فى المؤتمر الدولى الحادى عشر لدور وهيئات الإفتاء بالعالم
وكيل الأزهر: هدفنا حماية المجتمع وحفظ هويته
مفتى الجمهوريةِ: الذكاء الاصطناعى سلب المرجعية التربوية من الأبوين
اكد الدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف إن بناء الإنسان منوط بخمس مؤسسات كبرى وهى الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والشارع، ثم الإعلام.
جاء ذلك خلال كلمته فى المؤتمر الدولى الحادى عشر لدار الافتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، والذى جاء بعنوان «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبري» فى الجلسة الافتتاحية التى ألقاها نائبا عن الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء
وأشار الأزهرى الى ان الأسرة، هى الوعاء الأول ونقطة الارتكاز التى تقوم على غرس بواكير القيم وبناء المقدمات الأولى لشخصية الإنسان، ولذا فقد وجبت إحاطة الأسرة بكل عوامل الدعم لنجاحها فى مهمتها المقدسة ، ووجب التضافر منا جميعًا على حمايتها من كل عوامل هدمها أو تشويشها. ومن هنا تأتى الأهمية الكبرى لهذا المؤتمر فى ظل تحولات كبرى وجارفة تنحت الهوية وتجور على الثقافة وعلى المفاهيم والقيم.
وأكد الأزهرى ان القضية الفلسطينية قضيتنا الكبري، وسنظل هنا فى مصر داعمين لأشقائنا فى فلسطين، رافضين رفضًا قاطعًا لتهجيرهم من أرضهم، ورافضين رفضًا قاطعًا لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، ونؤكد على ثوابت الدولة المصرية فى دفع الظلم والعدوان عن أشقائنا فى فلسطين عمومًا وغزة خصوصًا، مع إنفاذ الإغاثة إليها ليزدادوا تمسكًا بأرضهم ووطنهم، وفى حق أشقائنا الفلسطينيين فى إقامة دولتهم الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية.
وشدد على أن وزارة الأوقاف المصرية فى معية دار الإفتاء ، مع نقابة الأشراف الموقرة، و مشيخة الطرق الصوفية ، سنظل صفًّا واحدًا خلف الأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر.
قال الشيخ أيمن عبد الغنى، القائم بعمل وكيل الأزهر نائبًا عن فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر ، إن الأسرة ليست مجرد إطار اجتماعى تجتمع فيه الأفراد، ولا مجرد علاقة قانونية تنشأ بعقد وتنقضى بفراق، وإنما هى فى التصور الإسلامى ميثاق غليظ، وموطن سكن، ومجال مودة ورحمة، ومحضن قيم، ومدرسة انتماء ومسئولية، ومن هنا جعل القرآن الكريم السكن والمودة والرحمة من أعظم مقاصد العلاقة الزوجية، فقال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون.
وأكد الشيخ «عبد الغنى» أن الأسرة دخلت اليوم مرحلة غير مسبوقة من التحولات؛ بفعل الثورة الرقمية، والانفتاح الاتصالي، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتبدل أنماط التفكير والعلاقات، وما يصاحب ذلك من تحولات فى مفهوم الخصوصية، والأدوار الأسرية، وطبيعة التنشئة، ومصادر التلقى والتأثير.
قضية دينية وحضارية
وأكد أن حماية الأسرة قضية دينية وحضارية ووطنية، تتصل بحماية الإنسان، وصيانة المجتمع، وحفظ الهوية، وقد أدرك الأزهر الشريف هذه الحقيقة مبكرا، فجعل الأسرة فى مقدمة دوائر اهتمامه، انطلاقا من رسالته العلمية والدعوية والتربوية، وإيمانا بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء الأسرة، وأن صيانة الهوية لا تكون بالشعارات، وإنما بتكوين وعى راسخ يربط الإنسان بدينه ووطنه ولغته وقيمه، ويمنحه القدرة على التعامل الواعى مع المتغيرات.
واوضح أنه من هنا تبرز قضية صيانة الهوية باعتبارها أحد أهم أبعاد حماية الأسرة؛ فالهوية لا تحفظ بالانغلاق، ولا تصان برفض الآخر، وإنما تصان بإنسان يعرف من هو، ويعتز بدينه ووطنه ولغته وثقافته، ويمتلك من الوعى ما يمكنه من الانفتاح على العالم دون ذوبان، ومن الإفادة من منجزات العصر دون أن يفقد هويته.
واختتم وكيل الأزهر كلمته بأن الأسرة التى تنجح فى غرس هذه المعانى فى أبنائها إنما تؤدى أعظم أدوارها الحضارية؛ لأنها لا تخرج أفرادا صالحين فقط، وإنما تسهم فى بناء مواطن واع، وشخصية متوازنة، ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحولات.
أكد الدكتور نظير محمد عياد -مفتى الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- أن الدولة المصرية أدركتْ مبكرًا خطورةَ التحدياتِ التي تواجهُ الأسرةَ، فبادرتْ بتوجيهاتٍ رئاسيةٍ حاسمةٍ لصياغةِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيةِ على نحوٍ أكثرَ توازنًا وتكاملًا، وإنشاء صندوقِ دعمِ الأسرةِ ودعمِ الأبناءِ بعدَ الانفصالِ، وسرعةِ تنفيذِ الأحكامِ القضائيةِ في دعاوى النفقاتِ ضمانًا للاستقرارِ المعيشيِّ، وتعزيزِ برامجِ التأهيلِ المجتمعيِّ والنفسيِّ والماديِّ للمقبلينَ على الزواجِ؛ في تناغمٍ بينَ مقاصدِ الشريعةِ وسياساتِ الدولةِ الرشيدةِ.
التحديات الأسرية والتحولات الكبرى
أوضح المفتي أن الرسول صلى الله عليه وسلمَ كان خيرَ الناسِ لأهلهِ، وأقامَ بيتَهُ على حُسنِ العِشرةِ والمودةِ والرحمةِ، وضرَبَ أكرمَ المثلِ في الأبوةِ الحانيةِ، والتربيةِ بالرفقِ، والحزمِ منْ غيرِ قسوةٍ، وإنَّ منْ أصدقِ الاحتفاءِ بمولدهِ أنْ يتحولَ هديهُ الشريفُ إلى سلوكٍ في بيوتنا، ومنهجٍ في تربيةِ أبنائنا، وميزانٍ في إدارةِ خلافاتنا.
أوضح عياد أن عُنوان المُؤتمر قد صِيغَ في بناءٍ منهجيٍّ دقيقٍ يجمعُ أربعةَ محدداتٍ، وهي التحديات الأسرية، والتحولات الكبرى، وحماية الأسرةِ واستشراف مستقبلها، وصيانة الهويةِ، وأنَّ اجتماعَ هَذِهِ المُحَدِّدَاتِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ يُلْقِي عَلَى عَوَاتِقِنَا مَسئولِيَّةً مضاعفةً، فِي لَحْظَةٍ تاريخيّةٍ تَتَزَاحَمُ فِيهَا المشروعاتُ المجتمعيةُ، وَتَتَجَاذَب الإنسان مرجعياتٌ شَتَّى؛ لِنُقَدِّمَ لِلْعَالَمِ، بِوَعْيٍ نَافِذٍ بِحَرَكَتِهِ وتحولاتهِ، النموذجَ الحَضارِيَّ الَّذِي أَرْسَى كِتَابُ الله أُصُولَهُ، وجسَّدتْ سُنةُ نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعالِمَهُ؛ لِتَثُوبَ إِلَيْهِ مجتمعاتٌ أَنْهَكَتْهَا الأزمات الاجْتِمَاعِيَّةُ فِي مشارقِ الأرض ومغاربِها، وَتَجِدَ فِيهِ سَبِيلًا إِلَى اسْتِعادَةِ تَوَازُنِهَا وسكينتِها.
أشار الدكتور نظير عياد إلى أن مؤسسة الأسرةِ تواجهُ تحديًا وجوديًّا غيرَ مسبوقٍ، وإذا كانتِ الفتوى في عصورٍ مضتْ تتعاملُ غالبًا معَ نوازلَ فرديةٍ، فإنها تقفُ اليومَ أمامَ »سيولةٍ فكريةٍ« تمسُّ ثوابتَ الفطرةِ الإنسانيةِ، لذا، فرضَ الانفتاحُ الرقميُّ وتغولُ خوارزمياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ نمطًا قيميًّا يعيدُ تشكيلَ وعيِ الأجيالِ، ولمْ تعدِ التقنيةُ مجردَ أداةٍ، بلْ أصبحتْ في كثيرٍ منَ الأحيان ذراعًا لترسيخِ الفردانيةِ وعزلِ الإنسانِ داخلَ شرنقةٍ افتراضيةٍ تصوغُ اختياراتهِ وتغذي أهواءهُ، حتى انتقلتْ مساحاتٌ منَ المرجعيةِ التربويةِ منَ الوالدينِ إلى منصاتٍ موجهةٍ تصلُ إلى خصوصيةِ البيوتِ، وتضعفُ الحوارَ المباشرَ والتشاورَ الأسريَّ، وتمنحُ الأبناءَ رفقاءَ افتراضيينَ وبدائلَ مصطنعةً لا تملكُ أنْ تمنحَ رحمةً أوْ طمأنينةً أوْ دفءَ انتماءٍ.
السيولة المعرفية
شدد مفتي الجمهورية على أن هذهِ التحديات لا تقف عندَ حدودِ المنصاتِ الرقميةِ المفتوحةِ، بلْ تمتدُّ إلى فضاءاتٍ أشدَّ خفاءً، في مقدمتها «الدارك ويب»بما يتداولُ فيهِ منْ محتوياتٍ وممارساتٍ تهددُ أمنَ الأسرةِ وتستهدفُ فطرةَ أبنائها بعيدًا عنِ الرقابةِ المجتمعيةِ، ويشتدُّ أثرُ ذلكَ في ظلِّ »السيولةِ المعرفيةِ« التي تتهاوى معها الحدودُ بينَ الحقيقةِ والزيفِ، والعلمِ والوهمِ، والقيمةِ والرغبةِ؛ حتى يغدوَ المحتوى الأكثرُ انتشارًا أقدرَ على تشكيلِ الوعيِ منَ المحتوى الأكثرِ صدقًا ورشدًا.
أشار عياد إلى أن الخطورة الكبرى تكمن أيضًا في سلب الذكاء الاصطناعي للمرجعية التربوية من الوالدين لصالح منصات وخوارزميات غربية؛ إذ أضحى الأبناء يستمدون المعايير القيمية ومقاييس الحلال والحرام من محتوًى موجه يضعف التنشئة ويصنع جيلًا مفصولًا عن هُويته ودينه بالإضافة إلى اختراق الخصوصية وإرباك الستر، وفي هذا المناخِ تتسارعُ »عولمةُ القيم؛ إذْ تنتقلُ منظوماتٌ قيميةٌ مغايرةٌ عبرَ الحدودِ، وتقدمُ بوصفها معيارًا إنسانيًّا واحدًا، بما يهددُ الخصوصياتِ الدينيةَ والثقافيةَ ويزاحمُ مرجعياتِ الأسرةِ، وينشأُ عنْ ذلكَ ما يمكنُ تسميته مثلثَ التفككِ«: اللادين، واللاوطن، واللاأخلاق؛ أي القطيعة معَ المرجعيةِ الإيمانيةِ، وإضعاف الانتماءِ الوطنيِّ، وفصل السلوكِ عنْ ضوابطهِ.
رؤية مستجدة
وفي ختام كلمته أكد الدكتور نظير عياد أنه لمْ يعدْ مُجديًا أنْ تعملَ المؤسساتُ في جزرٍ منعزلةٍ، بلْ نحتاجُ إلى تبادلٍ معرفيٍّ وعقلٍ جمعيٍّ مؤسسيٍّ يجمعُ أصالةَ النصِّ وعمقَ التحليلِ وفهمَ الواقعِ الرقميِّ، تحتَ مظلةِ روحِ الشريعةِ وعدالتها، والدولة المصرية، بقيادتها الحكيمةِ، مشددًا على أن الأمانة ثقيلة والمهمة جسيمة.









