لم يكن انضمام مصر إلى مبادرة الحزام والطريق مجرد خطوة جديدة فى مسار التعاون الاقتصادى مع الصين، وإنما مثل تحولاً مهمًا فى طبيعة العلاقات بين البلدين، بعدما أصبحت مصر جزءًا من رؤية اقتصادية تقوم على ربط الأسواق ومراكز الإنتاج والاستثمار وممرات التجارة ضمن شبكة دولية واسعة.
وتتوافق أهمية المبادرة بالنسبة إلى مصر مع موقعها الجغرافى الذى يجعلها نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويمنح قناة السويس مكانة محورية فى حركة التجارة العالمية. ومن هذا المنطلق، تعاملت القاهرة مع المبادرة باعتبارها فرصة لتعظيم الاستفادة من موقعها وتحويل حركة التجارة العابرة إلى نشاط اقتصادى يرتبط بالإنتاج والخدمات والاستثمار والتصدير.
وتتقاطع أهداف المبادرة مع أولويات التنمية المصرية فى مجالات النقل والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والبنية الأساسية وتعزيز التجارة والتعاون الاقتصادى، كما ترتبط بمشروع تنمية منطقة قناة السويس الذى يستهدف بناء مركز صناعى وتجارى ولوجستى قادر على خدمة أسواق متعددة.
وتزداد أهمية هذا المسار مع تطور العلاقات المصرية- الصينية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة عام 2014، ثم تعزيز أطر التعاون التنفيذى بين البلدين. ومنذ ذلك الوقت أصبحت مبادرة الحزام والطريق أحد الأطر المهمة التى تتحرك من خلالها مجالات واسعة من التعاون الاقتصادى والاستثمارى.
وتظهر منطقة التعاون الاقتصادى والتجارى المصرية الصينية «تيدا» فى العين السخنة كأحد النماذج العملية لهذا التكامل، حيث تمثل حلقة وصل بين المبادرة ومشروع تنمية محور قناة السويس، وتوفر منصة لاستقبال الاستثمارات الصينية وربط الإنتاج بالأسواق الخارجية.
ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على جذب الاستثمارات، وإنما تمتد إلى تحويل الموقع المصرى إلى قاعدة للإنتاج والتصدير. فوجود المناطق الصناعية بالقرب من الموانئ وممرات التجارة يمنح الشركات فرصة تصنيع منتجاتها فى مصر والوصول منها إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية، بما يعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصرى.
كما شهد التعاون خلال السنوات الأخيرة انتقالاً إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والطاقة والصناعات الجديدة. ومن أبرز التطورات توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء أول مصنع مصرى لتصنيع توربينات الرياح بالتوازى مع مشروع لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بقدرة 2000 ميجاوات، إلى جانب مشروعات لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة، باستثمارات مجمعة تجاوزت 1.8 مليار دولار فى مشروعات مرتبطة بالطاقة المتجددة.
وتمنح هذه النوعية من المشروعات الحزام والطريق مضمونًا اقتصاديًا يتجاوز البنية الأساسية والنقل، ليشمل توطين التكنولوجيا والصناعة والطاقة والتحول الأخضر. كما تعزز فرص تطوير القدرات البشرية، من خلال برامج التدريب المهنى ونقل الخبرات المرتبطة بالصناعات الحديثة.
ومن منظور اقتصادى، فإن القيمة الأهم لمشاركة مصر فى المبادرة تتمثل فى قدرتها على الجمع بين المزايا المصرية والخبرات الصينية، فمصر تمتلك الموقع والبنية الأساسية والموانئ وقناة السويس والسوق المحلية، بينما تمتلك الصين قدرات صناعية وتكنولوجية وشبكات إنتاج وأسواقًا عالمية واسعة.
ويخلق هذا التكامل مصالح متبادلة، فالشركات الصينية تستفيد من مصر كقاعدة إنتاج قريبة من الأسواق المستهدفة، بينما تستفيد مصر من الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات وفرص العمل والتصدير وبذلك تتحول المبادرة إلى مساحة أوسع لتطوير العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
وفى ظل التحولات التى يشهدها الاقتصاد العالمى، أصبحت سلاسل الإمداد والممرات التجارية والمراكز اللوجستية عناصر رئيسية فى القدرة التنافسية للدول. وتمتلك مصر فرصة مهمة للاستفادة من موقعها داخل هذه المنظومة، كلما ارتبطت حركة التجارة بزيادة التصنيع والخدمات والتصدير ونقل التكنولوجيا.
ومن هنا تتكامل مبادرة الحزام والطريق مع الشراكة الإستراتيجية المصرية- الصينية، لتمنح العلاقات بين البلدين مضمونًا اقتصاديًا أوسع، يقوم على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والتصدير والأسواق.









