أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى فى أحيان كثيرة ساحة مفتوحة للغضب والفضول والتشهير ونقل الشائعات والبحث عن أسرار الآخرين، حتى تحولت إلى وسيلة لإشعال الخلافات داخل المجتمع.
لعل أخطر ما حدث، أننا أطلقنا عليها وصف «وسائل الإعلام الاجتماعي»، وكأنها امتداد طبيعى للصحافة والإعلام المهني، وهذا خطأ فى المفهوم.. فهذه المنصات لم تُنشأ باعتبارها مؤسسات إعلامية، ولم تضع لنفسها قواعد العمل الصحفى من تحقق وتدقيق ومسئولية مهنية، ومن أطلقها وطوّرها ويمتلك مفاتيح تشغيلها وإدارتها سماها «تواصلاً اجتماعياً»، وليس إعلاماً اجتماعياً.
لكن الواقع يفرض سؤالاً: هل مازالت تؤدى وظيفتها الأصلية فى التواصل، أم تحولت إلى وسائل للغضب الاجتماعى؟
المشكلة ليست فى التكنولوجيا، وإنما فى طريقة استخدامها.. فبدلاً من أن تكون السوشيال ميديا نافذة للمعرفة وتبادل الخبرات، تحولت لدى البعض إلى كاميرا مفتوحة على حياة الآخرين، وإلى وسيلة للبحث عن الخصوصيات، وتصوير الناس فى مواقف عابرة، والتدخل فى العلاقات الأسرية، ونشر صور قد تسيء إلى أصحابها وإلى المجتمع.
الأخطر من الصورة، الكلمة.. فكلمة واحدة قد تهدم علاقة أو تشوه سمعة أو تشعل خلافاً.. ومنشور غير مسئول قد ينتشر فى دقائق، بينما يحتاج تصحيحه وقتاً طويلاً، وربما لا يصل التصحيح أصلاً إلى نصف من شاهدوا المعلومة الأولي.
هنا تظهر خطورة المعلومات المضللة والشائعات.. فالبعض لا يسأل: هل هذا الخبر صحيح؟، وإنما يسأل: هل هو مثير؟.. وكلما كان المحتوى أكثر صدمة وغضباً وصداماً، زادت فرص انتشاره.
هكذا أصبح النقد فى أحيان كثيرة وسيلة لزرع الكراهية واليأس بدلاً من أن يكون طريقاً للإصلاح.. فليس كل نقد شجاعة، وليس كل هجوم جرأة، وليس كل صوت مرتفع دليلاً على امتلاك الحقيقة.. النقد الحقيقى يضع يده على المشكلة ويقترح طريقاً للخروج منها.
اللافت، أننا نرى اهتماماً هائلاً بأخطاء الناس وحياتهم الخاصة، بينما لا نجد الاهتمام نفسه بمبادرات بناء الإنسان، وتعليم الرقمنة، ونشر ثقافة الذكاء الاصطناعي، وتشجيع العلم والبحث، ودعم أصحاب الخبرة والوعي.. هناك من يعملون بالفعل من أجل المستقبل، لكنهم لا يحصلون دائماً على المساحة نفسها التى يحصل عليها من يقف أمام كاميرا هاتفه ليصرخ أو يسخر أو يفضح الآخرين.
ومن سلبيات السوشيال ميديا أيضاً، المقارنة المستمرة بحياة الآخرين، والسعى وراء «التريند» بأى ثمن، وتحويل الحياة الخاصة إلى عرض يومى مفتوح للجميع.. حتى إن البعض أصبح يعيش اللحظة من أجل تصويرها، لا من أجل الاستمتاع بها.
نحن لا نحتاج إلغاء السوشيال ميديا، وإنما إلى إعادة تعريف علاقتنا بها.. فالحرية لا تعنى نشر كل ما نعرف، وامتلاك هاتف بكاميرا لا يعنى امتلاك الحق فى تصوير الآخرين، وحرية التعبير لا تعنى حرية التشهير، والاختلاف لا يبرر الكراهية.
السوشيال ميديا يمكن أن تكون منصة للمعرفة والتعلم ودعم المبادرات واكتشاف المواهب، لكنها يمكن أيضاً أن تصبح ساحة للفوضى إذا غابت المسئولية.









