لم يعد دخول المواطن للسوق كما كان من قبل.. فالمشتريات التى كانت تتم بصورة عفوية، أصبحت تخضع للحساب والمقارنة والسؤال عن السعر.. والمنتج الذى كان يشترى دون تفكير، أصبح اليوم يحتاج قراراً.
فى كل بيت مصرى تقريباً تغيرت طريقة التعامل مع المصروف.. لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بارتفاع الأسعار، وإنما يتغير بتغير الأولويات نفسها.
الأسرة أصبحت تفكر أكثر قبل شراء الملابس وتراجع أسعار الأجهزة وتقارن بين المطاعم وتبحث عن العروض وتؤجل بعض المشتريات التى كانت فى الماضى جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، من «عايزه» إلى «محتاجه».. ربما يكون هذا التغيير الأبرز فى سلوك المستهلك المصري.
السؤال لم يعد فقط «بكام؟»، وإنما أصبح «هل أنا محتاجه فعلاً؟!».
الإنفاق على الكماليات أصبح أول بند يتعرض للتقليص، عندما تزيد الضغوط.. السفر والترفيه والمطاعم والملابس الجديدة، والمشتريات غير الضرورية كلها أصبحت تخضع لحسابات أكثر دقة.
حتى العروض والخصومات لم تعد كافية لإقناع المستهلك بالشراء، فالمواطن أصبح أكثر خبرة فى مقارنة الأسعار ويبحث عن السعر الحقيقى قبل الخصم ويستخدم الهاتف ٥ ثوان لمقارنة أكثر من متجر ومنصة.
«السوشيال ميديا» غيرت طريقة الشراء.. المفارقة أن المواطن أصبح أكثر حرصاً على الإنفاق، بينما أصبحت الإعلانات أكثر قدرة على دفعه إلى الشراء.. فيديو قصير على «التيك توك» أو «انستجرام» يمكن أن يحول منتجاً غير معروف إلى «تريند» خلال أيام ومؤثراً على مواقع التواصل يستطيع أن يجعل منتجاً معيناً هدفاً لآلاف المتابعين.
هنا تظهر معركة جديدة بين الرغبة والقدرة، فالمستهلك يرى يومياً نمط حياة مليئاً بالسفر والمطاعم والسيارات والملابس، لكنه فى الواقع يعيش وفق ميزانية مختلفة تماماً.
الشراء بالتقسيط حل أم تأجيل للمشكلة؟!
أصبح التقسيط جزءاً أساسياً من حياة قطاعات واسعة من المستهلكين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
التقسيط يتيح للأسرة الحصول على احتياجاتها دون دفع المبلغ كاملاً، لكنه فى الواقع نفسه قد يجعل السلعة تبدو أرخص مما هى عليه، لأن المستهلك ينظر إلى قيمة القسط الشهرى وليس التكلفة الإجمالية.. وهنا تظهر أهمية الوعى المالي، خصوصاً لدى الشباب الذين يدخلون سوق الاستهلاك فى سن مبكرة.. حتى المطاعم تغيرت، فالخروج لتناول الطعام لم يعد حلاً بسيطاً، كما أصبح كثيرون يختارون المطاعم بناء على العروض، ويستبدلون المطاعم الأغلى ببدائل أقل تكلفة أو يطلبون الطعام فى مناسبات محددة، بدلاً من أن يكون الأمر عادة أسبوعية.
اللافت أن المواطن يتوقف عن البحث عن الترفيه، لكنه يحاول الحصول عليه بأقل تكلفة ممكنة.
المستهلك المصرى يتغير بتغير المشهد الجديد، لا يعنى أن المصرى توقف عن الشراء، وإنما يعنى أن أصبح أكثر انتقالية.. الأسرة تريد أن تعيش وتستمتع، لكنها فى الوقت نفسه تريد أن تحافظ على قدراتها على مواجهة الغد، ولهذا أصبح التخطيط والبحث والمقارنة جزءاً من عملية الشراء نفسها.
وفى النهاية، ربما يكون أكبر تحول فى عقلية المستهلك المصري، أن الاحتياج أصبح يسبق الرغبة، وأن السعر أصبح حاضراً فى كل قرار من شراء وجبة إلى اختيار شقة أو سيارة.
لقد تغير السوق، لأن المواطن تغير.. لم يعد السؤال ماذا أريد أن أشتري؟، بل أصبح السؤال الأكثر واقعية: ماذا أستطيع أن أشترى ومن أين أدفع ثمنه غداً؟!









