كل الأمور تتغير بسرعة الآن، ومنها أحوال الدراما التى وصلت إلى الحد الأدنى من عدد الحلقات لتقدم الحد الأقصى من الأحلام والصراعات، وهو ما رأيناه عبر الشاشات المصرية عبر السنوات القليلة الماضية، ونراه الآن عبر منصة «شاهد» التابعة لقنوات «mbc» من خلال ثلاث حلقات فقط هى الجزء الأول من مسلسل عنوانه «القصة الكاملة»، الحلقات بعنوان «لعبة جهنم»، والقصة هنا لسامح سند كتبتها من المعالجة إلى السيناريو والحوار نجلاء الحدينى التى كتبت وشاركت فى أعمال كثيرة سابقة مثل «برغم القانون» و«بين السطور» وأخرجها إسلام خيرى وهو مخرج متمكن رأينا له أعمال مهمة من قبل مثل مسلسلى «جودر» بجزأيه، و«قهوة المحطة»، وفى رمضان الماضى قدم مسلسل «هى كيميا»، ولكن الاختبار هنا له أهميته بسبب الحلقات الثلاثة التى تدور حولها الاحداث حول بطلين، الاول علاء محمد فراج الفقير المتعب وصاحب الألف وجه فى بيئة فقيرة وحوارى تضم غالباً فقراء مثله يعيشون وفقاً لما تأتى به كل لحظة من لحظات الحياة ومن هنا نكتشف مبكراً أن علاء ليس الشيخ علاء وإنما جزء منه معبر عن الخير يذهب فيه إلى الجامع ويعظ بمحبة مجموعة شباب قبل أن يعود الى الحياة ويشتبك مع مطالبها، ويخاصم كل الأشياء التى يطلبها كشيخ من الشباب، ومنها سرقة صندوق التبرعات فى المسجد، ومحاولات أخرى للحصول على الأموال تزداد أهميتها حين نعرف أن وراءها شاب يقوده عبر موقع إلكترونى ويطالبه بتنفيذ جرائم معينة مقابل مبالغ مادية كبيرة، وهنا تكشف لنا الحلقات عن «لعبة جهنم» من خلال هذا الحوار المستمر بين علاء، والشاب سليم عمر رزيق الذى ينتمى لأسرة متحققة اجتماعياً، اب طبيب وأم وبيتفاخر، ويذهب الى مدرسة انترناشيونال، ويتعامل كما يريد مع زميلات الفصل، وتنمو لديه نزعة السيطرة مع قدراته العالية على التعامل مع الوسائط التكنولوچية فى غرفته المجهزة جيدا، التى يعيش فيها تقريبا طوال الوقت فى بيته، لنكتشف مع حركة علاء وعلاقته بسليم اننا أمام علاقة سيطر فيها الثانى على الاول رغم محاولات علاءالمقاومة، ولكن كانت النقود والأمانى المؤجلة الحافز الأهم لاستمرار العلاقة والسيطرة، وحين يحاول الأول الرفض، كانت الأدلة تنهى مقاومته، والتهديد يقابله بوضوح، فكل حركة وكلمة مسجلة ومصورة لدى سليم وأجهزته.
سليم.. وضحاياه
فى «لعبة جهنم» يحتار المشاهد فى أوقات عديدة، فى أسباب هذه الحياة الصعبة التى يعيشها علاء، وهو ما تغافل عنه السيناريو بعدم إبراز ملامح الشخصية بوضوح والانحياز فقط إلى صعوبات الحياة وما فعلته به، ففى علاقة علاء بالطفل حسن «منذر مهران» ابن الحارة الذى أحبه وصادقه يسأله عن عائلته، فيخبره بأنه ليس لديه عائلة، ونفس الإجابة عن سؤال آخر عن الناس الذين يحبهم وهو الذى يعانى شعوراً دائماً بالوحدة، ودون أن نجد تفسيراً أو حكاية لهذه الكلمات الصعبة، بل ان بعض اللقطات لا تكتمل مع أهميتها فى فهم حالة بطل الحلقات الدائم الحركة بين الشوارع الخالية والبيت القاتم والباحث عن ونس إنسانى لا يجده.. أما الثانى البطل المسيطر عن بُعد «سليم» فنحن لا نراه طول الوقت إلا جالساً على أجهزته يقودها لأجل عمليات إلكترونية، ورغم وجوده فى بيته إلا أن علاقته بأبيه وأمه تبدو وكأنها علاقة غرباء بلا أى تفسير لهذا وهو أمر غريب فى عمل يعتمد على شخصيات محدودة، متحققة اجتماعياً مثل هذه الاسرة، ولكنها من خلال العمل تبدو مفككة بلا سبب، بل ويبدو أصغرها، أى الابن الشاب صانع للجرائم وهو ما نعرفه من خلال علاقته بعلاء عن بُعد، وتهديده له بفضحه عبر تنزيل صوره على صفحات السوشيال ميديا، وهو ما يدفع علاء فى النهاية إلى قتل الطفل حسن الوحيد الذى احبه كابن له بعد رفض لمرات، وهو ما يصل بنا إلى ذروة من الاحزان فى ظل إضاءة قاتمة ظلت اغلب مشاهد الحلقات، مع تصوير رائع لمدير التصوير احمد جبر، ومونتاج موفق لم يضف زيادات إلى الاحداث المؤلمة وإدارة حاسمة للمخرج لأداء كل الممثلين، مهما كانت مساحة أدوارهم، لنصل إلى النهاية والعقاب إلى من قتل طفلاً أحبه وبادله المحبة بكل صدق وعفوية، وتنتهى لعبة جهنم بإعدام علاء، ولكن ماذا عن سليم المحرض الأهم، وهل لا يستحق العقاب هو الآخر؟









