من المنظور الإستراتيجى الصينى.. تكتسب مصر أهمية خاصة لما تمثله
من ثقل سياسى وإقليمى وموقع جغرافى إستراتيجى يربط بين قارات ثلاث
بقلم :عزت سعد
تتوافق زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج.. لمصر مع ذكرى مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين «30 مايو 1956»، حيث كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية. وكان ذلك بمثابة تحول جيوسياسي تاريخى، جسد الإرادة السياسية والشعبية المستقلة للبلدين، وتوافقاً عميقاً في الرؤى حول قضايا التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار والإمبريالية. وعلى مدى هذه العقود، انتقلت العلاقات من مرحلة «التعاون والتضامن السياسي» فى دعم حركات التحرر الوطني حول العالم، إلى «شراكة إستراتيجية شاملة» عام 2014.
ومن حسن الطالع أن زيارة الرئيس شي توافق مرور «10» سنوات على زيارته التاريخية الأولى لمصر، ضمن جولة شرق أوسطية شملت المملكة العربية السعودية وإيران، وهي الزيارة التي القى خلالها خطابه الشهير في مقر جامعة الدول العربية في يناير 2016، والذي طرح فيه «سياسة الصين العربية» المعمول بها حتى الأن. وتمثل هذه الورقة أهمية خاصة في سياق مراحل تطور العلاقات الصينية – العربية بصفة عامة، ومع مصر بصفة خاصة. فقد صيغت الورقة على نحو شامل يغطي كافة مجالات التعاون المشترك وأسس هذا التعاون وأهدافه. مؤكدة بقوة على مفهوم «الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام في الشرق الأوسط»، ودعم قيام الدول العربية وسائر دول المنطقة ببناء آلية للأمن الإقليمي تقوم على التعاون الجماعي والتشارك.
وكانت تلك الجولة للرئيس شي بمثابة مؤشر على أن المنطقة العربية بصفة عامة، ومصر على وجه الخصوص، اكتسبت بعداً استراتيجياً مهماً في السياسة الخارجية الصينية في إطار استراتيجية الرئيس شي «التوجه غرباً».
لقد تمكنت الصين، بقيادة الرئيس شي، وفي سياق فكره القائم على تحقيق الاتساق بين الأهداف الداخلية والخارجية للدولة وتوظيف السياسة الخارجية لخدمة مشروع النهضة الوطنية، من تطوير هذه السياسة مع الحفاظ على استمراريتها ومرونتها، استناداً الى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجمع بين الحفاظ على المصالح الوطنية والانفتاح والتعاون الدولي. وقد انعكس ذلك بصورة واضحة في العلاقات الصينية – المصرية. فقد اعتمدت الصين على أدوات اقتصادية وتنموية ودبلوماسية لتعزيز شراكاتها مع مصر. وبدت هذه العلاقات كأحد النماذج التطبيقية التي تجسد تحولات السياسة الخارجية الصينية في عهد شي، حيث اكتسبت مصر مكانة متقدمة في التصور الاستراتيجي الصيني بفضل موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي والإقليمي، ودورها في دعم مشروعات الربط الاقتصادي والتجاري، وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق.
في المقابل، عبر الرئيس عبد الفتاح السيسى مراراً عن اعجابه بالتجربة الصينية في التنمية الشاملة والمستدامة. ومن ثم، انتقلت العلاقات بين البلدين الى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» عام 2014، كما سبقت الإشارة. وقد عبر الرئيس عن ذلك بوضوح في خطاب تهنئة وجهه للرئيس شي بوصفه أمين عام الحزب الشيوعي الصينى فى الذكرى المئوية للحزب عام 2021، مبرزاً الدور الكبير الذي لعبه الحزب في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، لا سيما ما يتعلق منها بالقضاء على الفقر المدقع ورفع مستوى المعيشة، وقيادة الصين لتصبح القوة التجارية الأولى وثاني أكبر قوة اقتصادية عالمياً.
وتتابع مصر باهتمام كبير التحولات الجارية في الاقتصاد الصيني في سياق علاقاتها ببكين للاستفادة منها، خاصة الاقتصاد القائم على الابتكار والتقدم التكنولوجي والتقنيات الرائدة، فيما يسمى بـ «التنمية عالية الجودة» والتي تشكل محور الخطة الخمسية الخامسة عشر للصين، والتي تغطي الفترة 2026 – 2030.
والحقيقة أن العلاقة الخاصة بين القيادة السياسية في البلدين تمثل العامل الحاسم في التحولات الاستراتيجية الكبرى التي جرت في العلاقات الثنائية، حيث ساهمت في تطوير رؤية متكاملة للسياسة الخارجية للبلدين تجمع الابعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية، ومؤخراً العسكرية، بما في ذلك مناورات وتدريبات بحرية وجوية مشتركة، تجري نسختها الثانية منذ منتصف أغسطس الجاري وحتى أوائل سبتمبر القادم، تحت شعار «نسور الحضارة 2026». ووفقاً للجانب الصيني، تعزز هذه التدريبات المشتركة الثقة المتبادلة والصداقة التاريخية، كما تعمق التعاون الجوهري بين الجيشين الصيني والمصري وتسهم في تحقيق السلام والاستقرار الإقليميين.
وأود التنويه إلى أن زيارة الضيف الصيني الكبير لمصر، توافق أيضاً ذكرى مرور «13» عاماً على مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس شي عام 2013، وهي مبادرة تمثل أهمية استراتيجية خاصة في سياق العلاقات المصرية – الصينية. فمصر – التي انضمت إلى المبادرة في عام إطلاقها – جزء من طريق الحرير البحري من خلال البحر الأحمر وقناة السويس. وتحظى المنطقة الاقتصادية للقناة بمكانة مركزية اليوم على صعيد الاستثمارات الصينية في مصر، حيث يتجاوز عدد الشركات الصينية العاملة هناك نحو 300 شركة باستثمارات تفوق 4 مليارات دولار، وفقاً لأخر التقديرات، بجانب مبادلات تجارية بلغت نحو 20 مليار دولار خلال العام 2025، لتصبح الصين بذلك الشريك التجاري الأكبر لمصر. ولا شك في أن التوجه المصري – الصيني في هذا المجال هو تنمية هذه المنطقة لتصبح مركزاً لوجيستياً يخدم طريق الحرير البحري وتوطين عدد من الصناعات، خاصة تلك المتعلقة بالطاقة الجديدة والمتجددة والاستفادة في ذلك من الموقع الاستراتيجي للمنطقة ولمصر بصفة عامة.
وتتسق محاور مبادرة الحزام والطريق مع العديد من أولويات التنمية والخطط القومية المصرية وفقاً لخطة مصر للتنمية المستدامة 2030، وخلال مشاركته في الدورة الثالثة لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي، أكتوبر 2023، أشار السيد رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي الى أن الرؤية المصرية الصينية المشتركة أسهمت في الدفع بتنفيذ مشروعات كبرى في مجالات البنية التحتية كان أهمها تنفيذ مشروع انشاء القطار الكهربائي للعاشر من رمضان في إطار خطة شاملة لربط المناطق والاقاليم المصرية ببعضها البعض، وكذا ربطها بالمسارات التجارية الدولية لتسهيل حركة النقل والتجارة، مضيفاً أنه يشهد على ذلك ما تم إنجازه من مشروعات لتطوير الطرق والموانئ البحرية والجوية والممرات الملاحية، بما في ذلك تدشين مشروع قناة السويس الجديدة، بالإضافة الى مشروعات توليد الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة، وإنتاج الهيدروجين الأخضر، وكذلك مشروعات الربط الكهربائي بين مصر وغيرها من الدول المجاورة، ونقل وتخزين وتداول الطاقة، وغير ذلك من المشروعات الكبرى التي تنفذها الصين في مصر، مثل مشروع أبراج العلمين الجديدة.
ومن المنظور الاستراتيجي الصيني، تكتسب مصر أهمية خاصة في سياق علاقات الصين الإقليمية والدولية انطلاقاً من ادراكها لما تمثله من ثقل سياسي وإقليمي وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين قارات ثلاث، فضلاً عن دورها المحوري في محيطها العربي والافريقي، وهو ما جعلها شريكاً رئيسياً في توجهات القيادة الصينية نحو تعزيز الترابط الاقتصادي، وتأمين مسارات التجارة الدولية، وتوسيع دوائر التعاون مع دول الجنوب العالمي. ومن المهم التأكيد، في هذا السياق، على أن الصين كانت الداعم الرئيسي لانضمام مصر لمجموعة «بريكس+» اعتباراً من يناير 2024. وقبل ذلك، وبمبادرة من القيادة الصينية، دُعي الرئيس عبد الفتاح السيسى للمشاركة في قمة «شيامين» عام 2017، حيث انخرطت مصر في تعاون متعدد الابعاد مع المجموعة منذ ذلك الحين، مما مهّد لانضمامها اليها رسمياً لاحقاً. بل أن الصين دعمت انضمام مصر الى «بنك التنمية الجديد»، الذراع المالي لتجمع بريكس عام 2023، قبل عام من انضمامها الى التجمع.
وفضلاً عن ذلك، وبدعم من الصين، تتمتع مصر بوضعية «شريك حوار» في منظمة شنغهاي للتعاون التي يشارك الرئيس شي في قمتها الخامسة والعشرين في قيرغيزستان قبل زيارته للقاهرة مباشرة – علماً بأن مصر هي الدولة الوحيدة من خارج قارة آسيا التي تحظى بهذه الوضعية.
ومن الطبيعي أن تحظى علاقات التعاون الثنائي المتعدد الأوجه بين البلدين بالاهتمام الأكبر خلال الزيارة، بما في ذلك البرنامج التنفيذي لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة للعامين 2027 / 2028، وبالنظر الى مكانة ودور كل من البلدين في الشئون الإقليمية والدولية، من المتوقع أن تشمل مباحثاتهما قضايا متنوعة، في مقدمتها الأوضاع المضطربة في الشرق الأوسط، خاصة منطقة الخليج وانعكاساتها على أمن الطاقة العالمي وأمن الممرات البحرية. هذا بجانب الملفات الأخرى في المنطقة، في سياق الاهتمام السياسي الذي ابدته الصين بالمنطقة في السنوات الأخيرة، والذي بدا واضحاً في أدوار الوساطة في بعض النزاعات أو الاهتمام بالقضية الفلسطينية والمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية وايفاد العديد من المبعوثين الخاصين لقضايا المنطقة وصراعاتها.
وختاماً إن التطورات الإيجابية والقفزات الكبرى التي شهدتها العلاقات المصرية – الصينية، بما فيها الزيارة المرتقبة للرئيس شي والتي تشكل مرحلة مهمة للغاية لدفع هذه العلاقات، انما تعكس عمق الثقة المتبادلة والإرادة السياسة القوية وتوافق الرؤى الاستراتيجية لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، على أساس المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة في إطار عام يقوم على تعددية الأطراف، ومركزية دور الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين والتسوية السلمية للمنازعات الدولية، وعدم التدخل في الشأن الداخلي والأمن المشترك ونسبية القيم والسلام التنموي والانسجام الحضاري. وأثق أن كل هذه المبادئ تحظى بدعم واسع من قبل دول الجنوب العالمي.









