لا شك أن التقنيات الحديثة يسرت الكثير من المهام الشخصية وقدمت للبشرية خدمات جليلة فى كل مجالات الحياة والعمل، وفى مقدمتها الطب والتعليم والمعاملات المصرفية والمصالح الحكومية ووفرت الجهد والوقت، ومن ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعى التى تحاكى قدرات الإنسان وتقوم بأعمال صعبة وتساعد حتى فى التفكير والحلول لمشكلات كبيرة، ولا يقف العلماء عند حد لإمكانيات التكنولوجيا التى تضيف المزيد من الخدمات للإنسانية، ويطمحون فى الوصول إلى درجة المساواة فى التفكير بين العقل البشرى والإلكتروني، رغم المخاوف الكثيرة التى تحيط بهذه التقنيات، لما تمثله من أخطار فى بعض الأحيان، بتتجاوز حدود الأخلاق المجتمعية.
وفى الحقيقة ورغم إيجابيات التكنولوجيا، نجد الكثير من السلبيات أيضا، ومنها تزييف الحقائق بشكل يضاهى الواقع حتى أصبح من الصعب على غير المتخصصين التمييز بين الحقيقى والمزور، ومن ذلك ما تم نشره مؤخرا فى الفيديو المضلل المزيف المنسوب لصاحب الفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وكأنه يروج فيه لمنتج طبى وأنه يمارس الطب منذ عشرين سنة، ويضمن هذا الدواء وأنه مسئول عنه ومستعد لترك مهنة الطب فورا إذا لم يأت هذا الدواء بنتائج إيجابية سريعة.. وقد تم استخدام مشهد قديم لشيخ الأزهر، ونشرته صفحة مضللة، ورغم أنها استخدمت الذكاء الاصطناعى فى فبركة هذا الفيديو، إلا أن هذا التصرف الأحمق كشف عن جهل القائمين عليه، ونواياهم الخبيثة وعقولهم المريضة وأنهم مغفلون، ولا يعرفون الكوع من البوع، لأنه لا أحد يجهل تخصص صاحب الفضيلة الإمام الأكبر، والجميع يعلمون أنه لا علاقة له بالطب، وفوق ذلك هو أرفع قدرا من أن يروج لأى منتج مهما كان، ولن يكون له نشاط إعلانى ولو بملايين الملايين، لأن مكانته أكبر من هذه الترهات، كما يكشف الفيديو عن غباء من اصطنعوه، لأن لغته ركيكة وفجة ولا تتناسب مع لغة الدكتور الطيب الرصينة وهو المتمكن من عباراته وأقواله، وأسلوبه وقدراته اللغوية الفائقة، وكل من قرأ لفضيلته كتابا أو خطبة أو كلمة فى مناسبة أو سمع له حديثا يعرف ذلك بلا أدنى شك، وقد أضطر فيس بوك بعد ذلك لحذف الفيديو المفبرك.
وكان الأزهر الشريف قد حذر من تداول ذاك الفيديو الذى تم جرى تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن المقطع مزيف بالكامل وتم إنتاجه بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا يمت للحقيقة بصلة، وصُنع بهدف خداع المشاهدين واستغلال اسم ومكانة الإمام الأكبر فى أغراض غير مشروعة، واستغل القائمون على هذه المقاطع التقنيات الحديثة لإنتاج محتوى زائف.
ولم تكن هذه المرة الأولى التى ينسب فيها فيديو مفبرك لشيخ الأزهر، فقد تم من قبل نشر مقطع أثار جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، تم تعديله بصوت مدبلج ليبدو وكأنه صحيح.
وأصبح ما يتم اصطناعه بالذكاء الاصطناعى يثير القلق والمخاوف الشديدة، لأنه يمثل خطرا داهما، فقد رأينا حوارات وتصريحات لأشخاص بأصواتهم وصورهم، لا علاقة لهم بها، ولا يتوقف ذلك على عامة الناس بل يشمل سياسيين ورياضيين وشخصيات مسئولة فى العالم، مما يمكن أن يخلق أزمات كبيرة.
وقد تخطى الأمر الأحياء الذين هم على قيد الحياة، إلى شخصيات رحلت عن دنيانا، وشاهدناهم بالصوت والصورة، يتحدثون عن اتخاذ قرارات أو القيام بتصرفات أو الإدلاء بتصريحات تخص وقائع وأحداثا لم يحضروها وتمت بعد وفاتهم، وإن كان بعض تلك الفيديوهات، يشير إلى أن المتحدث يقر بأنها ليست صحيحة وإن كانت بصوته وبصورة متحركة له.
على أى حال نحن أمام عصر جديد من التكنولوجيا، يحتاج إلى المزيد من الوعى الكبير، والتدقيق فى كل شيء وعدم الانسياق وراء كل ما نشاهده، والمهم لا نتدخل فيما لا يعنينا حتى لا نجد ونواجه ما لا يرضينا، كما يجب أن نحذر من تلك التشويهات على النشء والأطفال حتى لا يعتمدوا على معلومات مغلوطة تشوش أفكارهم، حتى لا يتحول التقدم والتقنية إلى الغباء الاصطناعي.









