من ضمن ملاحظات عديدة يدركها المتخصصون والمتابعون للشأن العام خاصة من أبناء جيلى والأجيال السابقة له، ممن تجرعوا مرارة هزيمة 1967 وعانوا من انعكساتها الخطيرة على المجتمع المصري،أن مشاعر اليأس والإحباط نالت من قدرات قطاع كبير من المصريين ومن استعدادهم للمشاركة وتعويض ما فات، فيما لجأ كثير من الأدباء والفنانين إلى «الرمزية» فى رواياتهم وأعمالهم للتعبير عن طبيعة المرحلة ومفرداتها، وكانت رواية الأديب الراحل نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» مؤشرا علي ذلك بعدما كشف من خلالها عن سوء الأوضاع واختيار مجموعة من الشخوص الانفصال عن المجتمع والانسحاب منه بتعاطى المخدرات وبتبنى سلوكيات مريضة انتهت بهم إلى التورط فى جرائم أخلاقية وفى قتل إنسانة بريئة، كما ظهرت روايات أدبية أخرى تعبر عن حالة الضياع التى عانى منها الجميع بسبب الهزيمة، بينما شهدت السينما المصرية إنتاج عدد من الأعمال التى تعبر عن «النكسة» من زوايا متعددة ومن بينها أفلام «أبناء الصمت» و{أغنية على الممر» و{الكرنك» و» إحنا بتوع الأتوبيس»، وعلى الجانب الآخر ظهرت الحفلات الغنائية التى توجه إيراداتها للمجهود الحربي، وكانت الجماهير تبكى مع أغنيات أم كلثوم وعبدالحليم، وكل من يغنى من أجل مصر وفلسطين، ومن أجل استعادة الأراضى العربية من قبضة الإحتلال الإسرائيلى فى سيناء والضفة وغزة والجولان.
>>>
وحقيقة فقد كانت مرحلة ما بعد هزيمة 1967، مرحلة «سوداء» بكل المقاييس ومن حظ الأجيال الحالية أنها لم تدركها ولم تعشها ولم تعان من آثارها الدراماتيكية بما فيها الآثار الاقتصادية «الفظيعة» للعدوان الاسرائيلى بعدما أضطرت مصر لإغلاق قناة السويس وفقد إيراداتها رغم ما كانت تحققه من نسبة محترمة من الناتج المحلى كما فقدت مصر بسبب الحرب ثروتها المعدنية فى سيناء، إضافة إلى فقد جانب مهم من الايرادات السياحية ومن الموارد البشرية التى كانت تعتبر العنصر الأكثر حيوية فى تحقيق التنمية الاقتصادية، اللافت فى هذه المرحلة أن اقتصاد مصر المثقل بكل هذه الخسائر بسبب الهزيمة، كان مطالبا بالقيام بمهام كبرى لتعويض الخسائر الاقتصادية المباشرة وتمويل شراء المعدات والبنية الاساسية العسكرية وتمويل الإنفاق العسكرى عموما، مع محاولة تلبية الاحتياجات الاستهلاكية للمواطنين وتقليل الواردات إلى جانب توقف كافة المشروعات المدنية والاكتفاء بالمشروعات التى تصب فى صالح العمليات العسكرية، باختصار فقد تشكلت ملامح السياسات الاقتصادية المصرية خلال هذه المرحلة على أساس أنها سياسات لإدارة «اقتصاد حرب» وتجسد ذلك فى طوابير الحصول على المواد الغذائية الأساسية أمام الجمعيات الاستهلاكية وفرض ضرائب جديدة كذلك فى تزايد إصدار الأوراق المالية كآلية لتمويل الإنفاق فيما يعرف بالتمويل بالعجز، وقد كانت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات الاقتصادية زيادة أعداد البطالة وانتشار العشوائيات وتعثر مشاريع البنية التحتية إلى جانب تفاقم مشاكل التكدس والزحام فى كل ربوع مصر.
>>>
لقد جسدت مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967 أسوأ مراحل مصر فى تاريخها الحديث، ليس للهزيمة العسكرية فقط ولكن لما ترتب عليها من أمور عديدة ومن تراجعات فى معظم المجالات، وأذكر هنا أنه بعد نصر أكتوبر 1973 تعثر اقتصادنا بدرجة كبيرة ولم تسعفنا مساعدات الدول الشقيقة كما خلفت سياسات الإنفتاح الاقتصادى التى تبنتها الحكومة فى نهاية حقبة السبعينيات مجتمعا «مشوها» وانقلب الهرم الإجتماعى رأسا على عقب، وفى حقبة الثمانينات من القرن الماضى مثل سوء «الصرف الصحي» ظهرت مشكلات أخرى، واستغرق علاج هذه المشكلة سنوات طويلة لتهالك شبكات الصرف الصحى وللتكلفة العالية لإصلاحها أو إستبدالها، كما كانت شبكة الكهرباء لا تغطى معظم أنحاء الجمهورية وعانى سكان القرى والنجوع من حرمانهم من خدمات التيار الكهربائى ومن الظلام الدامس، وعندما عقد المؤتمر الاقتصادى عام 1982 كان من ضمن أهدافه أن تتوافر السيولة الكافية لحل مثل هذه المشاكل وإقامة المشاريع وتوفير فرص العمل وبناء الوحدات السكنية للشباب المقبلين على الزواج، أما المشكلة الأهم فقد برزت فى تصاعد التطرف بشقيه الدينى والاخلاقى وظهر ذلك بدرجة أوضح فى حقبة التسعينيات وفى العشرية الأولى من القرن 21، وقد أسفر ذلك كله عن خسائر هائلة وعن تشوهات عديدة فى المجتمع المصرى كان لابد من تداركها فى العقد الماضى وبعد ثورة 30 يونيو بالتحديد.
>>>
هذه القراءة السريعة لابد منها ونحن نراقب الأوضاع السيئة التى خلفها وجود إسرائيل فى المنطقة ومؤامراتها التى لا تتوقف ضد مصر والدول الشقيقة، أيضا لابد من هذه القراءة لكى نتفهم لماذا أشار الرئيس السيسى فى كلمته خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف إلى ضرورة حصر أعمال 50عامًا مضت لكى نقيم المرحلة الحالية، فهذه الإشارة فى حد ذاتها تعنى أن التحديات التى تواجه مصر كثيرة ومتعددة وأن تكلفة مواجهتها عالية جدا، وأنها تحتاج منا المزيد من الوعى والإدراك والعمل والاخلاص.









