فى زمن التهم فيه النت والموبايل ومواقع التواصل الاجتماعى أوقات الناس وحياتهم، حتى صارت القراءة العميقة الموسعة والمدققة عادة قديمة من أزمان فائتة.. ندر الآن من يحرص عليها، بل حتى يتذكرها فى ظل شيطان القراءة السريعة واللقطات الخاطفة البراقة والمثيرة التى صارت تستحوذ على اهتمامات العامة والخاصة على السواء، وصارت تشكل وعاء المعرفة الذى يغترف منه الكثيرون إلى حد التخمة وربما الإدمان، ما أضر بمعارف وزلزل أركان وسائل إعلامية أخرى عديدة.
فى هذه الأجواء المعرفية «الطفيلية» الحديثة- إذا جاز التعبير- أبى زميلنا الكاتب الصحفى والمفكر الكبير الأستاذ مؤمن الهباء رئيس تحرير صحيفة «المساء» الأسبق، إلا أن يلقى فى نهر هذا الزمان طوقاً للنجاة لمن يريد أن ينأى بنفسه عن سفاسف المعرفة السريعة الهامشية، إلى العالم الرحب الفياض بالثقافة الحقيقية والمعرفة الواسعة، من خلال كتاب جديد بعنوان «قناديل المعرفة» خمسون كتاباً فى كتاب يعرض فيه تجربته الصحفية المحترمة منذ بدأ محرراً بالقسم الخارجى بجريدة «الجمهورية» عام 1979 وقد كان من حُسن حظه أن يكون أحد تلاميذ الأستاذ الكبير محسن محمد رئيس تحرير «الجمهورية» التى جاءها من مدرسة «أخبار اليوم» فى منتصف السبعينيات وأراد أن يصنع مدرسة صحفية جديدة مختلفة عن مدرستى «الأهرام» و»الأخبار».. وكان من أهم أبواب هذه المدرسة الكتب التى يتم عرضها بالعدد الأسبوعى كل يوم خميس، وكان يتناوب على عرضها مجموعة من الزملاء بالقسم الخارجي، كان أبرزهم الأستاذ مؤمن الهباء الذى واصل هذه المهمة بعد ذلك، وقد أحب هذا الفن الصحفى بعدما وجده قريباً من ميوله واهتماماته بالقراءة والكتب، ويلبى شغفه الدائم بكل جديد وعميق من الأفكار.. وعلى طول حياته المهنية قام بترجمة وتلخيص وعرض الكثير من الكتب التى قرأها ونشر عروضها فى الصحف والمجلات الصادرة عن مؤسسة «دار التحرير» وأخرى عربية، حيث كان ينشر هذه العروض أحياناً على صفحة كاملة أو مسلسلة فى حلقات.
>>>
كتاب «قناديل المعرفة» ضخم وحافل يقع فى 385 صفحة من القطع الكبيرة ويضم ملخصات لـ 50 كتاباً من بينها وأبرزها كتاب «فتح العرب لمصر» للمؤرخ الانجليزى ألفريد بتلر الذى يكتب التاريخ من وثائق الكنائس والأديرة، وقد أشار فيه إلى أن الفتح الإسلامى لمصر قد جاء تحريراً لإرادة هذا البلد وأبنائه من عبودية الاحتلال الروماني، مؤكداً أن مصر كانت فى اشتياق حقيقى لهذا النور الآتى من الشرق من بلاد العرب ليحررها من الاستعمار الرومانى الذى اضطهد الأقباط وهو الاسم الذى كان يطلق على شعب مصر آنذاك سياسياً ودينياً.
ولعله يتفق مع رؤية هذا المؤرخ الانجليزى كتاب آخر للكاتبة الإيطالية «ريتادى ميليو» الذى يعتبر واحدة من القراءات الموضوعية الجادة للإسلام عند غير المسلمين بعنوان «الإسلام ذلك المجهول فى الغرب» ويعتبره الأستاذ مؤمن الهباء يمثل رداً غير مباشر على حملة كراهية الإسلام والخوف المرضى غير المبرر من الإسلام فى إيطاليا الذى يطلق عليه «إسلاموفوبيا».
>>>
ومن الكتب الخمسين المهمة التى أبرزها الكتاب الشامل الجامع الذكى يستحق القراءة كتاب «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» للفيلسوف والسياسى والكاتب الفرنسى روجيه جارودي، الذى ينسف أكاذيب الوعد الإلهى والهولوكست وأفران الغاز.
وقد كشف فيه جارودى أن الهيمنة الهتلرية لم تكن حكراً على اليهود وحدهم، بل كانت كارثة بشرية لا مثيل لها، وهذه الأسطورة كانت كافية لإرضاء الجميع، فالحديث عن أكبر عملية إبادة جماعية فى التاريخ كان بالنسبة للاستعماريين الغربيين إسدالاً للستار عن جرائمهم فى قتل اليهود فى أمريكا.
>>>
يحار المرء أمام تلك الكتب المهمة الكثيرة التى جمعها الكاتب الصحفى الموسوعى مؤمن الهباء فى كتاب، ولا يصلح للتعرف عليها سوى مطالعة كتاب «قناديل المعرفة»، الذى يفتح المجال أمام القارئ للتزود بثقافة عميقة بكتب مثل «صدام الحضارات» للمفكر والباحث الأمريكى صامويل هنتجتون أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأمريكية، الذى يعد أشهر كتاب سياسى فى العالم، أو كتاب «أفول الغرب» للمفكر المغربى حسن أوريد الذى لا يكتفى برصد الأزمة التى يعيشها الغرب حالياً، وإنما يدعو لإقامة مشروع حضارى عربى مستقل.









