«ماذا تفعل لو كنت وزيراً للثقافة؟».. ماذا تفعل لو أصبحت مسئولا عن أكبر كنز حضارِى فى العالم؟، ماذا تفعل لو أصبحت قائدا لقاطرة نهضة ثقافية ضخمة تحتاجها مصر الآن فى أعنف حروب إقتلاع الأوطان من جذورها؟، ماذا تفعل لو حاولت الإجابة أو التشبث بأسئلة الضمير وصراع الهوية؟
سألت نفسى هذه الأسئلة وقلت علينا أن ننزل بالثقافة إلى أى مكان يتجمع فيه المواطنون، ولا ننتظر مجيئهم…
وكانت لى تجربة حقيقية فى مقهى ثقافى على أحد مقاهى السيدة زينب انتقلت به إلى العديد من الأحياء وبعض المحافظات قبل أن يتم قتلها، وشعرت من خلالها مدى تعطش الناس للثقافة ومدى التأثير الإيجايى حين أدرك الناس صدق الرسالة والتوجه، لو فعّلنا قصور الثقافة بهذا المفهوم فى كل محافظة، سنكون قد أنشأنا بالفعل أكثر من 27 وزارة ثقافة حية ومؤثرة على أرض مصر.
إحياء المسرح
كانت من مظاهر نهضة الستينيات الثقافية إعادة إحياء المسرح كقاطرة للوعى إلى جانب السينما والأدب..
يعنى يجب أن يعود المسرح ليلعب دوره التثقيفى والتنويري، ليتحول إلى أداة لترسيخ الوعى والخيال والفكر.. وليس المقصود هنا المسرح الباذخ المكلف، بل المسرح الذكى والبسيط، مسرح الشارع، مسرح الميدان، مسرح الجرن، مسرح الحقل، مسرح الحارة، مسرح المدرسة، نستطيع بإمكانيات بسيطة وفكر عميق إطلاق طاقات أجيال من الشباب الموهوبين فى المحافظات الذين يحتاجون فقط من يأخذ بأيديهم لكى يأخذوا بأيدى المجتمع كله نحو النور والمستقبل.
السينما
وعندما تخلت وزارة الثقافة عن إنتاج السينما والدراما وتركته كاملاً لمنطق السوق التجاري، جنينا أفلام «السنج والمطاوى» ونشر ثقافة العنف والعرى والقبح التى تنهش فى روح وجسد المجتمع المصري.. يعنى يجب أن تعود الدولة عبر وزارة الثقافة لتلقى بثقلها فى إنتاج مشروعات سينمائية كبرى، تقدم رموز مصر التنويرية والقضايا الوطنية الشائكة، والانسانية بقيمها الرفيعة، بالتعاون والشراكة مع المحطات الفضائية المصرية ومدينة الإنتاج الإعلامي، لإعادة صياغة الوجدان العام.
«عسكرى المرور» على تقاطع العبقرية
هل يمكن أن أكون «عسكرى المرور» الواقف على تقاطع هذه العبقرية.. نعم وزير ثقافة مصر فى منصبه، لا يدير مكاتب وبيروقراطية، بل يجلس على تقاطع حافل بالعبقرية؟!! إنه أشبه بـ{عسكرى المرور الحضاري» الذى يُنظّم حركة السير فى تاريخ حافل من الآثار والسينما والمسرح والأدب.. إلخ.
> سألت نفسي: وهل تستطيع أن تدير هذا الكنز؟
بلدٌ فيه أم كلثوم، ونجيب محفوظ، وطه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، وجيل بعد جيل من النقاد والمفكرين والمبدعين يولدون مع كل طلعة شمس، بلد تعاقبت عليه الحضارات والثقافات تاركة لنا الآثار والأسرار التى تدعوننا لإكتشافها لنسبق كل من سبقنا بعد ان نعود لميدان السباق..
هذا الزخم لا يحتاج إلى موظف يوقع الأوراق ويغرق فى البيروقراطية، بل يحتاج إلى مايسترو يعرف كيف يربط هذا الميراث العظيم بحاضر الشباب ومستقبلهم لكى لا تنقطع السلسلة الذهبية للعبقرية المصرية. كل هذا الثقل الحضاري، لا يمكن ولا يجوز معه دمج وزارة الثقافة مع أى وزارات أخري، ولا يمكن أن يديرها وزير يدير وزارة ثانية، فالثقافة فى مصر ملف أمن قومى قائم بذاته، أكبر وأعمق من أن تُختزل فى قطاع هامشي. الثقافة هى السلاح المباشر لمحاربة الإرهاب، والتطرف، والعنف، والجهل، والتخلف، الرصاصة قد تقتل إرهابياً، لكن المسرحية أو الكلمة أو الفيلم أو اللوحة هى التى تقتل الفكر المتطرف فى مهد العقول. «وزير ثقافة مصر» ليست مجرد مسمى وظيفي، بل هى كلمة كبيرة جداً بحجم تاريخ هذا الوطن تفوق مقام الزعماء العالميين، لأن عظم الدور الثقافى لمصر كقوة عظمى حقيقية يُلزم وزير ثقافتها – حين يستوعب حجم الكنز الذى يديره ويمتلك رؤية حقيقية للنزول للناس وتحويل الإبداع إلى قيمة واقتصاد – أن يقف فى المحافل الدولية فى مقام الزعماء العالميين؛ متحدثاً باسم أمة لم تتوقف يوماً عن تصدير النور والفن والمعرفة للإنسانية جمعاء.
> والسؤال ماذا يريد المثقفون من وزير الثقافة؟
حرية التفكير والتعبير: باعتبارها الأكسجين الوحيد الذى تتنفسه الفنون والآداب، فلا إبداع يخاف، ولا تجديد يرتعد أمام خفافيش الظلام أو مقصات الرقابة. الإيمان بالاستثمار فى العقل: ألا تُعامل الثقافة كبند رفاهية أو هامش فى الموازنة العامة، بل كركيزة أمن قومى واقتصاد معرفى قائم بذاته.
إعادة الاعتبار للمبدع: أن يُحفظ للمتفوقين والمبدعين والمفكرين ك برياؤهم وصرحهم، ألا يُتركوا على هامش الحياة بينما تتصدر المشهد أشكال التسطيح والغثيان الفني.
بناء المؤسسة الثقافية المرنة: تحرير قصور الثقافة، والمسارح، والمطابع الوطنية من قبضة البيروقراطية الجاثمة، لتحويلها إلى خلايا تفكير وإنتاج حية تسعى للناس ولا تنتظرهم.
المثلث الوجودى: جسر الوصل الثلاثى
هكذا يتحول وزير الثقافة إلى رجل دولة من طراز فريد عندما يدرك أنه ليس مجرد منفذ لسياسات، بل هو «حلقة وجسر الوصل» المركزية فى شريان الأمة، متواصلاً فى اتجاهات حيوية:
-1 بين المثقفين والدولة: يكون الوزير محامياً عن حرية الفكر، ومترجماً لأهمية الرؤية الناقدة التى يقدمها المبدعون باعتبارها أداة لتصحيح المسار وليست خصومة. إنه يوضح للدولة أن المبدع المشاغب هو أحرص الناس على مستقبل الوطن، وأن احتواء الشطط الإبداعى بالحوار أجدى ملايين المرات من أى وسيلة اخري .
بين المثقفين والدولة من جهة والناس من جهة أخري: وهنا تكمن الركزة الكبري؛ إذ لا معنى لثقافة تعيش فى الأبراج العاجية. الثقافة التى لا تصل إلى قاع القرية وشوارع العشوائيات وحوارى المدن هى ثقافة ميتة. يقع على عاتق الوزير أن يردم الفجوة بين نخبة تتحدث بلغة معقدة، وجمهور يتطلع إلى من يفهم آلامه ويعيد صياغة وجدانه.









