الرأسمالية المتوحشة تتراجع فى العالم كله.. لكن أرباب الصفقات يتوحشون بيننا
رفضت مصر عشرات المليارات من الدولارات مقابل تهجير الفلسطينيين.. فهل نضحى بالقناة مقابل دين محلى؟
حين تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مهام رئاسة الجمهورية فى يونيو سنة 2014، كان أول مشروع بدأ به هو ازدواج قناة السويس.. كان المشروع مكلفًا، وكانت المؤسسات المالية العالمية جاهزة لإقراض مصر لإنجازه، لعدة أسباب، منها أن عائد المشروع مضمون ومؤكد، ويمثل إضافة للملاحة العالمية، فضلاً عن أنه يرتبط باسم قناة السويس؛ اسم له قيمته التاريخية والعالمية، وتحرص المؤسسات الكبرى عالميًا على أن يكون لها صلة أو وصل به. . لكن قرار الدولة كان الاعتماد الكامل على القدرات المصرية فى المشروع، من حيث الشركات المنفذة والفريق الهندسى القائم عليه، ومن الناحية المالية تم فتح باب الاكتتاب العام للمشروع. وفى خلال فترة وجيزة تم جمع 64 مليار جنيه، رغم أن التكلفة كانت حوالى ثلثى هذا المبلغ.
وكان هناك من يشككون فى جدوى هذا المشروع، وشكك «أهل الشر» فى أن الدولة سوف ترد الأموال إلى أصحابها، لكن المصريين وثقوا فى المشروع وفى الدولة والقيادة؛ ذلك أن القناة فى الوعى الجمعى المصرى ليست مرفقًا حكوميًا، بل قطعة حية من السيادة الوطنية.
وفى خلال عام بالضبط تم الإنجاز وافتتاح الخط الملاحى المزدوج بالقناة، وعادت الأموال إلى أصحابها، وفى أقل من عامين غطت العوائد التكلفة بالكامل.
كان إصرار الدولة على أن تظل القناة مصرية تمامًا، ذات طابع وطنى خاص، وأن تكون خارج منطقة القروض أو الديون. وقتها، سنة 2014، راح بعض أساتذة الاقتصاد يتحدثون عن أنه كان الأسهل اللجوء إلى الاقتراض، وقالوا إن ذلك لا عيب فيه ويحدث فى معظم الدول، واستشهدوا فى ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية، لكن أحدًا لم يأخذ تلك الأقوال بجدية، سواء داخل الدولة أو على مستوى الرأى العام.. وقناة السويس فى الوعى والتاريخ المصرى قصة كفاح وطنى تحملته أجيال، فيها جوانب مأساوية، وجوانب من العظمة والنضال المصري.
ظهرت فكرة ربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عبر ممر مائى فى نهاية دولة المماليك، زمن قنصوة الغوري، سلطان مصر والشام، فى مطلع القرن السادس عشر.. وعُرضت الفكرة على السلطان الغورى من قِبَلِ خبراء ومهندسين وتجار من إيطاليا.. وكان الهدف مواجهة طريق رأس الرجاء الصالح الذى أضر بالمصالح التجارية للمدن الإيطالية، فضلاً عن إضراره بالاقتصاد المصري، حيث كانت البضائع تأتى من الهند عبر البحر الأحمر حتى السويس، وتُنقل برًا إلى ميناء دمياط، ومنها بالبحر إلى شمال المتوسط فى أوروبا.. وطريق رأس الرجاء الصالح زاد مدة وصول البضائع وضاعف التكلفة على التجار، وفقدت مصر دخلاً ماديًا ثابتًا، فضلاً عن الرواج التجارى والاقتصادي.. وبينما كان السلطان الغورى يدرس ويفكر، داهمه الغزو العثماني، وفقدت مصر استقلالها، وصار أمرها بيد الباب العالى فى الأستانة، ونُسى المشروع تمامًا، لكن الوثائق الإيطالية تضم الكثير من التفاصيل حوله.
عادت الفكرة إلى الحياة فى عصر محمد علي، عبر مجموعة من أتباع سان سيمون، أقاموا فى مصر منذ أيام حملة نابليون، وكانت لديهم أفكار إصلاحية عديدة، مثل تنظيم مياه النيل، فكانت القناطر الخيرية، وكانت هناك أيضًا فكرة القناة.. لكن محمد على تخوف من ذلك المشروع ورفضه؛ فلم يكن العائد الاقتصادى لحفر القناة مؤكدًا ولا يقارن بتكلفة الحفر، وكان لدى محمد على مشاريع أخري.. لكن الأهم من كل ذلك أن والى مصر وجد أن شق القناة سوف يفتح الباب للتدخل الأوروبى فى الشأن المصرى وشئون المنطقة، خاصة بريطانيا التى كانت تريد تأمين طرقها إلى الهند، فأغلق هذا الباب.
ثم سار على منواله حفيده الوالى عباس الأول، الذى كان أشد تخوفًا من تدخل فرنسا وبريطانيا، ولم يكن يحب الانفتاح على الأوروبيين.. وقيل إن ذلك كان أحد أسباب التحريض عليه، حتى جرى اغتياله فى قصره بمدينة بنها على يد اثنين من خدمه.. وجاء بعده، سنة 1854، الوالى محمد سعيد باشا، وكان مُحِبًا للمصريين ويريد الانفتاح على أوروبا والحداثة.. وافق سعيد باشا على مد شبكة السكك الحديدية فى مصر، وكان الامتياز لحساب بريطانيا.. وفى الوقت نفسه، تدخل فرديناند ديلسبس، بمساندة إمبراطور فرنسا، وعرض على محمد سعيد فكرة حفر قناة السويس، وكان اسمها «ترعة السويس».
قيل الكثير فى هذا الأمر، معظمه ليس فى صالح سعيد، خاصة أن الشروط التى حصل عليها ديلسبس كانت مجحفة جدًا بحق مصر والعمال المصريين. كان المفروض أن تقدم مصر العمال الذين يقومون بالحفر، وألا يدفع الجانب الفرنسى أجرًا لهؤلاء العمال.. وهكذا بدأ الحفر بالسخرة، يعمل العمال فى ظروف قاسية. وخطأ الوالى سعيد كان فى قبول هذا الشرط.
فى ذلك الزمان، وقبل قرون، كان الفلاح المصرى يعمل بلا أجر، ولكن فى الأعمال ذات المنفعة العامة، مثل تطهير الترع زمن الجفاف، ومذكرات «ابن مماتي» فيها بعض التفاصيل حول تلك القاعدة.. أما أن يُجلب العمال للسخرة فى مشروع مُنح لمغامر، ربما لص، أجنبي، فذلك هو الجرم بعينه.
فقدت مصر أكثر من 120 ألف عامل، والرقم الدقيق يتجاوز قليلاً 121 ألفًا، فقدوا حياتهم فى الحفر.. وهكذا بدأ الجرح الأول فى الضمير والوجدان المصرى.
121 ألفًا فى منتصف القرن التاسع عشر، حين كان تعداد مصر حوالى مليونين ونصف المليون نسمة، يوازي، بتعداد اليوم، أكثر من خمسة ملايين مواطن.
للوالى محمد سعيد مآثر كثيرة، وكان يحب المصريين فعلاً. فهو صاحب اللائحة السنية التى أتاحت للمصريين حق تملك الأرض، لأول مرة منذ الاحتلال الروماني، وهو صاحب مرسوم تجنيد أبناء المصريين جميعًا، فسقطت الجزية عن غير المسلمين ودخلنا عهد المواطنة.. وهو من قام بترقية بعض المجندين إلى ضباط، لتكون قيادة الجيش فى أيدٍ مصرية، وكان أحمد عرابى أحد هؤلاء الذين تمت ترقيتهم.. لكن كل هذا نُسى له بسبب مأساة الفلاحين والعمال فى حفر القناة.. ولا أريد أن أتوقف عند كل تاريخ القناة، التى كانت سببًا رئيسيًا لاندفاع بريطانيا إلى احتلال مصر؛ فقد كانت السيطرة على هذا الممر الملاحى هدفًا كبيرًا فى الاستراتيجية البريطانية فى المنطقة كلها.
حريق القاهرة فى يناير 1952 لم يكن بعيدًا عما يجرى حول القناة.. كان الفدائيون المصريون قد ذهبوا إلى منطقة القناة فى محاولة للتصدى لتمركز القوات البريطانية حولها، فردت بريطانيا بالعنف والدمار.
فى مفاوضات معاهدة سنة 1936، قالها بصلف أنتونى إيدن، وزير الخارجية البريطاني، إلى مصطفى النحاس، رئيس الوزراء: «يا باشا، ليست لديكم قوات ولا جيش يمكنه حماية القناة والدفاع عنها، لذا نحن مضطرون للبقاء بها»، وعاد النحاس ليفتح أبواب الكلية الحربية لأبناء المصريين، فدخل أولئك الذين قدر لهم استرداد القناة.
من المهم أن نتذكر مجددًا، وليت خبراء الاقتصاد يتذكرون ويستوعبون، أننا تعرضنا للعدوان الثلاثى سنة 1956 بسبب قرار تأميم القناة، الذى اتخذته مصر وأعلنه الرئيس جمال عبد الناصر فى خطابه الشهير يوم 26يوليو.. وللمفارقة، قبل سبعين عامًا بالضبط، دُكّت مدينة بورسعيد بالطائرات البريطانية، وجرت عملية احتلال سيناء، عقابًا لنا على استرداد القناة.
التاريخ طويل وملىء بالتضحيات العظمى
«محمد فايق»، وزير الإعلام فى الستينيات، أمد الله فى عمره، كان أحد الضباط فى بداية الخمسينيات من القرن الماضي. تنكر هو وبعض زملائه فى زى صياد كى يدخل إلى منطقة القناة وينقل إلى الفدائيين أسلحة وذخائر لمقاومة جنود الاحتلال، بلا تزيد وبلا مبالغة، يمكننا القول إن تاريخ مصر المعاصر يتمحور حول قناة السويس، منذ الشروع فى حفرها وحتى هذه اللحظة، وانشغال مصر بتأمين مدخل البحر الأحمر جنوبًا، فى جانب كبير منه، يستهدف تأمين القناة والملاحة بها.
وفى النهاية يأتى من يقترح التعامل مع القناة بمنطق الصفقة، أصل نتنازل عنه مقابل سداد دين محلي، وهكذا بكل بساطة، وفى العالم كله تتراجع الرأسمالية المتوحشة، التى تختزل الدنيا كلها فى «هبش» الصفقات، واليسار يتقدم فى الولايات المتحدة ذاتها، لكن لدينا من يصرون على التوحش.
نعم، الاقتصاد والصفقات تقوم على اعتبارات مالية، لكن إذا تجرد ذلك من الإحساس بالتوازن الاجتماعي، ينتهى الأمر إلى فقدان العدالة الاجتماعية وشيوع الفوضى والدمار.. وإذا تجرد من البعد الأخلاقى والقيمي، سوف نجد أنفسنا فى النهاية أمام طبعة جديدة من «إبستين»، أما إذا افتقد البعد الوطني، فإننا نعيد، فى صياغة جديدة، أشباح يوسف خنفس مع العرابيين.. دماء وأرواح أكثر من مائة وعشرين ألف فلاح وعامل مصرى لا يليق أن توضع فى صفقة أو شيك بعدة مليارات.
الديون لا تُستبدل بالأوطان
هكذا قالت مصر للدول الكبرى بعد أحداث السابع من أكتوبر، كانت الحكومة الإسرائيلية قد نجحت فى إقناع إدارة الرئيس جو بايدن بأن حل المشكلة فى غزة، وإحلال السلام للفلسطينيين، وتحقيق الأمن والأمان لإسرائيل، يكون بتهجير سكان غزة أو نقلهم إلى داخل سيناء.. ورفضت مصر بوضوح تام.. ثم تكرر الطلب بأنه إذا كان صعبًا نقلهم إلى سيناء، فليذهبوا بعيدًا عنها إلى مدينة العاشر من رمضان أو مدينة العبور أو أى مدينة أخرى.. وجاء الطلب مصحوبًا بعدة حوافز أو مكافآت لمصر، تتمثل فى إسقاط جانب كبير من ديونها الخارجية وضخ حوالى 35 مليار دولار فى الخزينة المصرية، ومع ذلك كان الرد هو الرفض الصريح والمباشر، بلا تلعثم ولا مواربة.
رفضنا ذلك بالنسبة للأشقاء، فهل يعقل أن نفكر فى نقل ملكية قناة السويس من أجل بعض الدين المحلى؟
لا أريد أن أسمى ما قدمه أحد من يسمون «خبيرًا اقتصاديًا» بنقل ملكية قناة السويس اقتراحًا، ولا أراه جنونًا، لكنه استخفاف وخفة شديدة تنطوى على جهل عميق.
الذين عاشوا حياتهم على صفقات «اشفط كل ما يمكن شفطه» يجب الحذر منهم، هؤلاء لا يكبرون أى قيمة، ولا يدركون معنى لأى شيء.. فدماء المصريين ليست للمبادلة فى مزاد، ومن سوء التقدير والأدب أن نضع دماء وكفاح وطن بأكمله فى صفقة مقايضة، بزعم تخفيف العبء على الحكومة، ومن حسن الحظ أن الحكومة أصدرت بيانًا سريعًا وقويًا ردت فيه على ذلك اللغط، وأكد البيان أن الحكومة لا تفكر على هذا النحو، وأن قناة السويس خارج منطق المقايضة أو نقل الملكية.. والغريب أن «الخبير» لم يعتذر، لكنه أثبت أن منطق الصفقات استحوذ عليه، فرد بالقول: «إذا كانت قناة السويس فيها حساسية، نبحث عن مشروع آخر»، أى إنه ما زال عند رأيه، ويكرره بطريقة أخري، وكان قد سبق له ترديد هذه الأقاويل.. يبدو أن بيننا من هم على استعداد لإهدار أى قيمة والاستخفاف بكل معنى.
منذ شهور سرقت موظفة بالمتحف المصرى فى التحرير أسورة أثرية نادرة، وباعتها إلى تاجر قام بتسييحها، أى أفناها تمامًا.. الموظفة زعمت أنها كانت تمر بأزمة مالية دفعتها إلى ذلك الفعل المشين.. ويذكرنى منطق الخبير الاقتصادى بهذه الموظفة، المسجونة حاليًا.. والفارق بينهما فى هالة الألقاب والوجاهة الاجتماعية، لكن كل قيمة عندهم قابلة للمقايضة والبيع.









