لا شك أن زيارة الرئيس الصينى شى جينبينج تاريخية وحدث مهم يحمل الكثير من الرسائل والدلالات.. وتأتى فى توقيت بالغ الدقة، تعيش فيه المنطقة والعالم والنظام العالمى مخاضاً جديداً وصعباً فى أتون الصراعات والاضطرابات الإقليمية فرضت تحديات وتداعيات اقتصادية مؤلمة للجميع، وأيضا توقيت تتصارع فيه المخططات وحروب الهيمنة والنفوذ ومحاولات إعادة تشغيل المنطقة والسيطرة على مقدراتها وثرواتها وممراتها البحرية الإستراتيجية أو حرب المشروعات والطرق ما بين المعسكر الأمريكى بحلفائه والمعسكر الصينى ومعه دعاة إصلاح النظام العالمى وتحويله إلى متعدد الأقطاب فى ظل سوءات وخطايا النظام العالمى الحالى الذى يميل إلى الصدام ومحاولات انتهاك السيادة والتدخل فى شئون الدول وتغيب عنه العدالة وتبرز فيه سياسات الكيل بمكيالين.. لذلك هناك من ضاق ذرعاً بهذا النظام المتغطرس، الذى يسرف فى استخدام القوة ويتبنى مشروعات ومخططات تشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار العالم ومستقبل دوله.
القاهرة بقيادتها الحكيمة الرشيدة اختارت طريق الحكمة والتوازن والندية وفتح الأبواب المشروعة للجميع، دون إغلاق الباب فى وجه أحد، شريطة الاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية أو المساس بالسيادة أو محاولات فرض الأمر الواقع أو الانحياز لدول بعينها، دون النظر إلى العدالة أو القوانين والشرعية الدولية.. لذلك فإن مصر بجلال وعظمة مواقفها وثوابتها وسياساتها وقوتها وقدرتها وكونها مفتاح القوة والقدرة والمصالح وبموقعها الإستراتيجى المتميز الذى يعد الطريق إلى قلب الأسواق العالمية والرابط السهل كماً وكيفاً إلى قارات العالم وما تمتلكه من أوراق ومزايا ومقدرات تمثل اهتماماً استثنائياً للقوة الكبري، فلا شيء يجرى فى المنطقة دون حضور وقرار مصر، ولن تنجح أى مشروعات أو مخططات تخالف الموقف المصري، ولن تكون مفاتيح المصالح المشروعة التى تحافظ على الملكية الوطنية دون جور أو ظلم إلا من خلال مصر.. لذلك يدرك الجميع أنها مركز الثقل فى الشرق الأوسط والإقليم.. لذلك يتهافت الجميع على رضا القاهرة، ولكنها أيضا تنتهج التوازن والتعاون والشراكات الإستراتيجية دون انحراف عن هذا المسار والاختيار.
ربما كتب الكثيرون عن العلاقات المصرية- الصينية التى بلغت عمرها السبعين عاماً، وأن القاهرة هى الدولة الافريقية والعربية الأولى والثالثة والعشرين عالمياً التى اعترفت بالصين عام 1956، وما بينهما من علاقات وشراكة إستراتيجية وقعت فى 2014 شاملة ترتكز على 242 اتفاقية حتى عام 2025، وكيف بلغت هذه العلاقات هذا المستوى الإستراتيجى ووصلت العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية إلى مستوى غير مسبوق لتصبح الصين شريكاً اقتصادياً بما لديها من مكانة اقتصادية تحتل من خلالها المركز الثانى على مستوى الاقتصاد العالمى، وبما يمثله حجم الناتج القومى ومعدل النمو الصينى والصعود المتنامى للاقتصاد والتكنولوجيا والتقدم الهائل الذى تشهده بكين، لتصل إلى مرحلة شديدة الدقة والحرج فى طريق الصراع العالمى مع الولايات المتحدة على سدة النظام العالمي، خاصة فى جانبه الاقتصادى ويعزز من مكانة الصين امتلاكها لتكنولوجيات فريدة وقدرات صناعية هائلة وامتلاكها لمقومات التقدم وأبرزها المعادن النادرة والرقائق الإلكترونية وتسيطر على السوق العالمى فى إجماليها.
الصين التى تشارك بفاعلية فى المشروع المصرى الوطنى لتحقيق التنمية والتقدم، لديها الكثير من المشروعات والاستثمارات فى مصر، خاصة مشروعات الطاقة المتجددة، وأيضا لديها 200 شركة تعمل فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتنفذ مجموعة من المشروعات، أبرزها أبراج حى المال والأعمال بالعاصمة الجديدة وأبراج العلمين وتدشين القطار الكهربائى الخفيف بين مدينة العاشر والعاصمة الجديدة، وضخت الصين استثمارات بلغت 1.4 مليار دولار.
وعلى الصعيد السياسي، تتبنى بكين مواقف متشابهة لمواقف القاهرة بشأن القضايا الإقليمية وترتكز على أهمية الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات والصراعات وتجنيب المنطقة والعالم تداعيات الحروب.. لذلك الزيارة والشراكة الإستراتيجية الشاملة بين مصر والصين تعنى لى الكثير وتثير فى نفسى مشاعر الفخر والاعتزاز بهذا الوطن وقيادته العظيمة، التى ترسم ملامح الشموخ والقوة والقدرة والندية المصرية فى مواقفها وخطوطها الحمراء وحكمة سياساتها وتوجهاتها، دون التورط فى انحياز لمعسكر على حساب آخر.. اختارت التوازن والتعاون مع الجميع وفقاً لشروط سالفة الذكر، لتحقيق مصلحة مصر وشعبها.. لا يرهبها أى تهديد أو وعيد أو ضغوط ولا تلين لإغراءات تتنافى مع مواقفها.. لذلك الأبعاد الأخرى وما وراء زيارة الرئيس الصينى رسائل مهمة للشموخ والاستقلال الوجودى الذى يشكل القرار المصري.. أؤكد على الآتي:
أولاً: أن الزيارة تحقق المقاصد والمصالح المصرية فى جلب التكنولوجيا العصرية لدعم ركائز المشروع الوطني، ليتحقق التقدم فى كل ما بات لدى القاهرة من مقومات وبنية تحتية عصرية فى جميع القطاعات ومناخ مناسب ومثالى للعمل والاستثمار، وأيضا فرصة لدخول التنين الصينى بقوة فى قلب مشروعات البناء والتنمية والتعاون الشامل فى الكثير من المجالات، ومنها الدفاعى والأمنى.
ثانياً: أن الأمن القومى المصرى وحمايته وتوفير متطلباته، لا مجال فيه للتهاون أو المساومة أو المنع أو الحجب.. ومصر تستطيع بشموخ، الحصول على هذه المتطلبات أينما كانت ووجدت دون التفاف لأشياء أخرى.
ثالثاً: أن خلف الكواليس أموراً لا يعرفها أحد إلا القليل، تكشفها بشكل غير مباشر مواقف مصر، وتحركاتها وعلاقاتها وزياراتها وضيوفها، تبحث عن التعاون والشراكة والعدالة وتأمين وحماية وجودها فى ظل نيران مشتعلة فى كل الاتجاهات ومخططات وأوهام لا تتوقف، ندرك انها الهدف.. لكنها تسبق الجميع فى الجاهزية والاستعداد ليوم يفكر فيه عدو غبى أو متغطرس فى المساس بأمنها القومي، ليلقى حتفه كما هو معتاد تاريخياً وليكون الدرس أكثر ألماً وقسوة فى الحاضر.
رابعاً: أبدع الرئيس السيسى فى إدارة ملف السياسات الخارجية والعلاقات الدولية، وهو يمثل أعظم إنجازات الدولة المصرية خلال 12 عاماً.. يدار بحكمة وتوازن وعبقرية وشموخ، يرتكز على قوة وقدرة دولة ووعى واصطفاف شعبها حول قائد مؤمن بعظمة هذا الوطن وأنه لا يركع إلا لله.. لا يريد خسارة أحد، ولا الصدام مع أحد، لكنه يرفض الانبطاح والتبعية لأحد.. فمصر أكبر من كل ذلك، فهى التاريخ والحاضر والمستقبل ولا أحد يستطيع أن يساومها أو يملى عليها أو يحجب ويمنع عنها ما هو أساسى ووجودى لحماية أمنها.. وهذا القرار الوطنى المستقل نابع ومرتكز على قوة بناها قائد عظيم..









