مع دخول المدارس وبدء الاستعداد لمهمة اعداد «اللانش بوكس»، وإعداد طعام ينمى ذكاء الطفل ويعطيه وجبة متكاملة.. يتبادر إلى الذهن السؤال الأعمق، ماذا نطبخ اليوم؟.. ودعنا نواجه الحقيقة.. هناك وحوش لا تسكن فى الظلام، ولا تختبئ تحت السرير، ولا تخرج من قبور القدماء.. هناك وحوش أكثر هدوءًا، وأكثر فتكًا، ترتدي ثيابًا عادية، وتظهر في أكثر الأوقات أمانًا.. مثل وقت الغداء. السؤال بسيط جدًا، لدرجة أننا نمر عليه مرور الكرام: «ماذا نطبخ اليوم؟»، قد تظن أن الأمر يتعلق بالجوع، أو بتفضيلات اللسان، أو حتى بميزانية المنزل، لكن لو أمعنت النظر، وخلعت نظارة السطح ونظرت إلى الأعماق، ستجد أن هذا السؤال ليس عن الطعام أبدًا، إنه عن «الثقل».. الثقل النفسى، ثقل المسئولية، ثقل الحياة التي تُطبخ على نار هادئة كل يوم حتى تحترق. لم تكن وظيفة إعداد الطعام – التى أنيطت عادة بالأم – حتمية لتعزيز الأدوار الاجتماعية فحسب، بل كانت «قدرًا»، لكن الإشكالية المربكة ليست في الطبخ ذاته، بل في «من يسأل»، و{لماذا يسأل»، حين يُطرح السؤال، فهو في جوهره صرخة خافتة تقول: «أنا متعب»، «أحتاج لمن يسمع»، «أريد أن أتقاسم هذا العبء»، نحن لا نطبخ لنأكل فحسب، نحن نطبخ لنشعر بأننا «نصنع» حياتنا، لا نستقبلها جاهزة ومغلقة فى علبة كرتونية. لكن الحضارة الاستهلاكية، ذلك الوحش ذو الأذرع المتعددة، كان له رأي آخر، لقد جعلت من الإنسان «مستهلكًا» فقط، لم يعد بمقدورك الاختيار فى زحمة المعروض الحضارى (المطاعم، تطبيقات التوصيل، والوجبات الجاهزة).. جميعها تحاصرك لتقول لك: «لماذا تتعب؟ اجعل حياتك سهلة».. نعم، طلبية بيتزا قد تجعل حياتك سهلة، وقد تبدو «حضارية» في سرعة إيقاعها، لكن الثمن الذى ندفعه يوميًا هو أغلى مما تتخيل، الثمن هو «تغاضينا عن التفاصيل»، حين تتوقف عن السؤال «ماذا نطبخ؟»، فإنك تتوقف عن السؤال «من نحن؟». وهنا تكمن النقطة التى قد تبدو لك مبالغًا فيها، لكنها جوهر الرعب الحقيقى، ما تفرضه الحضارة الاستهلاكية الآن هو نمط مستدام من «الإنسان المنسوخ»، متشابه، مبرمج، أقرب إلى آلة لا تعي معنى الحياة، ولا يمكنها أن ترفض، أو تحب، أو تستمتع بأقل اللحظات إثارة. حين نهرب من المطبخ إلى التطبيق الإلكتروني، نحن لا نهرب من التعب فحسب، نحن نهرب من «هويتنا»، فالطعام الذي تطبخه أمك، أو الذى تطبخه أنت بيدك، يحمل بصمتك، ملحَك الخاص، لمسة يدك التى لا تتشابه مع يد غيرك، أما الوجبة الجاهزة، فهي نسخة طبق الأصل من ملايين الوجبات الأخرى، تمامًا مثلنا حين نصبح نسخًا متطابقة من بعضنا البعض. الأسئلة البسيطة، مثل «ماذا نطبخ؟»، هي طوق النجاة لما تبقى من خصوصيتنا، هي التي تمنح هوياتنا وثقافتنا تنوعًا، هى التى تذكرنا أننا لسنا آلات استهلاك، بل نحن كائنات «نصنع». السائل لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن «حضور»، يريد أن يتقاسم المسئوليات الاجتماعية، ويتخلص من الأعباء النفسية التي تطيح بصحته وعافيته، وتحشره في زوايا الاستغلال، والإجابة لا تكمن فى تخصيص طلبية ما، بقدر ما تكمن في أن يكون للإنسان «حضورًا وقبولًا»،
في النهاية، المعركة ليست ضد الجوع، بل ضد أن نصبح جميعًا نسخة واحدة باهتة من الإنسان، تأكل ما يُلقى لها، وتنام حيث تُوضع، وتنسى أنها كانت يومًا تستطيع أن تطبخ، أن تختار، أن تكون.. إنسانًا.









