أكد الدكتور إبراهيم نجم، المستشار العام لمفتي الجمهورية والأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن حماية الأسرة في المرحلة الراهنة تبدأ بامتلاك وعي دقيق بالتحولات التي يشهدها العالم، وتمكينها من المشاركة في صناعة المستقبل، باعتبارها المؤسسة الأولى التي يتشكل داخلها الإنسان، وتُبنى فيها منظومة القيم والانتماء والمسؤولية.
جاء ذلك خلال الجلسة الختامية لأعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
وقال نجم: «نعيش وسط أحداث وأفكار ومتغيرات متلاحقة، ونرغب جميعًا في الإصلاح والتغيير، لكن السؤال الأهم: هل نملك الوعي الكافي لفهم الواقع قبل أن نحاول تغييره؟ فالإصلاح الحقيقي يبدأ بوعي صحيح وفهم عميق للواقع والمستقبل، ثم يتحول إلى سياسات ومبادرات وقدرات قابلة للتطبيق».
وأوضح أن دراسات المستقبل لا تقوم على ادعاء معرفة الغيب، وإنما تعتمد على رصد الاتجاهات وتحليل المتغيرات وبناء السيناريوهات والاستعداد لما قد يقع، مشيرًا إلى أن هذا المنهج يتصل اتصالًا وثيقًا بفقه المآلات وتحقيق المناط وفقه الواقع في التراث الإسلامي، الذي يجعل النظر في نتائج الأفعال وعواقب القرارات جزءًا أصيلًا من حسن الاجتهاد وتنزيل الأحكام على الواقع.
وأشار الدكتور إبراهيم نجم إلى أن واقع الحياة الراهنة والقريبة يتشكل من خلال خمسة اتجاهات متداخلة، أولها إعادة تعريف كثير من المفاهيم المرتبطة بالزواج والأبوة والأمومة والخصوصية والسلطة التربوية، وثانيها تزايد التناقضات بين الاتصال التقني والعزلة الإنسانية، وبين وفرة المعلومات وندرة الحكمة، وبين اتساع خيارات الفرد وتنامي شعوره بالقلق والحيرة.
وأضاف أن الاتجاه الثالث يتمثل في تناقص الانتباه تحت ضغط الشاشات والتنبيهات والتدفق المتواصل للمحتوى، حتى أصبح وقت الأسرة وتركيز أبنائها مجالًا لتنافس المنصات والخوارزميات، فيما يتمثل الاتجاه الرابع في اتساع دائرة التسليع، حيث تحولت البيانات والميول والاهتمامات والوقت الإنساني إلى موارد اقتصادية.
وأوضح أن الاتجاه الخامس يتمثل في التسارع الذي يجعل كل موجة من التغير أسرع وأوسع أثرًا من سابقتها، فتتغير الأدوات والسلوكيات أحيانًا بوتيرة تسبق قدرة الأسرة والتعليم والتشريع والخطاب الديني على الاستجابة.
وقال نجم: «هذه التحولات تفرض علينا إعادة صياغة السؤال، فالقضية تجاوزت البحث عن وسائل لحماية الأسرة من المستقبل، وأصبحت تتعلق بكيفية جعل الأسرة شريكًا واعيًا في صناعته. الأسرة القوية ليست مجرد متلقية للتحول، وإنما هي مصدر للمعنى، ومؤسسة للتنشئة، ومساحة لبناء المناعة النفسية والقيمية والحضارية».
وبيّن أن مفهوم «الخيال الإسلامي» يمثل عنصرًا أساسيًا في هذه الرؤية، ويعني قدرة العقل المسلم على تصور مستقبل ممكن ومرغوب، مسترشدًا بمقاصد الشريعة وقيمها، ثم بناء الأدوات الواقعية للوصول إليه.
وأضاف أن الخيال الإسلامي هو خيال منضبط بالوحي، ومنفتح على العلم، وواعٍ بسنن الاجتماع، ومسؤول عن المآلات، ومن خلاله تستطيع المؤسسات الدينية تقديم رؤية للمستقبل يكون فيها الإنسان غاية التقدم، وتظل كرامته وسلامة عقله واستقرار أسرته معيارًا للحكم على هذا التقدم.
وأوضح الأمين العام أن المؤتمر الدولي الحادي عشر سعى إلى تحقيق خمسة أهداف مترابطة، أولها بناء الوعي بما يحدث في العالم من خلال الرصد العلمي والتحليل المستمر للاتجاهات، وثانيها تبني مقاربة شاملة تجمع علماء الشريعة والنفس والاجتماع والتربية والاقتصاد والقانون والتقنية.
وأضاف أن الهدف الثالث يقوم على بناء سردية متكاملة تصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتقدم الأسرة باعتبارها فاعلًا حضاريًا قادرًا على التكيف وصناعة المعنى، فيما يتمثل الهدف الرابع في تثبيت الدين والقيم أساسًا لتوجيه التقدم وحماية الكرامة الإنسانية وتحقيق السكن والمودة والرحمة.
وأشار إلى أن الهدف الخامس يتمثل في بناء قدرات المفتين والباحثين والآباء والمربين والشباب، وتزويدهم بأدوات التعامل مع البيئة الرقمية والتحولات المستقبلية.
وقال نجم: «نجاح المؤتمر سيُقاس بما يتحول من أفكاره إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس. ولهذا نعمل على تطوير أدوات للرصد المبكر، وتحليل البيانات والفتاوى، وبناء السيناريوهات، وتأهيل الكوادر الإفتائية، ودعم الوالدية الرقمية، وتعزيز الشراكة بين مؤسسات الإفتاء والجهات التعليمية والاجتماعية والتقنية».
واختتم الدكتور إبراهيم نجم بيانه مستلهمًا العبارة التاريخية لمارتن لوثر كينغ، قائلًا: «لديَّ حلم بأن تصبح كل أسرة في عالمنا مدرسة للمعنى، ومساحة للسكن، وورشة لصناعة المستقبل. لديَّ حلم بأن يتعلم أبناؤنا استخدام التقنية بوعي، وأن يمتلك الوالدان لغة العصر مع رسوخ مرجعيتهما، وأن يجد الطفل داخل بيته القدوة والانتماء والأمان. لديَّ حلم بأن تستشرف مؤسسات الإفتاء سؤال الغد قبل أن يتحول إلى أزمة، وأن تتعاون المعرفة الشرعية والإنسانية والتقنية في خدمة الإنسان».
وأضاف: «هذا الحلم مشروع عمل يبدأ بالوعي، ويستند إلى القيم، ويتقدم ببناء القدرات والمسؤولية المشتركة. فالمستقبل يُصنع، والأسرة هي أقرب مكان تبدأ فيه صناعته».









