كان عام الفيل عام النصر فى كل شيء اتصل بمولده صلوات الله وسلامه عليه ، فقد هزم الله أصحاب الفيل ونصر كعبته المشرفة ، ونصر عبد المطلب فيما أعلنه على الجميع وفى وجه العدو الغازى أبرهة الحبشى : «للبيت رب يحميه» وها هو رب السماء يلبى تضرع عبدالمطلب إليه:
«اللهم إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
إن كنت تاركّهم وقبْلتنا فأمْرٌ ما بدا لك».
فكان له ما تمنى وصارت كلمته حكمة يتناقلها الناس عبر الأجيال حين تعجزهم الحيل، بل كان هناك نصر آخر لعبد المطلب ألا وهو إنجاب زوجة ابنه عبد الله ولدًا(سيدنا محمد) يخلف أباه أعز أبناء عبد المطلب إلى نفسه والذى مات فى ريعان شبابه والذى فداه عبد المطلب من الذبح بمائة من الإبل لكنه بعد أن ذبح الإبل لم يعمر.
كان عام النصر لأهل مكة حيث تأكد للعرب شرف هذا البيت ،بل تأكد لغير العرب أن البيت الحرام بيت الله يحميه من كل معتد وغادر، فقد تسامعت القوى العظمى فى ذلك الزمن بهذا النصر الذى كان أحد أطرافه السماء والطرف الآخر رجل الروم القوى فى الجزيرة العربية أبرهة الحبشى فكان النصر رفعة للعرب وإيذانًا بتغييرات فى القوى ستجتاح المنطقة لها ما بعدها حتى يوم الناس هذا. بل كان العارفون – وهم علماء ذلك الزمان – ينتظرون هذه التغييرات الكبيرة بمولد نبى آخر الزمان. كان العام 571 أو 572 بحسب تقديرات العلماء نصرًا للحيارى الباحثين عن الحق والمندهشين من حال البشرية الراغبين فى الأفضل، فجاءهم من يعيد للتوحيد رونقه ويخبرهم خبرًا لا لبس فيه ولا شك بحقيقة الله الواحد الأحد بأسمائه وصفاته، فتقبله عقولهم وقلوبهم وأرواحهم، بل كان نصرًا للمستضعفين الذين سقطوا عبيدًا فى أيدى أخوة لهم فى البشرية ولا أمل لهم فى الخلاص فجاءهم من يعلن قانونا أزليا: «الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوي» وهو ما أخذت به البشرية فى محاولاتها للوصول إلى الأفضل ،فقفزت دعوات العدالة الإنسانية قفزات ما كان لها أن تحدث لولا ميلاد هذا النبى فى هذا العام الميمون فى ذلك الزمن الذى أصبح يتشوف إلى من يخرج أهله من الظلمات إلى النور. كان عام نصر للمجتهدين الباحثين عن عمل بشرف مهما كانت أمارات اليأس ،فقد خرجت السيدة حليمة السعدية وزوجها، وهى لا تستطيع أن ترضع طفلها خرجت لتأتى بطفل آخر لترضعه علّ الله يرزقها ويجعل من بعد عسر يسرًا. خرجت تمتطى دابة لا تستطيع أن تسير من الضعف، ولم تجد إلا يتيما قد لا يكون هناك من ينفق عليه، ولكنها قبلته أملًا أن يرزقها الله فرزقها سبحانه وأدر اللبن فى ثديها لتطعم الطفل المبارك وتطعم ولدها، وأدر الله اللبن فى ضرع ناقة زوجها وانبت المرعى لغنمها فى وقت كاد الجدب يقتل قبيلة بنى سعد نعم إن مثل هذه الأحداث تعلمنا ألا نيأس من روح الله فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فلا نيأس فى البحث عن عمل ولا نيأس فى فرج الله وإنما نسعى ما دام لهذا الكون خالق يسيره ويديره بحكمته.









