ثلاث مرات خلال 50 يومًا يتحدث فيها الرئيس عبدالفتاح السيسى عن الفساد وهو ما يعنى الكثير والكثير من الدلالات والرسائل المهمة، لكن قبل تناول هذه الدلالات فإن حديث الرئيس الأول عن الفساد بدأ فى كلمته خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية فى شهر يوليو الماضي، ووجه الحكومة باتخاذ إجراءات أكثر حسمًا فى مواجهة الفساد، وفى نفس الشهر خلال كلمته بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو أكد الرئيس أن الدولة تحارب الفساد بكل أشكاله وصوره، وفى الاحتفال بالمولد النبوى الشريف الأربعاء الماضى قال الرئيس «وفى البند السابع من توجيهاته أشدد على كل مسئول فى موقعه بإنفاذ سيادة القانون بمنتهى الحسم.. فلا موضع بيننا لفاسد ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب أو يعبث بمقدرات هذا الوطن العظيم» إذن هناك إدراك واهتمام رئاسى بقطع دابر الفساد وهو آفة خطيرة تفسد كل نجاح، وتعرقل أى تقدم، وتزيد من الأوجاع والآلام فى غياهب الأزمة التى فرضت علينا جراء تداعيات الاضطرابات والصراعات الإقليمية والدولية وتزيد من الطين بله وتعمق الفجوة والمعاناة وتصيب المواطن بالإحباط خاصة أنها تخلق مناخًا خانقاً وأجواء غير صحية، ويغتال العدالة والمساواة التى تعمل الدولة على ترسيخها لكن السؤال المهم، ماذا عن دلالات ورسائل حديث الرئيس المتكرر عن الفساد والتوجيه والتأكيد على محاربته، وقطع رقاب الفاسدين وتقديمهم للعدالة؟
الرئيس السيسى كعادته يتابع كل شيء بل كل صغيرة وكبيرة وقلت من قبل أنه يكره الكذب والفساد، والتدنى الأخلاقي، ومنذ أن تولى المسئولية وهو يعمل على تطهير البلاد من الفاسدين، والحفاظ على المال العام، ومقدرات الوطن والمواطن ومع سقوط أى فاسد، يطمئن الرئيس على مال الشعب أولاً، وهل عاد إلى خزائن الدولة، ويعمل ليل نهار على ترسيخ الحوكمة والتقليل من تدخل العنصر البشرى والتشديد على الشفافية والعدالة والضرب بيد من حديد على أيدى الفاسدين لذلك فإن حديثه المتكرر استشعار بوجود ممارسات وأجواء تخالف الشفافية، وتشير إلى وجود فساد يتحرك فى جنبات البلاد، بأساليب وطرق مختلفة، لها تداعيات وتأثيرات سلبية لكن ورغم ذلك تحت المراقبة والسيطرة.
الأمر الثانى أن حديث الرئيس المتكرر عن الفساد يشير إلى ضربات قاصمة قادمة وإجراءات حاسمة ومراجعات للكثير من الملفات، فى ظل غرائب وعجائب تحدث فى المجتمع، شخصيات كانت تسأل الناس إلحافا، وعلى رأى أحد الأصدقاء بعضهم كان يصعب عليك تعطيه خمسة جنيهات وسندوتش وكوب شاي، أصبح الآن يلعب بمئات الملايين، يشترى قصورًا وفيلات، ويقتنى أفخر وأحدث السيارات.. لك أن تتخيل أن أحدهم عندما يقرر الانصراف من عمله، يسأل زميله من جنيهات قليلة حتى يتمكن من دفع أجرة المواصلات، الآن سيارات فارهة «فور باى فور»، وبوديى جاردات طبعًا الأرزاق بالله لكننا نتحدث عن الرزق الحلال والمنطق فى هذا الثراء المفاجئ، ولا توجد أسباب أو شواهد أو ميراث، أو تجارة أو أنه ابن أثرياء، صديق يعمل فى التسويق العقارى روى لى قصة غريبة، قال لى تعرف فلان قلت لا أتذكره، قال كان دائمًا يبدو بثياب رثه، ودائم «السلف»، ويعيش حالة من الضنك ويطلب المساعدة، اتصل بى عندما عرف أننى أعمل فى التسويق العقارى طلب شقة فى منطقة جديدة ساحلية، وبدأ بـ 30 مليون جنيه لكن حجم الشراء تجاوز الـ 80 مليون جنيه والسؤال المهم من أين لكم هذا؟ والموظف البسيط الذى كان يسكن فى شقة غرفتين وصالة ويسأل حق النشوء يسكن فى قصر أو فيلا ولديه أسطول سيارات، وبطبيعة الحال حسابات وأموال طائلة، وهو ابن فقراء أبًا عن جد وليس له نشاط تجارى أو استثمارى سوى الوظيفة وأيًا كان راتب الوظيفة الحكومية هل يستطيع من خلالها الوصول إلى هذا الثراء الفاحش إذا كان شريفًا بطبيعة الحال لا.. أيضًا يتحدثون عن شخصيات لا تستطيع استكمال الشهر، ودائمة الشكوى والعوذ، لكن الجميع يفاجأون أن هؤلاء اشتروا فى الساحل بعشرات الملايين، وعندما تستطلع الأمر تجدهم يسكنون فى قصور، ويملكون أسطول سيارات.. أعيد وأكرر من أين لهم هذا؟ هل المخدرات؟ هل السمسرة والعمولات وتحت الترابيزة؟ هل الآثار وغسيل الأموال؟ هل التهريب؟ هل هم واجهات لموظفين فاسدين يطبقون مبدأ شيلنى وأشيلك.. الخطر الحقيقى فى الموظف أو المسئول أيًا كان موقعه من أين لهم كل هذه الأموال والثروات، بطبيعة الحال هناك حجم عمل وبناء فى الدولة غير مسبوق على مدار تاريخها ومن الصعب ضمان الشفافية الكاملة، لكن الحقيقة الراسخة أن الدولة لم ولن تتهاون أمام أى واقعة فساد وبتعليمات واضحة وحاسمة من القيادة السياسية أيًا كان موقع هذا المسؤل، فالمال العام ومقدرات الشعب خط أحمر.
الفساد ليس فقط الحصول بغير حق على المال العام، أو ممارسات غير مشروعة تخالف القانون والشفافية ولكن هناك طرقاً ملتوية مثل تمكين من لا يستحق من صفقات أو خدمات أو حقوق، وتضييعها على أصحاب الحقوق أو التلاعب فى مقدرات وحقوق البسطاء والأكثر احتياجًا أو السمسرة والعمولات، أو منح الفاسدين التصريح بالتجاوز سواء فى الأسـعار أو المواصفات أو التوقيتات، يا مؤمن حتى مواقف السيارات هناك اتاوات، حتى بعض موظفى الأحياء يفرضون على المحلات التجارية اتاوات ومرتبات شهرية تصل فى شارع لا يزيد طوله عن ألف متر إلى 50 ألف جنيه شهريًا، وهناك موظفون يستحقون أشد العقاب، فلا يمكن لمواطن أن يحصل على الخدمة التى وفرتها الدولة دون أن يدفع المقابل أو الاكرامية وإذا طالبت المواطن بعدم الدفع يخبرك «عاوز اخلص»، إضافة إلى بعض الناس للأسف يوهمون الآخرين بقضاء مصالحهم بمقابل أو تسهيل الحصول على خدمات بمقابل.. مفيش حد عاوز يشتغل بما يرضى الله ودون أن يرتشى أو يحصل على ما ليس حقه.
من أسباب الفشل أيضًا الاختيار للفاشلين والفاسدين ومن ليس لهم علاقة بالأمر لا من قريب أو بعيد ربما لضمان التستر على ملفات الفساد، أو سهولة استدراجه للمستنقع، أيضًا وكما قال الرئيس المجاملة فى الاختيار فساد، للأسف الشديد المجتمع فى فترات الأزمات والضغوط يشهد حالة تحول حادة، وفى غياب دور مؤسسات التربية، باتت المثالية، والحلال، والضمير والشرف مرادفات لا يعرفها الكثيرون، وباتت الفهلوة ذكاء، والانحراف شطارة، والرشوة شغل مخك، لكن الرئيس لن يسكت.. وانتظروا القادم.









