بردية الوعى..
الذاكرة المؤسسية فى مواجهة خريف الفوضى
كيف انتصرت فكرة «مصر الموحدة»..
على كل الظروف والانقسامات؟
«موحد الأرضين».. هوية «منتوحتب الثانى» التى نقشها على الحجر
فى قاعةٍ بمتحف المتروبوليتان بنيويورك، تستريح قطعة حجرية تحمل فى ذاكرتها أثرَ زمنٍ بعيد، وكانت يومًا جزءًا من أحد أعمدة المعبد الجنائزى للملك منتوحتب الثانى.
ليست تمثالاً كاملاً يفرض هيبته على الزوار، ولا لوحة انتصار مزدحمة بالأسرى والجنود؛ إنها أثرٌ أفلت من قبضة القرون، كأن الزمن أبقى منه ما يكفى ليترك لنا سؤالاً.
فوق الحجر بقى اسم حورس الذى اختاره الملك لنفسه فى مرحلة حاسمة من حكمه:
«سِما تاوى».. Sema-Tawy «موحِّد الأرضين».
وخلف بساطة اللقب يختبئ سؤالٌ أكبر من حكاية ملكٍ منتصر؛ فالدولة القديمة التى حكمت مصر قرونًا كانت قد فقدت تماسكها، وتراجعت سلطة المركز، وصعد حكام الأقاليم، حتى استقر الصراع السياسى حول مركزين كبيرين للقوة: إهناسيا وطيبة.
لم يعد هناك عرشٌ واحد يحكم الوادى ، ولا عاصمةٌ واحدة تستطيع أن تفرض إرادتها على أطراف الدولة.
وكان يمكن لهذا الانقسام، نظريًا، أن يصنع مع مرور الأجيال واقعًا جديدًا؛ أن تتحول طيبة إلى وطنٍ مكتفٍ بذاته، والشمال إلى كيانٍ آخر، وأن ترسم موازين القوى الجديدة حدودًا تتحول، بسطوة الزمن، إلى هوياتٍ دائمة.. لكن ذلك لم يحدث.
والأكثر إثارة أن حكام طيبة، حتى قبل أن تكتمل سيطرتهم على البلاد، لم يقدموا أنفسهم باعتبارهم أصحاب مشروعٍ جنوبى يطلب لنفسه مكانًا إلى جوار كيانٍ آخر؛ بل ظل طموحهم موصولاً بمصر كلها، حتى جاء منتوحتب الثانى لينقش هويته السياسية على الحجر فى كلمتين اختزلتا معنى الانتصار كله:
«موحِّد الأرضين».
وهنا يبدأ اللغز.
كيف استطاعت فكرة مصر الموحدة أن تبقى حيّة بعد انهيار السلطة المركزية التى كانت تجسدها؟ وكيف ظلت وحدة مصر حاضرة فى مفهوم الشرعية السياسية ، بينما كان الواقع نفسه منقسمًا؟ ثم لماذا انتهى الصراع، بعد أجيال من الانقسام، إلى إعادة بناء الدولة الموحدة، بدلاً من أن تتحول مراكز القوة الجديدة إلى دولٍ إقليمية مستقلة فوق أنقاضها؟
صورة الدولة
تسقط بعض الأبنية، وتبقى تضاريس هندستها محفورةً فى أذهان من سكنوها، وتأفل بعض النظم، بينما يظل منطقها حاكمًا لخيال الناس.
وهنا يكمن سر المؤسسات العريقة؛ فكلما طال عمرها، خرج أثرها من الجدران والموظفين والتشريعات إلى اللغة والتقاليد والرموز، حتى يستقر ما أرسته عبر الأجيال فى نسيج الحياة اليومية، ويتحول مع الزمن إلى بديهيةٍ لا تحتاج إلى تفسير.
من هذا الأفق، يتجلى المفهوم الحقيقى لـ»الذاكرة المؤسسية»؛ فهى ليست دفترًا قديمًا لتدوين أسماء الملوك وتواريخ الانتصارات، بل أثرٌ حيٌّ وممتد يجعل الأمس شريكًا فاعلاً فى صياغة اليوم.
إنها تلك القوة الصامتة التى تجعل القرار السياسي، بمرور الزمن، ثقافةً سلوكية، وتترجم ما أرسته السلطة من قوانين ونظم إلى صورةٍ راسخة فى الأذهان لما ينبغى أن يكون عليه الوطن.
وفى الحالة المصرية، أتاح الامتداد الزمنى عبر القرون، منذ عصر نارمر، فرصةً تاريخية استثنائية لتجذّر هذا المفهوم؛ إذ نجحت الدولة فى تحويل أطرها التنظيمية وقواعدها السياسية إلى عادات حضارية وبديهيات مستقرة فى الوعى الجمعي، بما منح الذاكرة المؤسسية المصرية صلابةً مكّنتها من الاحتفاظ بصورة الدولة الموحدة، حتى فى الأزمنة التى تصدّع فيها بنيانها السياسى وتنازعت الفوضى أطرافها.
ولعل هذا هو السر الذى تخفيه قطعة الحجر الصغيرة فى المتروبوليتان؛ سرٌّ تمتد جذوره إلى قرون سبقتها، يوم نقشت صلاية نارمر لحظة الإشراق الأولى.
الدولة التى تحولت إلى ثقافة
الذاكرة التى نتحدث عنها ليست دفترًا سريًا توارث المصريون بين صفحاته ملامح نارمر؛ ولا تفترض أن فلاحًا عاش على ضفاف النيل بعد قرون من ميلاد الوحدة كان يعرف اسم الملك الذى وحّد القطرين، أو يستطيع أن يروى حكاية التاجين فوق رأسٍ واحد.
إنها تجلٍّ لروح حضارية من نوع آخر؛ ذاكرة تسكن الثقافة والعادات، وتتوارثها الأجيال فى اللغة والرمز والممارسة، فتفرض حضورها الصامت فى تفاصيل الحياة.
وهنا يساعدنا عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسى موريس هالبفاكس Maurice Halbwachs (1877-1945)، أحد مؤسسى دراسة «الذاكرة الجمعية»، الذى رأى أن الإنسان يتذكر ويفهم العالم من خلال «أطر اجتماعية» تصوغها اللغة والعادات والرموز والخبرات المشتركة.
وهكذا، لم يكن المصرى القديم بحاجة إلى أن يتذكر لحظة تأسيس الدولة؛ فقد وُلد فى عالمٍ كانت الدولة قد صاغت ملامحه قبل مجيئه.
كان النيل واحدًا يجرى بين الأقاليم، والكتابة لغةً للإدارة، والملك رأسًا لنظام سياسى يتجاوز حدود مدينته، والبلاد «أرضين» يجمعهما تاج، والأقاليم أجزاءً من كيان أكبر منها.
وكانت الضرائب والموظفون وصلوات المعابد والطقوس والرموز ونظام الحكم والإدارة ، تعيد-كلٌّ بطريقتها- تعريف الوطن.
وهكذا فعل الزمن ما لا يستطيع مرسومٌ ملكى أن يفعله؛ حوّل الوحدة المصرية إلى اعتيادٍ اجتماعي، والقرار السياسى إلى بديهيةٍ حضارية.
وهنا يأخذنا عالم الاجتماع البريطانى بول كونرتون Paul Connerton (1940-2019) خطوة أبعد.
ففى كتابه الشهير «كيف تتذكر المجتمعات» How Societies Remember ـ يلفت النظر إلى أن المجتمعات لا تحفظ ماضيها بالنصوص والروايات وحدها، بل تستبقيه أيضًا عبر الممارسات المتكررة والطقوس التى تتوارثها الأجيال؛ فالذاكرة قد تسكن السلوك بقدر ما تسكن الكتب، وقد يحفظ الفعل المتوارث من الماضى ما تعجز الكلمات عن الاحتفاظ به.
وهذا بالضبط ما فعلته المؤسسات المصرية بفكرة الوحدة.
لم تتركها حبيسة مشهد قديم على صلاية نارمر، بل ظلت تعيد تمثيلها: فى تاجى مصر العليا والسفلي، وفى ألقاب الملك، وفى الرموز الملكية، وفى الطقوس والصور التى تستحضر مرة بعد أخرى ثنائية «الأرضين» داخل وحدة واحدة.
مضت لحظة التوحيد إلى التاريخ، لكن المؤسسات انتزعت معناها من قبضة الزمن، وأبقته حيًّا عبر الأجيال.
حيث تكمن قوة الدول العريقة فى هذا التمايز بين صناعة الوحدة بالقوة والسياسة، وبين هندستها ثقافةً شعبية عابرةً للأجيال.
ولهذا تتجلى «الذاكرة المؤسسية» فى ذلك الأثر المتراكم الذى تتركه المؤسسات الراسخة فى اللغة والرموز والممارسات والتوقعات؛ حتى يتحول ما صنعته عبر الزمن إلى معيارٍ صامت لما يراه المجتمع طبيعيًا ومشروعًا.
لقد حكمت الدولة الإنسان المصرى طويلاً، ثم حدث ما هو أعمق:
بدأت الدولة تسكنه.
فلقد أثبتت تجارب التراجع التاريخي، بما شهدته من ضعف المركز وصعود قوى التفتيت المحلية، أن إسقاط نظم الحكم وتفكيك أجهزتها الإدارية قد يصبح ممكنًا فى لحظات السيولة السياسية؛ لكن اقتلاع إرث الدولة وهويتها المتجذرة عبر قرون فى وعى المجتمع يظل أكثر استعصاءً.
ومن هذا العمق الحضارى تستمد الدولة المصرية قدرتها على مقاومة جماعات الهدم وصنّاع الفوضي؛ فالعواصف قد تربك بنيان الدولة، لكنها لا تمحو بسهولة «عقيدة الدولة» التى استقرت فى الوعى الجمعى عبر القرون.
انقسمت السلطة ولم تنقسم مصر
لم تسقط الدولة القديمة فى ليلة واحدة، ولم يستيقظ المصريون ذات صباح ليجدوا الوحدة قد اختفت؛ كان الأمر أشبه بانسحاب بطيء للمركز من الأطراف، حتى أخذ حكام الأقاليم يملأون المساحات التى تركتها السلطة المركزية وراءها.
تعاظمت مكانة الأسر المحلية، وانتقلت أجزاء من الثروة والنفوذ بعيدًا عن القصر الملكى ، وظهرت مراكز إقليمية أكثر استقلالاً، حتى استقر فى مرحلة لاحقة قطبان رئيسيان للقوة: إهناسيا فى الشمال، وطيبة فى الجنوب.
ولزمن طويل، اختُزل هذا العصر فى الذاكرة التاريخية بكلمة واحدة كادت تبتلع كل ما عداها : «الفوضى».
لكن الدراسات الأثرية الحديثة جعلت الصورة أكثر تعقيداً ، فأبحاث عالم المصريات الإسبانى خوان كارلوس جارسيا Juan Carlos García (1965- )، تكشف أن تراجع سلطة المركز صاحبه انتقال جانب من القوة والثروة إلى الأقاليم، وصعود نخب محلية، ونمو مراكز نفوذ جديدة.
ويذهب عالم المصريات الألمانى شتيفان سيدلماير Stephan Seidlmayer (1957- ) فى الاتجاه نفسه؛ إذ تكشف قراءته للأدلة الأثرية عن مجتمع لم يتوقف عن الحركة، وإنما أعاد تنظيم نفسه بعيدًا عن المركز.
وهنا تتبدى المفارقة الأكثر دلالة.
لقد ضعفت الدولة، لكن المجتمع لم يعد إلى ما قبل الدولة.
لم تنسحب طيبة إلى قرية جنوبية لا تعرف ما وراء أفقها، ولم تعد الأقاليم وحدات حضارية تشبه تلك التى سبقت صلاية نارمر.
لقد حصل حكامها على قدر أكبر من الاستقلال، لكنهم ورثوا عالمًا كانت الدولة القديمة قد صاغت ملامحه عبر أجيال، لقد تحررت الأطراف من قبضة المركز، لكنها لم تتحرر من ذاكرة المركز.
من هذا المنطلق، يبرز عصر الانتقال الأول بوصفه اختبارًا منهجيًا صارمًا لفرضية «الذاكرة المؤسسية»؛ فلو استندت وحدة القطرين تاريخيًا إلى عناصر القوة المادية، ممثلةً فى الحاكم والجيش والمركزية البيروقراطية فحسب، لتلاشت الوحدة بزوال العناصر التى فرضتها وحمتها.
وحين امتلكت الأقاليم قدرًا واسعًا من الإدارة الذاتية، كان الطريق مفتوحًا – نظريًا – أمام نشوء كيانات مستقلة تصوغ لنفسها شرعيات وحدودًا وهويات مغايرة، تزداد رسوخًا مع تعاقب الأجيال.
وما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا أن تراجع السلطة المركزية لم يُفضِ إلى شلل اقتصادى شامل؛ بل استطاعت بعض البيئات المحلية إدارة مواردها وإعادة تنظيم شؤونها، بما يعنى أن العودة إلى الوحدة لم تكن مجرد هروب من واقع يستحيل العيش داخله.
وهنا تحديدًا، وُضعت «عقيدة الدولة الموحدة» أمام محكٍّ وجودي: هل كانت الوحدة مجرد بناء تفرضه قوة المركز، أم أنها أصبحت، بعد قرون من الدولة، عقيدة أقوى من السلطة التى أنشأتها؟
فإذا كانت الأقاليم قد امتلكت السلطة، وظهرت نخب محلية، ونمت خصوصيات إقليمية، فلماذا لم يصبح الانقسام هو النظام الجديد؟
يقدم عالم المصريات الهولندى هاركو فيلمس Harco Willems (1956- ) جانباً من الإجابة؛ فالدولة الوسطى التى خرجت من زمن الانقسام لم تمحُ كل ما أنتجه عصر اللامركزية، بل ورثت جانبًا من نخبه وترتيباته المحلية، وأعادت استيعابه داخل بناء مركزى جديد.
وهنا عادت مصر إلى ممارسة قانونها القديم: لم تستخدم الممحاة.
لقد تغيرت موازين القوي، وصعدت طيبة، وتبدلت النخب، واكتسبت الأقاليم ثروات وخبرات جديدة فى إدارة مصالحها؛ لكن الدولة العائدة لم تُلغِ كل ما صنعته سنوات الانقسام، بل صهرته داخل بنيانها الجديد.
وهنا يظهر مجددًا «قانون الصهر الحضاري»؛ تلك القدرة المصرية المتفردة على استيعاب ما يطرأ عليها، ثم إعادة تشكيله داخل إطارها الجامع، من دون أن تفقد شخصيتها الأصلية.
عرشان يتصارعان على عقيدة الدولة
تكشف تلك اللحظة التاريخية عن عمق الصراع الذى وضع «عقيدة الدولة المركزية» أمام أحد أصعب اختباراتها؛ إذ كادت الجغرافيا أن تستسلم لولادة دولتين مستقلتين.
فبين سلطة ملوك إهناسيا المستقرة فى الشمال، وصعود مشروع طيبة الملكى فى الجنوب، تحولت الأقاليم الوسطى إلى ساحةٍ للسيولة السياسية، تحكمها موازين القوة والولاءات المتغيرة.
غير أن هذا التمزق – كما ستكشف النهايات – ظل عارضًا؛ فلم تنجح الجغرافيا الجديدة فى إنتاج هويةٍ بديلة تستقر فوقها.
وهنا عمل «مغناطيس الذاكرة المؤسسية» فى صمت؛ لا بوصفه قوةً صنعت انتصار طيبة، بل باعتباره إرثًا جعل استعادة الوحدة أكثر اتساقًا مع الصورة الموروثة لمصر.
وحين انتصرت طيبة، كانت تعيد جمع شتات وطنٍ انقسمت سلطته، بينما ظلت وحدته مكتوبةً فى بردية الوعي، كيانًا واحدًا عصيًّا على التجزئة.
ويكشف المسار السياسى للأسرة الحادية عشرة عن قوة القاموس السياسى الموروث؛ فحكامها، وهم يوسعون سلطانهم، استندوا إلى إرث لغوى ورمزى رسخته قرون الدولة المركزية ، واستدعوا مفرداته لتأكيد حقهم فى السيادة على البلاد كلها.
وهنا تجاوز اللقب وظيفته البروتوكولية، ليتحول إلى «وثيقة سياسية» تختزن تصورًا كاملاً للدولة.
ولعل فى ذلك ما يفسر جانبًا من قوة القواميس الوطنية الراسخة حتى فى عصرنا؛ فمصطلحات الفوضى المستحدثة تستطيع أن تصنع ضجيجًا، واللجان والكتائب الإلكترونية تستطيع أن تنتج سردية مضللة، لكنها تواجه مأزقًا حين تصطدم بمفردات وطنية صاغتها خبرة تاريخية أطول عمرًا وأعمق تجذرًا فى الوعى الجمعي.
وهنا تكشف «الذاكرة المؤسسية» عن إحدى أعمق وظائفها.
وهذا قريب مما يشرحه، بعد آلاف السنين، المؤرخ الأمريكى دوجلاس نورث Douglass C. North (1920-2015)، حين جعل المؤسسات جزءًا من تفسير حركة التاريخ، ورأى أن تطورها يربط الماضى بالحاضر، وأن الخبرات المتراكمة والقيود المؤسسية الموروثة تؤثر فى المجال الذى تتحرك داخله الخيارات الجديدة.
وهنا يتبدى واحد من أروع المشاهد دلالةً فى سفر التاريخ المصرى القديم؛ انقسمت البلاد إلى معسكرين، لكل منهما عاصمته ونخبته ومصالحه وقوته المحمية بالسلاح، ومع ذلك لم يتحول الانقسام السياسى إلى مشروع معلن لاقتسام جسد الأم.
لم يكن جوهر الصراع: كيف نصنع من مصر وطنين؟ بل: مَن يملك الحق فى أن يرتدى التاجين ويحكم مصر الموحدة؟
وتلك، هى الصخرة ذاتها التى تتكسر عليها حتى اليوم محاولات التفكيك وحملات التشويه الرقمي؛ فمصر فى وعى أبنائها ليست مجموعة أقاليم جُمعت بقرار سياسى قابل للنقض، وإنما وطنٌ صاغت وحدته آلاف السنين من البديهية والثقافة.
حورس.. موحِّد الأرضين
ورث «نب حبت رع منتوحتب الثاني» ملك طيبة مشروعًا بدأ قبله، فى سلسلة طويلة من تمدد بيت الحكم فى طيبة شمالاً ومواجهة حكام إهناسيا وحلفائهم.
ولم يكن صعوده ومشروع إعادة الوحدة ومضة عابرة فى نهاية عصر الفوضي؛ بل كان ذروة صراع سياسى وعسكرى امتد عبر أجيال، حتى استطاعت طيبة فى عهده أن تحسم ميزان القوة، وأن تمد سلطانها إلى الشمال، وأن تضع نهاية للانقسام السياسى الذى مزق البلاد.
وبانتصاره وإعادة توحيد البلاد، دخلت مصر واحدةً من أعظم مراحل تاريخها: الدولة الوسطي.
لكن ما يعنينا هنا ليس فقط أن منتوحتب انتصر.
بل المعنى الذى اختار هو أن يمنحه لانتصاره.
فالمنتصر القادم من طيبة لم يقدم نفسه باعتباره مؤسسًا لدولة جنوبية توسعت حتى ابتلعت الشمال ؛ بل استخدم لغة تفترض أن هناك كلًّا سابقًا جرى تفكيكه، وأن اكتمال الشرعية يتحقق بإعادة توحيده.
وهنا، تحديدًا، تلتقى القوة العسكرية بـ«الذاكرة المؤسسية».
فالذاكرة لم تمنح منتوحتب النصر، لكنها منحت انتصاره معنىً أعمق: استعادة مصر لصورتها التى احتفظت بها الذاكرة.
وهذا هو الموضع الذى تصبح فيه فكرة المؤرخ الأمريكى دوجلاس نورث بالغة الأهمية، فالإدراك الجمعى التراكمي، فى تصوره، ينتقل عبر الثقافة والمؤسسات وطرائق ممارسة الحياة ، بحيث لا تبدأ المجتمعات فى كل أزمة تاريخها من الصفر.
ومن هنا جاء مفهوم «الاعتماد على المسار» Path Dependence؛ فاختيارات الماضى لا تكتب المستقبل بصورة حتمية، لكن تراكم الخبرة ورسوخ المؤسسات يرسمان طرقًا تغدو، بمرور الزمن، أكثر إغراءً بالسير فيها.
حين أصبحت الفوضى ذاكرة سيئة
انتصار منتوحتب الثانى لم يطوِ صفحة الفوضى كما تُطوى ورقة وينتهى أثر ما كُتب فوقها، بل حدث العكس.
فالدولة التى خرجت من تجربة الانقسام حملت معها ذكريات الانقسام، وكأن مصر احتاجت إلى أن تفقد نظامها القديم كى تدرك، للمرة الأولي، أن غياب النظام يمكن أن يصبح درسًا يُورَّث.
وهنا بدأت الذاكرة المؤسسية تؤدى وظيفتها الثانية.
فقد كانت الذاكرة، قبل الأزمة، تحفظ صورة الدولة؛ أما بعد الأزمة، فقد بدأت تحفظ أيضًا خبرة غيابها.
ولعل أدب الدولة الوسطى يقدم واحدًا من أوضح الشواهد على ذلك التحول، ففى نص «نبوءة نفرتى» The Prophecy of Neferti، الذى وصل إلينا بوصفه عملاً أدبيًا لا سجلاً صحفيًا للأحداث، تُرسم صورة لعالم اختل فيه النظام: اضطراب داخلي، وقلق على الحدود، عالم يبدو كأن الأشياء فيه قد فقدت توازنها ؛ ثم يأتى الخلاص فى صورة ملك من الجنوب يعيد النظام إلى البلاد.
والنص يكشف كيف أعادت الدولة الوسطى صياغة ذاكرة الفوضي، وحوّلتها إلى جزء من سردية استعادة النظام.
وهنا تعود «ماعت» إلى قصتنا؛ ذلك المفهوم المركزى فى الفكر المصرى القديم الذى جمع معانى النظام والحق والعدالة والتوازن، ورسم الصورة التى ينبغى أن ينتظم وفقها الكون والدولة والحكم والمجتمع.
وفى الجهة المقابلة تقف «إسفت»؛ بما تحمله من معانى الفوضى والاضطراب واختلال النظام، بوصفها خروجًا على التوازن الذى ينبغى استعادته.
وعند هذه المسافة الفاصلة بين النظام والفوضي، يكتسب نص آخر دلالةً استثنائية فى قصتنا.
«تعاليم الملك مرى كا رع» Teaching for King Merikare.
فالنص يضع النصائح على لسان ملك إهناسى إلى ابنه؛ أى إنه يمنحنا صوتًا أدبيًا من المعسكر الآخر ، وقيمته التاريخية تكمن فى صورة الدولة التى احتفظ بها النص، وفى مفهوم النظام الذى رأى أن على الملك حمايته.
فالملك فى هذا النص تُناط به مسئوليات استعادة تماسك البلاد، وإقامة العدل، وضبط النخب، وحماية الضعيف، وصون النظام.
وهنا تكمن المفارقة: حتى الطرف الذى خسر معركة الوحدة، ظل يفكر داخل الثقافة السياسية التى صنعتها مؤسسات الدولة المصرية.
وكأن الجميع اختلفوا على صاحب العرش، بينما ظل معنى العرش أقدم من خلافهم.
ومن هنا تتضح أهمية إسهام عالم المصريات البريطانى رولاند إنمارش Roland Enmarch (1974- ) فى إعادة قراءة نصوص الفوضى المصرية، ولا سيما «حوار إيبوور»؛ إذ أسهمت دراساته فى تفكيك القراءة القديمة التى تعاملت مع النص بوصفه تسجيلاً مباشرًا لانهيار الدولة القديمة، وإعادة وضعه فى سياقه الأدبى باعتباره نصًا يتأمل عالمًا بشعاً اختل فيه النظام، واضطربت داخله العلاقات الاجتماعية والسياسية.
لأن السؤال الذى يعنينا ليس فقط: ماذا حدث أثناء الانهيار؟
بل: أيُّ صورةٍ بشعة خلّفها انهيار النظام فى المخيلة المصرية؟
وهنا نستطيع أن نصوغ فرضية «الذاكرة المؤسسية»:
فحين تعيش الدولة طويلاً، لا يظل أثر مؤسساتها حبيس هياكلها الرسمية؛ بل يتسلل إلى لغة المجتمع ورموزه وممارساته وتوقعاته، حتى يصنع فى وعيه صورةً لما يبدو طبيعيًا ومشروعًا.
وحين تتراجع السلطة وتتفكك مؤسساتها، تبقى تلك الصورة حيّة فى الذاكرة، لتمنح الأجيال التالية نموذجًا تسترشد به فى إعادة بناء الدولة؛ فلا تكون العودة استنساخًا لماضٍ انقضي، بل استدعاءً لجوهرٍ بقى حيًّا، يعيد تشكيل نفسه فى زمنٍ جديد.
وربما كان أعظم ما كشفه انتصار منتوحتب الثانى أن مصر التى استعادت وحدتها فوق الأرض، لم تكن وحدتها قد غابت يومًا عن سويداء الوجدان المصري.









