نفتح نوافذ جديدة للمسرح المصرى .. والجمهور شريك أساسى فى التجربة
فى كل دورة من دورات مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى يعود السؤال نفسه: ماذا يعنى التجريب اليوم؟ وهل ما زال المهرجان قادرًا على تقديم الجديد بعد أكثر من ثلاثة عقود على انطلاقه؟
الدكتور سامح مهران ، رئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، يدخل الدورة الثالثة والثلاثين محمّلًا بالكثير من الأسئلة والتحديات، فى مقدمتها الحفاظ على مكانة المهرجان، وتوسيع حضوره الدولى، ومنح المسرحيين المصريين والعرب فرصة للاطلاع على أحدث التجارب العالمية.
الدورة الجديدة التى تبدأ اليوم فعالياتها بالأوبرا و تستمر حتى 8 سبتمبر 2026، وتشهد المسابقة الرسمية مشاركة 16 عرضا مسرحيا بواقع 14 عرضًا عربيًا واجنبيًا من 14 دولة، وعرضين مصريين إلى جانب ورش تدريبية وبرنامج فكرى وفعاليات متعددة.
فى هذا الحوار، يفتح الدكتور سامح مهران قلبه للحديث عن التجريبى، وأزماته وطموحاته، ورؤيته للمهرجان الذى أصبح مؤسسة قادرة على الاستمرار بعيدًا عن الأشخاص.
< فى البداية.. سألناه ماذا تريد من الدورة الـ33 لمهرجان المسرح التجريبى؟
أريد أن تكون الدورة الجديدة امتدادًا حقيقيًا لفكرة المهرجان، وليس مجرد دورة جديدة تحمل الرقم 33 نحن أمام مهرجان له تاريخ طويل، وبالتالى فإن المسؤولية لا تتعلق فقط بتنظيم عروض أو ندوات، وإنما بالحفاظ على مشروع ثقافى وفنى له تأثيره فى المسرح المصرى والعربى والدولي.
نحن نريد أن نقدم للجمهور المصرى تجارب مسرحية مختلفة، وأن نفتح أمام المسرحيين المصريين نوافذ جديدة للاطلاع على ما يحدث فى العالم.
< البعض يسأل .. هل ما زال هناك شيء اسمه «تجريب» بعد كل هذه السنوات؟
طبعًا. التجريب ليس شكلًا ثابتًا حتى نقول إنه انتهي، التجريب فى جوهره هو البحث المستمر عن طرق جديدة للتعبير المسرحي.
كلما تغير الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا، ظهرت أسئلة جديدة أمام المسرح. وبالتالى فإن التجريب لا يموت، لأنه مرتبط بطبيعة الفن نفسه.
المشكلة أننا أحيانًا نتعامل مع التجريب باعتباره مجرد استخدام لتقنيات جديدة أو شكل غريب على الخشبة، وهذا غير صحيح. التجريب الحقيقى يبدأ من الفكرة، ومن طريقة النظر إلى الإنسان والمجتمع والمسرح.
< وهل ترى أن بعض العروض التى تقدم تحت عنوان التجريب لا علاقة لها بالتجريب ؟
بالتأكيد، وهذه مشكلة موجودة فى كل المهرجانات.. ليس كل عرض مختلف هو عرض تجريبي، وليس كل استخدام للتكنولوجيا تجريبًا..
نحن نبحث عن التجربة التى تقدم رؤية فنية حقيقية، وليس مجرد الاستعراض.
الاختيار على أساس القيمة الفنية
< الدورة الحالية تضم 16 عرضًا من 14دولة بالاضافة الى العرضين المصريين .. كيف تم الاختيار؟
عملية الاختيار كانت دقيقة للغاية. تقدم عدد كبير من العروض، وشاهدت لجنة المشاهدة 164 عرضًا أجنبيًا و160 عرضًا عربيًا، ثم جرت مناقشات واختيارات للوصول إلى القائمة النهائية.
وهذا يؤكد أننا لا نختار العروض على أساس العلاقات أو الأسماء، وإنما على أساس القيمة الفنية ومدى ارتباط العرض بفكرة المهرجان.
< هل هناك معايير ثابتة لاختيار العرض التجريبى؟
هناك معايير فنية وفكرية، لكن لا أريد أن نحول التجريب إلى مجموعة من القواعد الجامدة.
نحن نبحث عن العرض الذى يمتلك خصوصيته، والذى يطرح سؤالًا، أو يقدم معالجة جديدة، أو يغامر فنيًا، أو يفتح طريقًا جديدًا فى علاقة المسرح بالممثل والفضاء والجمهور.
< ماذا عن المسرح المصري؟ هل يحصل على المساحة التى يستحقها داخل المهرجان؟
المسرح المصرى جزء أساسى من مشروع المهرجان. نحن لا نريد مهرجانًا دوليًا يأتى إلى مصر ويعرض تجارب أجنبية فقط، بل نريد أيضًا أن يكون المهرجان فرصة للمسرحى المصرى لكى يرى ويقارن ويتعلم ويتفاعل مع التجارب الأخرى.
المهرجان فى النهاية ليس معرضًا للعروض، ولكنه مساحة للحوار والتبادل.
< لكن هناك من يرى أن التجريبى يهتم بالأجنبى أكثر من المصري.. ماذا تقول؟
أختلف مع هذا الكلام. وجود عروض دولية قوية لا يعنى إهمال المسرح المصري.
على العكس، أنا أريد للمسرحى المصرى أن يرى المسرح العالمى على أرضه، وأن يتحاور مع صناع المسرح من مختلف الدول.
القضية ليست كم عرضًا مصريًا أو أجنبيًا، وإنما ماذا سيحدث بعد مشاهدة هذه التجارب؟ وهل ستفتح بابًا للتفكير والإبداع؟
< وماذا عن الجمهور؟ هل ما زال التجريب قادرًا على جذب الجمهور العادي؟
هذه من أهم القضايا التى تشغلني..
لا أؤمن بأن التجريب يجب أن يكون نخبة مغلقة على نفسها ، المسرح فى النهاية فن جماهيري، والجمهور شريك فى العملية المسرحية.
لكن علينا أيضًا أن نطور ذائقة الجمهور، وأن نعطيه الفرصة لاكتشاف أشكال جديدة من المسرح.
< هل تخشى أن يتحول التجريب إلى مهرجان للنقاد والمتخصصين فقط؟
نعم، لو حدث ذلك ستكون هناك مشكلة.
المهرجان يجب أن يكون مفتوحًا للجمهور والفنانين والشباب والطلاب والنقاد، وأن تتحول العروض والورش والندوات إلى حالة مسرحية عامة.
أنا ضد فكرة أن يكون التجريب غرفة مغلقة يدخلها عدد محدود من المتخصصين.
< الميزانية دائمًا قضية شائكة فى المهرجانات.. هل تكفى ميزانية التجريبى لطموحاته؟
الميزانية ليست كبيرة إذا ما قورنت بحجم الطموح والمسؤولية. وميزانية المهرجان يتم تدبيرها من مخصصات قطاعات مختلفة بوزارة الثقافة.
لكننا نحاول أن نستخدم المتاح بأكبر قدر من الكفاءة، وأن نستفيد من الشراكات والتعاونات الدولية.
القيمة الفنية أولًا
< وهل تؤثر الميزانية على اختيار العروض؟
نحن نضع القيمة الفنية أولًا، ثم نبحث عن الإمكانيات المتاحة لتنفيذ البرنامج.
وبالطبع أى مهرجان دولى يحتاج إلى موارد أكبر حتى يستطيع استضافة عدد أكبر من التجارب وتوسيع دائرة التعاون الدولي.
< هناك من يرى أن المهرجان يحتاج إلى تغيير جذرى فى طريقة إدارته.. هل تتفق؟
التطوير مطلوب دائمًا، لكننى لا أؤمن بفكرة هدم المؤسسة كل دورة والبدء من الصفر.
المهرجان أصبح مؤسسة، وهذا مهم جدًا. واستمرار أى مهرجان لا يجب أن يتوقف على شخص واحد.
أنا أؤمن بأن ترسيخ مفهوم المؤسسة هو الضمان الحقيقى لاستمرار التجريبي.
< معنى ذلك أنك لا ترى المهرجان ملكًا لرئيسه؟
بالطبع لا.
أنا مسؤول فى فترة زمنية معينة، لكن المهرجان أكبر من أى شخص. ومن يأتى بعدى يجب أن يجد مؤسسة لديها تقاليد وخبرات وأرشيف وآليات عمل.
هذه هى الطريقة التى تستطيع بها المؤسسات الثقافية أن تستمر.
< وماذا عن الانتقادات التى توجه إليكم كل دورة؟
أنا لا أخاف من النقد.
المهرجان الذى لا ينتقده أحد ربما يكون مهرجانًا لا يراه أحد.
لكننى أميز بين النقد الذى يقدم رؤية حقيقية يمكن الاستفادة منها، وبين النقد الذى يقوم على تصفية الحسابات أو الأحكام المسبقة.
نحن نستمع إلى الجميع، ونأخذ ما نراه مفيدًا.
< ماذا عن الورش؟ التى أصبحت جزءًا أساسيًا من المهرجان؟
الورش مهمة جدًا، وربما تكون فى بعض الأحيان أهم من العرض نفسه.
العرض ينتهى بعد انتهاء المهرجان، لكن الورشة يمكن أن تترك أثرًا لدى الفنان يستمر سنوات.
لذلك نحن نهتم بالتدريب ونريد أن نمنح الشباب فرصة للاحتكاك بمدارس وتجارب مختلفة.
< وما رسالتك للشباب المسرحى؟
لا تقلدوا أحدًا.
تعلموا من الجميع، لكن ابحثوا عن صوتكم الخاص.
المسرح لا يحتاج إلى نسخ جديدة من مخرجين أو ممثلين موجودين بالفعل، وإنما يحتاج إلى أشخاص لديهم أسئلة حقيقية ورؤية خاصة.









