دائماً ما تصنع مواقف الأشخاص مكانتهم فى قلوبنا، فقد يتقلد البعض مراكز مرموقة، لكن لا تشفع لهم لدينا أو حتى لدى من يظهرون لهم محبة بحكم ما يتقلدونه من مناصب سرعان ما تتلاشى مع ترك المنصب على عكس أشخاص تظل مواقفهم تستحضرهم فى كل وقت مهما طال الزمن بجميل صنعهم وطيب أعمالهم فهم حاضرون بذكراهم حتى إن غابوا بأجسادهم عن الحياة لكن تظل سيرتهم حاضرة .
فى لقاء جمعنى بالدكتور محمد سامى عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة أثناء تكريمه لأوائل الثانوية العامة وحرصه على إعطائهم خبراته فى الحياة استوقفنى قوله وهو يتحدث عن جامعة القاهرة العريقة وكيف أن الدراسة بها مختلفة عن أى جامعة بفضل المناهج والأساتذة عندما ذكر أن الجميع لن يكون على النحو المطلوب وقد نعانى من التعامل معهم فى نفس الوقت الذى سيكون الآخرون بمعاملتهم الطيبة عوضاً لهم .
ما عرضه رئيس الجامعة هو منهجية فى التعامل مع الآخر فليس معنى أن تجد السيئ ألا تحمد الله على ما هو طيب وتتناسى المواقف الطيبة وتركز على الأشخاص الذين أزعجوك فى الحياة فقط ولكن الأهم أن تتخذ من الأشخاص الذين ساعدوك فى الحياة وأحسنوا إليك أو كانوا نموذجاً فى التعامل الطيب قدوة لك ودافع للإحسان للآخر والتعامل الطيب معهم فهذا ما سيجعلك حاضراً بالخير فى كل موقف مشابه .
وفى واحدة من الزيارات التى نظمتها جريدة الجمهورية لأوائل الثانوية كان اللقاء مع الدكتور أشرف منصور رئيس الجامعة الألمانية وكتقليد متبع يحضر أوائل السنوات السابقة والذين التحقوا بالجامعة ليحكوا عن تجربتهم داخلها ..وفى هذه المرة وقف أحدهم عاجزاً عن استحضار الكلام الذى كان يحضره لهذه المناسبة ليصمت للحظات كانت قاتلة بالنسبة له قبل أن ينظر فى الورقة ويسترجع ذاكرته ويعاود الحديث دون أن يفارقه التوتر الذى سببه الموقف .
وبسرعة بديهة كان النموذج والقدوة لأستاذ الجامعة حاضراً من خلال الدكتور أشرف منصور الذى قرر تدارك الموقف ودعى جميع المتحدثين من أوائل السنوات الماضية للحضور مقدماً لهم الشكر على كلماتهم حتى الطالب الذى أصابه الارتباك شكره بحفاوة وعندما اعتذر الأخير عن الموقف حكى له عن موقفين لاثنين من كبار أساتذة التدريس فى مؤتمر علمى وأصابهما أكثر مما أصابه من توتر ثم احتضنه مقدماً له الشكر لأنه كان على قدر المسئولية .
فى حقيقة الأمر كان الدكتور أشرف منصور هو الذى على قدر المسئولية بتصرفه هذا الذى خلص تلميذه من خجل الموقف ليتحول الأمر من طاقة سلبية لطاقة إيجابية ستكون دافعاً له للاستفادة مما حدث والعمل على نفسه ليكون أفضل فى المرة القادمة احتراماً للثقة التى وضعها فيه أستاذه فى الوقت الذى أعطى درساً لكل الحضور فى التعامل مع إخفاق الآخر .
هكذا يكون الأستاذ القدوة قادراً على تحويل أى موقف سلبى فى حياة تلاميذه لدافع للاجتهاد وتقديم الأفضل بدلاً من إحباطهم وإطفاء أى علامات مضيئة بداخلهم وتبديد طاقاتهم لتتلاشى قدراتهم فى الحياة .
الأشخاص لا تصنعهم المناصب بقدر المواقف فكونوا حريصين على أن تكون مواقفكم كفيلة بأن يذكركم الآخر بالخير ولا تتعامل مع إخفاق غيرك بنوع من الإهانة فكم من شخص فقد الشغف فى الحياة لأنه لم يجد من يحنو عليه فكونوا رحماء أصحاب قلوب هينة وابتعدوا عن القسوة حتى لا تقتلوا غيركم وهم على قيد الحياة .









