«مليون متطوّع من الصين للدفاع عن مصر».. كان هذا «مانشيت» صحيفة «القاهرة المسائية المصرية» التى كان يصدرها ويرأس تحريرها كاتبنا الصحفى الكبير الراحل «حافظ محمود» خلال العدوان الثلاثى البريطانى الفرنسى الإسرائيلى على مصر أواخر أكتوبر عام 1956.
كنت وقتها تلميذا بالمرحلة الإعدادية، وكان أبى رحمة الله عليه ـ يرسلنى لشراء الصحف اليومية لمتابعة أخبار العدوان وتطوراته، وأتذكر يومها أنى كدت أطير فرحاً عندما قرأت هذا المانشيت، وقطعت المسافة «عدواً» من ميدان العباسية حيث بائع الصحف، إلى بيتنا المجاور لمحطة سكة حديد العباسية وأنا ألوّح بالصحيفة فى يدي، لأبشّر أبى بالخبر.
كان المانشيت يلخص تحذيراً رسمياً وجهته الحكومة الصينية لحكومات الدول الثلاث المعتدية بأنها إن لم توقف عدوانها فوراً، فستواجه مليون متطوع صينى سيتم إرسالهم لمشاركة الشعب والجيش المصرى دفع العدوان وهزيمته.
لم يكن تعبير «الشراكة الإستراتيجية» المتداول حاليا لوصف المستوى الرفيع للعلاقة بين أى دولتين قد ظهر فى القاموس السياسى للعلاقات الدولية، إلا أن العلاقة الشخصية والموضوعية التى نشأت بين الرئيس «عبدالناصر» ورئيس الوزراء الصينى «شو إن لاي» خلال مؤتمر باندونج عام 1954، على خلفية من علاقات جذرية عميقة بين الشعبين اللذين يمثلان أقدم حضارتين فى تاريخ البشرية، ثم مشاركتهما مع الرئيس اليوغوسلافى «تيتو» فى تأسيس حركة عدم الانحياز، كانت تقترب بالعلاقات الثنائية المصرية ـ الصينية من مستوى الشراكة الإستراتيجية، خاصة بعد تدشينها فى نفس العام بإنشاء العلاقات الدبلوماسية.
ومن المفارقات المثيرة أن العلاقات «المصرية ـ الصينية» هى الوحيدة بين علاقات مصر بالدول الكبرى، التى لم تتعرض خلال السنوات السبعين التى مرت على إنشائها، لأى هزات أو تقلبات من أى نوع بل سادها الاستقرار والاتزان، مع التوسع الأفقى والرأسى الحثيث فى جميع الأحوال، بينما علاقات مصر بكل من الدول الأربع الكبرى الأخري: أمريكا ـ روسيا ـ بريطانيا ـ فرنسا، ظلت تراوح مكانها صعوداً وهبوطاً.. تقارباً وتباعداً.. تأزماً وانفراجاً قبل أن تستقر كل منها على مسار ثابت.
مثال بسيط بمناسبة هذا المانشيت:
الاتحاد السوفيتى خلال العدوان الثلاثى على مصر وجه أيضًا إنذاراً شديد اللهجة لبريطانيا وفرنسا بضرب لندن وباريس بالصواريخ إذا لم توقف الدولتان عدوانهما على مصر.
والرئيس الأمريكى أيزنهاور أبلغ الدولتين معارضة بلاده للعدوان.
ومع ذلك..
لم يشفع للاتحاد السوفيتى موقفه هذا، حين حاول زعيمه «خروشوف» عام 1959 «جر شكل» عبدالناصر، فما كان من عبدالناصر إلا أن رد عليه، ونشبت معركة لفظية علنية بين الزعيمين قبل أن يتصالحا ويدعو عبدالناصر خروشوف لزيارة مصر ومشاركته فى اطلاق شرارة تشغيل السد العالى الذى أقامته مصر عام 1961 بمساعدة سوفيتية.
والرئيس الأمريكى إيزنهاور انتهت مدة رئاسته قبل أن يرى ثمار معارضته للعدوان وانعكاسها على علاقات بلاده بمصر، لكن الذى رأى الثمار كان الرئيس كنيدى الذى تولى الرئاسة بعده، وتبادل معه عبدالناصر رسائل تاريخية تتعلق بالعلاقات الثنائية وبالقضية الفلسطينية قبل أن يجرى أغتيالة.
العلاقات المصرية ـ الصينية على العكس، ظلت ثابتة لم تتأثر بأى عوامل ذاتية أو خارجية.
بل إنه عندما حل الرئيس السادات محل عبدالناصر فى قيادة مصر، وبدأ تحويل دفة العلاقات الخارجية المصرية من الشرق إلى الغرب، وقام بطرد الخبراء السوفيت من الجيش المصري، والتقارب مع أمريكا قبل حرب أكتوبر 1973، توقع الكثيرون أن ينعكس ذلك على العلاقات المصرية مع الصين التى تعد قطباً من أقطاب الشرق، لكن ذلك لم يحدث.
بل إنى شخصيا ـ كنت ضمن الوفد الصحفى والإعلامى المرافق لـ «مبارك» وهو نائب للرئيس السادات مطلع الثمانينيات، خلال أول زيارة له إلى الصين بتكليف من السادات، حاملاً رسالة مهمة منه للقيادة الصينية لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين فى شتى المجالات، وكان لى ولزملائى أعضاء الوفد شرف حضور استقبال الزعيم الصينى الكبير «دنج شياو بنج» مهندس التحول الاقتصادى التاريخى فى الصين، لمبارك، ومتابعة ما دار فى اللقاء ونقله لـ «الجمهورية».
ربما يحلو للبعض الآن الربط بين زيارة الرئيس الصينى «شى جين بينج» الحالية لمصر، وبين بعض ما يثار من لغط حول العلاقات المصرية ـ الأمريكية فى هذه الفترة على خلفية توابع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، على الإقليم والعالم، وتأثيراتها المستقبلية على النظام الدولى القائم.
وما قدمته من مثال، فيه رد واضح على ذلك، لكن، لا بأس من استثمار هذه الفرصة لوضع بعض النقاط على بعض الحروف فيما يتعلق بسياسة مصر الخارجية وعلاقاتها الدولية.
مصر، فى سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، وعلى مدار التاريخ، تتصرف كـ «دولة كبري»، ومعيار الدولة الكبرى لديها، ليس بالقوة الاقتصادية أو العسكرية أو غيرها، وإنما بعمقها التاريخي، وعظمة حضارتها، واحترامها الثابت والراسخ للقانون الدولي، ورفضها الثابت والراسخ أيضا للتدخل فى الشئون الداخلية للآخرين من أى طرف كان، وهى تقريبا نفس المبادئ التى تعتنقها الصين طوال مسيرتها وقبل أن تتحول إلى قوة عظمى اقتصاديا وعسكرياً وتكنولوجياً، مرشحة لقيادة النظام العالمى متعدد الأطراف.
ولعل أكبر دليل على ذلك، أن مصر، وهى تحت الاحتلال البريطانى قبل ثورة 23 يوليو، ساهمت عام 1945 فى تأسيس أقدم منظمتين دوليتين.. إقليمية هى جامعة الدول العربية فى شهر مارس، وعالميا هى الأمم المتحدة فى أكتوبر، وكان لها الدور الأبرز فى صياغة بنود ومواد ميثاق كل من المنظمتين.
مصر، فى سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية، تتصرف وفق ثوابتها، ومصالحها الوطنية والقومية، ولا تتخذ من علاقاتها الدولية وسيلة «للمكايدة» ولا تتعامل مع القوى الكبرى بطريقة إحلال قوة محل أخرى، بل إن ثوابتها ومصالحها تعطيها قوة إضافية تمكنها من إقامة علاقات ندية ومتكافئة مع أى من هذه القوى أو معها جميعا فى آن واحد دون أى حرج وهو ما جعلها الآن تتمتع بعلاقات مع جميع الدول الكبرى على مستوى واحد وهو «الشراكة الإستراتيجية».
وحين يقع أى عارض فى مسار أى من هذه العلاقات، فإنه يعالج فى إطاره المحدد فى ضوء الالتزامات القانونية المشتركة ومصلحة كل من الطرفين.
حدث ويحدث هذا مع أمريكا ومع روسيا، ومع فرنسا، ومع بريطانيا على فترات متفاوتة وبمستويات مختلفة.
وتظل علاقات مصر والصين حالة فريدة خارج هذه الحسابات، لأنها شراكة حضارة وتاريخ قبل أن تتحول إلى شراكة مستقبل أيضا.
و.. اللهم لا حسد.









