض الحالات إلى إبطاء الاستجابة الدولية وتقليص فرص الوقاية والوساطة، ودفع الأطراف المعنية إلى الاعتماد بصورة أكبر على القنوات الثنائية أو الإقليمية.
هو ما يطرح تساؤلاً مشروعًا حول مدى ملاءمة الآليات القائمة لطبيعة الأزمات الراهنة.
تواجه المنظمة فى الوقت نفسه تحديات تتصل بكفاءة بنيتها المؤسسية. فقد توسعت شبكة الوكالات والبرامج والمكاتب والعمليات التابعة للأمم المتحدة بصورة كبيرة على مدى العقود الماضية.
يؤدى كثير من هذه المؤسسات وظائف أساسية، إلا أن تراكم الهياكل والاختصاصات قد يؤدى فى بعض الحالات إلى تداخل الأدوار وصعوبة التنسيق وارتفاع الكلفة الإدارية.
ولا تتمثل القضية فى تقليص الوجود الدولى للأمم المتحدة، وإنما فى تحسين كفاءته، من خلال ترتيب الأولويات وتحديد الاختصاصات بصورة أوضح والحد من الازدواجية حيثما أمكن.
ففاعلية المنظمة لا تقاس بعدد مؤسساتها وبرامجها، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى نتائج ملموسة.
يرتبط بذلك البعد التمثيلي. فالأمم المتحدة مؤسسة عالمية، ومن ثم فإن شرعيتها تتأثر أيضًا بمدى انعكاس التنوع الجغرافى والسياسى والثقافى فى قيادتها وكوادرها.
ولا يتعلق الأمر بالتمثيل الرمزى وحده، وإنما باتاحة نطاق أوسع من الخبرات والتصورات فى عملية صنع القرار الدولي.
كما يمثل التمويل تحديًا مستمرًا. فقد اتسعت مسئوليات المنظمة، فى حين ظل تمويل عدد من أنشطتها يعتمد على مساهمات الدول الأعضاء والتمويل الطوعي.
ويطرح ذلك الحاجة إلى نموذج تمويل أكثر استدامة واتساقًا مع حجم المسئوليات، إلى جانب تطوير أدوات قادرة على تعبئة موارد إضافية للتنمية.
تظهر التحديات بصورة أكثر وضوحًا فى إدارة النزاعات الإقليمية، حيث توسع اللجوء إلى الوساطات الثنائية والإقليمية والترتيبات المؤقتة، فى حين تراجع الدور السياسى للأمم المتحدة فى بعض الملفات، رغم استمرار أهميتها فى المجال الإنسانى وحفظ السلام.
ويقدم الشرق الأوسط اختبارًا مهمًا لهذه الحدود المؤسسية.
فمن غزة ولبنان وسوريا واليمن إلى التوترات المرتبطة بإيران وأمن الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، تتداخل الأزمات الأمنية والسياسية بصورة تجعل الاستجابة الدولية أكثر تعقيدًا.
فى بعض هذه الملفات، أدى الانقسام داخل مجلس الأمن إلى الحد من سرعة التحرك الدولى وإضعاف فرص الوساطة والوقاية.
لا تقتصر تداعيات ذلك على إدارة الأزمات، وإنما تمتد إلى الثقة فى القانون الدولى وفاعلية آليات إنفاذه.
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية فى ضوء التحديات التى تواجه نظام المعاهدات الدولية، بما فى ذلك معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاقيات الحد من التسلح ونزع السلاح.
فالحفاظ على هذه المنظومة لا يتعلق فقط باستمرار معاهدة أو اتفاق بعينه، وإنما بالحفاظ على الثقة فى قدرة المجتمع الدولى على احترام القواعد والالتزامات التى تحكم العلاقات بين الدول.
من هذه الزاوية، فإن التحديات التى تواجه الأمم المتحدة ترتبط بأزمة أوسع فى الحوكمة الدولية، وفى العلاقة بين القواعد القانونية والممارسة السياسية.
كلما اتسعت الفجوة بين الالتزام المعلن والتطبيق العملى، أصبح الحفاظ على الثقة فى النظام متعدد الأطراف أكثر صعوبة.
تبرز هنا أهمية القيادة. فالأمين العام لا يملك صلاحية تجاوز إرادة الدول الأعضاء أو إعادة صياغة النظام الدولى بمفرده، لكنه يستطيع استخدام موقعه لتعزيز الحوار والوساطة وبناء التوافق وتطوير المبادرات التى تقع ضمن صلاحيات المنظمة.
ولذلك تظل شخصيته وخبرته الدبلوماسية وقدرته على بناء الجسور عوامل مؤثرة، وإن كانت لا تتجاوز القيود السياسية والمؤسسية القائمة.
كما أن طريقة اختيار الأمين العام نفسها تعكس طبيعة النظام الدولي. فعملية الاختيار ترتبط بالمفاوضات بين الدول الأعضاء وبالتوصية التى يصدرها مجلس الأمن، الأمر الذى يجعل موازين القوى داخل المجلس جزءًا من عملية اختيار القيادة المقبلة.
ومن ثم، فإن السؤال لا يقتصر على من سيكون الأمين العام المقبل، وإنما على نوع القيادة التى تحتاج إليها المنظمة والمعايير التى ينبغى أن تحكم اختيارها فى هذه المرحلة.
وتكتسب المنافسة الحالية لخلافة أنطونيو جوتيريش أهمية خاصة، فى ظل وجود شخصيات ذات خبرات متنوعة.
ومن أبرز الأسماء المطروحة ميشيل باشليه، الرئيسة السابقة لتشيلى والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان؛ رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ ريبيكا جرينسبان، الأمينة العامة للأونكتاد؛ كارولين رودريجز- بيركيت، المندوبة الدائمة لغيانا لدى الأمم المتحدة؛ ماريا فرناندا إسبينوسا، الرئيسة السابقة للجمعية العامة؛ وماكى سال، الرئيس السنغالى السابق. كما دخلت إيفون باكي، الدبلوماسية الإكوادورية، المنافسة بترشيح رسمى فى أغسطس 2026.
وتعكس هذه الأسماء تنوعًا فى الخبرات السياسية والدبلوماسية، لكنها تطرح أيضًا تساؤلات حول المعايير التى ينبغى أن تحدد الاختيار فى ضوء التحديات الراهنة.
وفى هذا السياق، يظل غياب مرشح عربى من المنطقة لافتًا. ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بحصة إقليمية فى منصب الأمين العام، بقدر ما يتعلق بتمثيل خبرة منطقة أصبحت فى قلب عدد كبير من ملفات الأمن الدولي.
فالشرق الأوسط يواجه مجموعة مركبة من النزاعات، وقضايا السيادة والاحتلال والنزوح، ومخاطر الانتشار النووي، وأمن الطاقة والممرات البحرية.
ومن ثم، فإن غياب مرشح عربى يثير مسألة أوسع تتصل بمدى انعكاس تجارب المناطق الأكثر تعرضًا للأزمات فى عملية اختيار القيادة الدولية.
فالتمثيل الجغرافى لا ينبغى أن يكون معيارًا منفردًا، لكنه يظل عنصرًا مهمًا فى بناء قيادة تتمتع بفهم أوسع لتنوع التحديات الدولية.
إن إصلاح الأمم المتحدة أصبح ضرورة لمواكبة التحولات التى شهدها النظام الدولى وتعزيز فاعليتها.
ويمكن أن يبدأ بأربع أولويات عملية: إصلاح آليات الأمن الجماعي، بما فى ذلك توسيع تمثيل مجلس الأمن ومعالجة آثار استخدام الفيتو؛ تعزيز الوقاية والوساطة بالشراكة مع المنظمات الإقليمية؛ رفع كفاءة المنظمة وتمويلها من خلال تبسيط الهياكل وتطوير أدوات تمويل أكثر استدامة؛ وتعزيز احترام القانون الدولى والمعاهدات عبر آليات أكثر فاعلية للمساءلة والتنفيذ.
ولا يتطلب ذلك إعادة بناء النظام الدولى من الصفر، بل تطوير مؤسساته بصورة تدريجية بما يتناسب مع التحولات الجارية.
وفى هذا السياق، سيقاس أثر اختيار الأمين العام المقبل بقدرته على الدفع فى اتجاه هذه الأولويات وبناء توافق أوسع حولها.
فالمطلوب ليس أممًا متحدة أكبر، وإنما أممًا متحدة أكثر قدرة على الاستجابة لعالم تغيرت موازين قوته وتعددت أزماته.









