مجهول يتحرك فى الفضاء السيبرانى باسمك وملامحك .. وكأنه «نسخة شريرة» منك
المفاجأة .. أنك تتورط فى جريمة معلوماتية .. لا تعرفها ولم ترتكبها
مطلوب أن يلاحق القانون الجانى الذى اختطف الهوية .. لا المواطن «المختطفة هويته»
ثغرة «المادة 64» .. تجعل تسجيل خط المحمول «دليل اتهام» ضد صاحبه
تخيل أن تفتح عينيك على صباحٍ عادى، فإذا بك تكتشف أن «هويتك الرقمية» قد سلبت منك فى غفلة من الليل؛ اسمك وصورتك وبياناتك باتت مقترنة بخطوط هواتف أو محافظ إلكترونية لا تعرف عنها شيئا، وأن مجهولا يتحرك فى الفضاء السيبرانى بملامحك، وكأنه نسخة شريرة منك! أو أن تصحو ذات يوم فتجد حساباتك الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعى قد أغلقت فى وجهك، وأنت تنظرعاجزا إلى ذلك الدخيل الذى يستحوذ عليها من بعيد.. والأكثر إيلامًا أن تفاجأ باتهامك بجريمة معلوماتية لا تعرف عنها شيئا ولم ترتكبها.
وقتها يغمرك «الذعر والفزع»، وتتملكك الحيرة.. ما الذى فعله هذا المنتحل باسمك؟ هل استغل هويتك فى النصب على المواطنين والاستيلاء على أموالهم؟ أم حولها إلى أداة لغسل الأموال، أو الابتزاز، أو التحرش الإلكتروني؟ تبحث عن مخرج، بعدما تحولت من مواطن مجنى عليه إلى «درع بشري» تتخفى خلفه شبكات إجرامية وقد تكون عابرة للحدود، لتجد نفسك مطالبا بإثبات براءتك من جرائم ارتكبت باسمك وصفتك، وهنا المفاجأة الصادمة تكمن فى سؤال يقلب الموازين: كيف تثبت أنك برىء، بينما الحساب الخاص يحمل اسمك وصورتك، والمحفظة مرتبطة ببياناتك، وخط الهاتف مسجل باسمك، والبصمة الرقمية كلها تبدو وكأنها تشير إليك؟
هنا لا نكون أمام مجرد اختراق إلكترونى عابر، وإنما أمام صورة أكثر خطورة من الإجرام الرقمي، هى «اختطاف الهوية الرقمية»، حيث لا يكتفى الجانى بالاستيلاء على حساب أو بيانات، بل يمتد فعله إلى أدوات رقمية مرتبطة بشخص حقيقي، ثم يستخدمها فى ارتكاب جرائم باسمه، بينما يظل هو مختبئا خلف هوية ضحيته فى جريمة.. عابرة للحدود.. وفى السطور التالية يواصل «الجمهورية الأسبوعي» فتح الملف المعلوماتى الأمنى والقانونى الصعب.
بداية يفرض الواقع سؤالا قانونيا ملحا: كيف يحمى القانون المواطن عندما تختطف هويته الرقمية وتستخدم كغطاء للجريمة؟ وكيف يميز القانون بين صاحب البيانات المسجلة رسميا، والجانى الفعلى الذى كانت له السيطرة على الأدوات الرقمية وقت ارتكاب الجريمة؟
المشهد القانونى
عند الاقتراب من المشهد القانونى القائم، تتكشف ثلاث ثغرات تشريعية وإجرائية رئيسية، تستدعى تدخل المشرع لتطوير الحماية القانونية للهوية الرقمية، حتى لا يتحول المجنى عليه إلى متهم، ولا تتحول بياناته التى اختطفت منه إلى دليل اتهام ضده، وهذه الثغرات تتضمن:
< أولًا: اختطاف الحسابات الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعى
تتمثل الثغرة الأولى فى عدم وجود نص خاص فى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يجرم «الاستيلاء على الهوية الرقمية» واستخدامها كغطاء لارتكاب الجرائم، إذ تعالج النصوص القائمة بعض مظاهر هذا السلوك غير المشروع بصورة متفرقة، دون أن تواجه هذه الصورة الإجرامية المستحدثة باعتبارها جريمة قائمة بذاتها، رغم وجود نصوص تعاقب على اصطناع الحسابات والوصول غير المشروع إليها والاختراق.
< ثانيًا : تسجيل خطوط المحمول ببيانات المواطنين
تكمن الثغرة الرئيسية فى المادة 64 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، التى تكتفى بإلزام شركات المحمول بالحصول على «بيانات دقيقة» عن المستخدمين عند تسجيل شرائح الخطوط دون أن تفرض آليات تحقق صارمة كالمطابقة البيومترية أو الإخطار الفورى لصاحب الرقم القومي، إلى جانب عدم وجود نص جنائى خاص فى هذا القانون يجرم بذاته تسجيل أو تفعيل خط هاتف محمول باسم شخص آخر دون علمه أو رضاه، ولا سيما إذا استخدم الخط لاحقا فى ارتكاب جريمة، وهذا الفراغ التشريعى هو ما يسمح بتسجيل خطوط هاتف بأسماء مواطنين دون علمهم أو موافقتهم، فتتحول بياناتهم المسجلة إلى قرينة قد تستخدم ضدهم، بينما يجد الضحية نفسه مطالبا بإثبات أنه لم يكن الحائز الفعلى للخط.
< ثالثًا : ثغرة الإسناد الجنائى الرقمى.
وتظهر عندما تتحول ملكية خط الهاتف المحمول أو الحساب الخاص أو المحفظة الإلكترونية المسجلة باسم المواطن إلى دليل ظاهرى ضده، فى ظل غياب تنظيم إجرائى واضح يفرض التمييز بين ملكية الأداة والسيطرة الفعلية عليها وقت ارتكاب الجريمة، ويمنح البلاغ المبكر أثرا قانونيًا يحمى الضحية من تبعات الأفعال اللاحقة له.
النصوص والقصور
< الثغرة الأولى: اختطاف الحسابات الأصلية.. عندما يتحول الضحية إلى «درع بشرى» للجريمة لم تعد عصابات الإجرام الرقمى تكتفى بإنشاء حسابات وهمية بأسماء مستعارة لارتكاب جرائمها، بل طورت أساليبها إلى مستوى أكثر خطورة، يتمثل فى الاستيلاء على الحسابات الحقيقية والأدوات الرقمية الخاصة بأشخاص حقيقيين، ثم استخدامها فى ارتكاب جرائم باسم أصحابها.
قد يستولى الجانى على حساب خاص على مواقع التواصل الاجتماعي، أو يسيطر على البريد الإلكترونى، أو يسطو على «جلسات التصفح الرقمية» ليظل الحساب مفتوحا لدى صاحبه الأصلى بينما يديره الجانى من بعيد، أو يحصل على شريحة هاتف بإسم الضحية ثم يستخدمها فى إصدار محفظة إلكترونية، قبل توظيف هذه الأدوات فى إنشاء شبكة احتيال تستقبل أموال ضحايا آخرين.
وهنا تتحول هوية المواطن نفسها إلى «درع بشرى رقمي»؛ فالجانى يختبئ خلف اسم الضحية وصورته وبياناته، بينما تبدو الأدلة الرقمية فى ظاهرها وكأنها تشير إلى صاحب الهوية الأصلي.
سؤال وإجابة
< أين تكمن الثغرة التشريعية؟
<< تكمن المشكلة فى أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يتضمن نصوصًا تعاقب على بعض الأفعال المرتبطة بالحسابات والبيانات، لكنه لم يتضمن تعريفا للهوية الرقمية فى التعريفات الواردة فى المادة (1)، كما لا يوجد به نص خاص يجرم «الاستيلاء على الهوية الرقمية « ولم يضع تنظيما متكاملا لجريمة الاستيلاء على هوية رقمية قائمة واستخدامها كغطاء لارتكاب جرائم أخري.
والمادة (24) « تقنية معلومات «: تجرّم اصطناع موقع أو بريد إلكترونى أو حساب خاص ونسبته زورًا إلى الغير. وهو نص يواجه حالة إنشاء حساب منتحل جديد، لكنه لا يعالج بصورة مباشرة حالة الاستيلاء على «حساب أصيل قائم» ومملوك للضحية.
كما تجرم المادة (14) من القانون ذاته «الوصول غير المشروع» إلى المواقع والحسابات والأنظمة المعلوماتية، وهى حماية مهمة، لكنها تركز على فعل الدخول غير المشروع، ولا تعالج بصورة مستقلة الحالة الأشد خطورة عندما لا يكتفى الجانى بالدخول الى الحساب وانما يستولى على الحساب ويستخدم هوية صاحبه كغطاء لارتكاب جرائم أخري.
والمادة (336) من قانون العقوبات: يمكن أن تنطبق على بعض صور النصب متى توافرت أركان الجريمة، لكنها لا تعالج بصورة مباشرة حالة الضحية الذى سلبت هويته الرقمية واستخدمت أداته الرقمية فى الاحتيال على أشخاص آخرين.
ومن ثم فالمشكلة ليست فى انعدام النصوص تماما، وإنما فى عدم وجود نص نوعى ومتكامل يواجه الاستيلاء على الهوية الرقمية القائمة باعتباره سلوكا إجراميًا مستقلاً، وما يترتب عليه من استخدام هوية الضحية فى ارتكاب جرائم أخري.
< الفرق بين «اصطناع الهوية» و»اختطاف الهوية»؟
<< يبرز هنا التمييز بين صورتين مختلفتين للاعتداء على الهوية الرقمية:
الأولي: اصطناع الهوية ،وهى أن ينشئ الجانى حسابا جديدا وينسبه زورا إلى شخص آخر، وهى الصورة التى تجرمها المادة (24) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.. الثانية: اختطاف الهوية- وهى الأخطر، وهى أن يستولى الجانى على حساب خاص بشخص آخر قائم بالفعل، أو شريحة هاتف ثم يستخدمها فى التعامل مع الغير باسم صاحبها. وهنا لا يقتصر الأمر على مجرد انتحال شخصية، بل يتحول الحساب أو الخط أو الوسيلة الرقمية إلى مسرح للجريمة، فإذا استخدم الحساب المختطف فى الاحتيال، أو استخدمت المحفظة المرتبطة ببيانات الضحية فى استقبال الأموال، فقد تبدو الأدلة الرقمية فى ظاهرها وكأنها تقود إلى صاحب الحساب نفسه، بينما يكون الجانى الحقيقى قد اختفى خلف هويته.
< لماذا نحتاج إلى تدخل تشريعي؟
<< لأن الاكتفاء ببيانات الحساب الخاص أو ملكية الوسيلة الرقمية لا يكفي- فى ذاته- لإثبات أن صاحبها كان هو المسيطر عليها وقت ارتكاب الجريمة. ومن ثم فإن غياب تنظيم تشريعى واضح لهذه الصورة قد يضع الضحية أمام عبء عملى معقد لإثبات فقدانه السيطرة على هويته الرقمية، كما أن الحماية القانونية لا ينبغى أن تقف عند حدود معاقبة من يدخل إلى الحساب دون حق، وإنما يجب أن تمتد إلى تجريم الاستيلاء على الهوية الرقمية واستخدامها، أو تمكين الغير من استخدامها، كغطاء لارتكاب جريمة.
تشريعات مقارنة.. حماية الهوية الرقمية من الانتحال والاستيلاء
وتكشف المقارنة التشريعية أن بعض الأنظمة القانونية اتجهت إلى توسيع نطاق الحماية الجنائية للهوية الرقمية ووسائل التعريف الرقمية.
وفى ليبيا، تضمن القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية نصا صريحا لتجريم الاستيلاء على أدوات التعريف والهوية الرقمية للغير المستخدمة فى نظام معلوماتى حيث نصت المادة رقم 18 على أنه «يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن 1,000 ألف دينار ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار كل من قام بالاستيلاء على أدوات التعريف والهوية العائدة لشخص آخر المستخدمة فى نظام معلوماتي» ،إلى جانب تجريم استخدامها بصورة غير مشروعة. وهو اتجاه تشريعى يقترب من معالجة الهوية الرقمية بوصفها محلاً للحماية الجنائية.
وفى هذا السياق، ذهب المشرع الكندى خطوة أبعد فى مواجهة الاعتداء على الهوية الرقمية فأفرد فى القانون الجنائى الكندى ناصا خاصا لـ«سرقة الهوية» فى المادة 402.2، التى تجرم الحصول على معلومات هوية شخص آخر أو حيازتها أو نقلها أو تداولها، دون مبرر مشروع، مع توافر القصد فى استخدامها لارتكاب جريمة.
وهو ما يكشف عن اتجاه تشريعى دولى مهم، هو الانتقال من الاقتصار على تجريم الدخول غير المشروع أو بعض صور انتحال الشخصية، إلى توفير حماية جنائية أكثر مباشرة للهوية الرقمية ذاتها وبيانات التعريف المرتبطة بالشخص.
مقترح التعديل التشريعى.. تجريم «اختطاف الهوية الرقمية»
ومن هنا تتضح الضرورة التشريعية لاستحداث نص صريح خاص ضمن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، يجرم الاستيلاء على الهوية الرقمية أوعلى الحسابات الأصلية المملوكة للغير، متى اقترن ذلك باستخدام هوية صاحبها فى التعامل مع الآخرين أو فى ارتكاب جريمة.
ثانيا: ثغرة تسجيل خطوط «المحمول».. آلاف الشكاوى تكشف قصورالتحقق وغياب التجريم الخاص
تتمثل الثغرة الثانية فى القصور التشريعى والتنظيمى الذى يشوب أحكام قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 فيما يتعلق بإجراءات تسجيل وتفعيل خطوط الهاتف المحمول. فالمادة (64) من القانون تلزم مقدمى الخدمة ووكلاءهم بالحصول على معلومات وبيانات دقيقة عن المستخدمين، غير أنها لم تضع إطارا تشريعيا تفصيليا يفرض وسائل تحقق متقدمة من شخصية طالب الخدمة، كـالتحقق البيومترى المباشر أو الربط الإلكترونى الفورى بقاعدة بيانات الأحوال المدنية، أو يقرر آلية للإخطار الفورى لصاحب الرقم القومى عند تسجيل خط جديد باسمه.
وقد أظهرت الوقائع العملية إمكانية تسجيل خطوط هاتف باستخدام بيانات مواطنين دون علمهم أو موافقتهم أو حيازتهم الفعلية لها، بما يتيح استغلال تلك الخطوط فى إنشاء محافظ إلكترونية، أو تلقى رموز التحقق، أو ارتكاب أفعال غير مشروعة قد تُنسب، فى ظاهرها، إلى صاحب البيانات المسجلة.
وفى السياق ذاته، تكشف الأرقام المعلنة حديثا من الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات عن حجم لافت من الشكاوى المرتبطة ببيانات خطوط المحمول؛ إذ أعلن الجهاز تلقى نحو 23 ألف شكوى مرتبطة بنحو 700 ألف خط محمول، تتعلق بخطوط مسجلة أو مرتبطة ببيانات مواطنين، موضحًا أن هذه الحالات تخضع للمراجعة والفحص وفق الإجراءات والقواعد التنظيمية المعمول بها.
ولا يعنى وجود عقوبة على مخالفة بعض الالتزامات المتعلقة ببيانات المشترك أن المنظومة التشريعية قد عالجت جميع صور الاعتداء على هوية صاحب الخط فالمادة (81) التى تقرر العقوبة على مخالفة أحكام المادة (64)، لا تستحدث جريمة خاصة ومستقلة لمجرد تسجيل خط باسم شخص آخر دون علمه، ولا تواجه على نحو نوعى الحالة التى يتعمد فيها شخص استخدام بيانات الغير لإصدار خط باسمه ثم يستعمله فى ارتكاب جريمة.
ومن ثم، فإن الثغرة لا تتمثل فى انعدام العقوبة على كل مخالفة تتصل ببيانات المشترك، وإنما فى غياب نص جنائى خاص يجرم بذاته تسجيل أو تفعيل خط باسم الغير دون علمه أو رضاه، ولا سيما إذا اقترن ذلك بقصد استخدام الخط فى ارتكاب جريمة أو تمكين الغير من ارتكابها.
قصور المادة «64» فى مواجهة حيازة الشرائح مجهولة البيانات
وفى تطبيق قضائى يكشف حدود التجريم التى رسمتها المادة (64) من قانون تنظيم الاتصالات، قضت محكمة النقض فى الطعن رقم 2610 لسنة 83 قضائية، ببراءة متهم من جريمة حيازة خطوط هاتف محمول غير مصحوبة بعقود أو بيانات، بعدما تبين أن ضبطه تم حال حيازته للخطوط، دون ثبوت قيامه ببيعها أو تسويقها دون الحصول على بيانات المتعاقدين. وأكدت المحكمة أن « وكان مجرد حيازة الخطوط المضبوطة دون محاولة تسويقها دون عقود أو بيانات لا تشكل الجريمة المنصوص عليها فى المادة 64- سالفة الذكر- فيكون الاتهام غير ثابت فى حق المتهم ثبوتاً كافياً، وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر، فإن المحكمة تقضى بإلغائه وبراءة المتهم مما أسند إليه عملاً بالمادة 304 /1 من قانون الإجراءات الجنائية».
ويكشف هذا الحكم عن جانب آخر من القصور التشريعي؛ إذ لا يمتد نطاق التجريم الذى تقرره المادة (64)- وفق هذا التطبيق القضائي- إلى مجرد حيازة الخطوط غير المصحوبة ببيانات أو عقود، ما لم يقترن ذلك بالفعل الذى يتطلبه النص لقيام الجريمة ،ومن ثم تدعو الحاجة إلى إعادة النظر فى نطاق التجريم، بما يواجه بصورة أكثر دقة حيازة أو تداول خطوط بدون عقود أو بيانات أو المرتبطة ببيانات غير صحيحة أو ببيانات الغير، متى اقترنت الحيازة بقصد غير مشروع أو استهدفت تمكين الغير من استخدامها فى ارتكاب جريمة.
غياب الإخطار.. فرصة ضائعة
لاكتشاف الجريمة مبكراً
ولا تقف الثغرة عند حدود إجراءات التسجيل، وإنما تمتد إلى غياب آلية واضحة وفعالة تمكن المواطن من العلم الفورى بتسجيل خط جديد باسمه.
فالإخطار الفورى يمكن أن يمثل وسيلة وقائية تتيح لصاحب البيانات اكتشاف التسجيل غير المشروع والاعتراض عليه قبل استخدام الخط فى إنشاء خدمات مالية أو رقمية أو ارتكاب أفعال غير مشروعة.
ويرتبط ذلك بأحكام قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذى يضع إطارًا لحماية البيانات الشخصية وتنظيم عمليات جمعها ومعالجتها. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى تحقيق قدر أكبر من التكامل بين الإطار التنظيمى للاتصالات وقواعد حماية البيانات الشخصية، بما يضمن تعزيز التحقق من شخصية طالب الخدمة، وتمكين المواطن من العلم بأى تسجيل يتم باسمه والاعتراض عن أى استخدام غير مشروع لبياناته.
ومن هنا، لا يكفى أن يظل التجريم منصرفًا إلى مخالفة واجب مقدم الخدمة فى الحصول على البيانات الصحيحة، وإنما تبرز الحاجة إلى تحديد موقف تشريعى واضح من الفعل المتعمد المتمثل فى استخدام بيانات شخص آخر لتسجيل أو تفعيل خط باسمه دون علمه أو رضاه، خصوصا إذا استخدم الخط بعد ذلك فى ارتكاب جريمة.
تدخل المشرع .. ضرورة
يتطلب حسم هذه الثغرة تحديث الإطار القانونى المنظم لخطوط الهاتف المحمول من خلال استحداث نص تشريعى يلزم المشغلين ومنافذ الخدمة، وفق الضوابط الفنية والقانونية، بإجراء تحقق موثوق من شخصية طالب الخدمة، بما فى ذلك التحقق البيومترى (مثل بصمة الإصبع أو بصمة الوجه أو بصمة العين) قبل تفعيل الخط أو إصدار بدل فاقد ،مع وضع آلية للإخطار الفورى لصاحب البيانات عند تسجيل خط جديد باسمه، بما يتيح له الاعتراض والإبلاغ عن أى تسجيل غير مشروع، وضرورة استحداث نص جنائى خاص ومستقل يجرّم تعمد تسجيل أو تفعيل خط هاتف محمول باسم شخص آخر دون علمه أو رضاه.
ثالثًا :ثغرة الإسناد الجنائى الرقمى
قد لا تنتهى مأساة المواطن باختطاف حسابه الخاص، أو استخدام بياناته فى تسجيل خط أو محفظة إلكترونية دون علمه، بل قد تبدأ منها مشكلة قانونية أشد خطورة، فإذا استخدمت إحدى هذه الأدوات فى ارتكاب جريمة، وهنا يجد المواطن البريء نفسه مطالبا بتفسير علاقة لا يعلم عنها شيئا خط مسجل باسمه، أو محفظة مرتبطة ببياناته، أو حساب خاص على مواقع التواصل يحمل اسمه وصورته، بينما الفاعل الحقيقى يقف آمنا خلف هذه الهوية المختطفة، متخفيا خلف «الدرع البشرى الرقمي».
وتتمثل المشكلة فى غياب تنظيم إجرائى يميز بين ملكية الأداة الرقمية المسجلة إداريا وبين السيطرة الفعلية عليها وقت ارتكاب الجريمة. فالبيانات المسجلة لدى شركات الاتصالات أو المنصات قد تكون بداية للاستدلال، لكنها لا ينبغى أن تتخذ وحدها أساسا قاطعا لإسناد الفعل الجنائى إلى صاحبها، خاصة إذا قدم ما يثبت فقدانه للسيطرة عليها أو عدم إصدارها من الأساس، فالاعتماد على هذا الظاهر الرقمى يحول قواعد الإسناد إلى «مسئولية جنائية مفترضة»، مما يعصف بقرينة البراءة الأصيلة المكفولة دستوريًا.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يقع عبء تقديم الأدلة الفنية المعقدة عمليا على الضحية، قد يجد المواطن نفسه مضطرا إلى تقديم ما يثبت عدم سيطرته الفعلية على الهوية الرقمية وقت وقوع الجريمة، فى حين أن عناصر الإثبات الحاسمة (كسجلات الدخول وبيانات الأجهزة، البصمة الرقمية وغيرها) توجد فى يد مقدمى الخدمات والجهات المختصة لا فى يد المواطن.
«البلاغ المبكر».. حماية لا تعنى حصانة
وتظهر هنا الحاجة إلى تنظيم قانونى صريح للبلاغ المبكر عن فقدان السيطرة على الحسابات الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو اكتشاف خطوط ومحافظ مسجلة ببيانات المواطن دون علمه.
وإذا بادر المواطن إلى الإبلاغ قبل اكتشاف استخدام الأداة فى جريمة، ينبغى أن يكون لهذا البلاغ أثر إجرائى حاسم؛ بحيث يعتد بتاريخ وساعة تسجيل البلاغ فى قطع قرينة السيطرة ونفى المسئولية عن الأفعال التى تقع بعده، دون أن يعتبر البلاغ فى ذاته دليلا قاطعًا على البراءة من أفعال سابقة.
وبذلك لا تتحول بيانات المواطن الذى اختطفت هويته دليل إدانة بذاتها، وإنما يجب أن يرتبط الإسناد الجنائى بمن تثبت صلته بالفعل الإجرامي، وبمن كانت له السيطرة الفعلية على الأداة الرقمية وقت ارتكاب الجريمة
تكشف هذه الثغرات أن حماية المواطن من اختطاف هويته الرقمية لم تعد تحتمل المعالجة الجزئية، وإنما تتطلب تدخلاً تشريعيًا متكاملاً يبدأ بتجريم الاستيلاء على الهوية الرقمية والحسابات الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشديد ضوابط تسجيل خطوط المحمول والتحقق من شخصية طالب الخدمة، واستحداث عقوبة مستقلة لتسجيل شريحة باسم الغير دون علمه أو رضاه، كما يتعين إقرار حماية إجرائية للضحية، بحيث لا يعتد بمجرد تسجيل الخط أو الحساب باسمه دليلاً على ارتكاب الجريمة، مع الاستعانة بالفحص الفنى لإثبات من كانت له السيطرة الفعلية على الأداة وقت وقوعها، وحفظ الأدلة الرقمية بصورة عاجلة، فالمطلوب أن يلاحق القانون الجانى الذى اختطف الهوية، لا المواطن الذى اختطفت هويته.
3 ثغرات تشريعية :
اختطاف الحسابات
الخاصة على المنصات
تسجيل خطوط المحمول .. ببيانات المواطنين
الإسناد
الجنائى الرقمى
توجهات لص الهوية الرقمية
النصب
والابتزاز
الاستيلاء
على الأموال
غسل
الأموال
التحرش الإلكترونى









