رجعنا تانى للتجمع على المقهى الشهير فى منطقة حدائق حلوان الهادئة سابقا، لمتابعة مباريات الدورى المصري، ومشاهدة تلك المسرحية الهزلية التى لا تحتاج إلى مخرج، والاستمتاع بالتحليل الفنى والتحكيمى الذى تقدمه الجماهير على طريقة كبار خبراء الاستوديوهات الرياضية العالمية.
الصراحة أننى أترك، خلال مباريات القطبين، كل مشاغلى ومصالحي، وأحاول أن أكون فى المقهى مبكراً، ليس فقط بهدف مشاهدة المباراة، ولكن سعياً للخروج قليلاً من رتم الحياة اليومية وضغوطها، وخصوصاً الاقتصادية التى أصبحت تلاحقنا فى كل مكان.
أعود إلى المقهى لأستمتع بالمناوشات والقفشات بين جمهور الأهلى والزمالك، خاصة عندما تكون هناك لعبة عليها علامة استفهام، أو تسلل مشكوك فيه، أو ضربة جزاء لا يعرف أحد حتى الآن هل هى ضربة جزاء أم مجرد «اختراع تحكيمي»!
بصراحة، أنا محظوظ بالجلوس مع هذه النخبة من الجماهير والأصدقاء.
هؤلاء لا يشاهدون المباراة فقط، وإنما يحولونها إلى عرض فنى كامل. كل مشهد له تفسير، وكل قرار للحكم له رواية، وكل لاعب له تاريخ طويل من الأخطاء لا يظهر إلا وقت الحاجة إليه.
الأجمل أن غالبية من يجلسون من جمهور الأهلى والزمالك أصدقاء وأحباب. تبدأ المباراة وكل واحد منهم يعلن الحرب على الآخر، وبعد دقائق تجدهم يضحكون معاً، ويتبادلون التعليقات، وربما العزومات أيضاً. وكأن المباراة مجرد وسيلة لجمع الناس حول ترابيزة واحدة.
قد تكون هناك أخطاء تحكيمية بالفعل، وقد يكون الحكم أصاب أو أخطأ، وقد ننتظر قرار الـ«VAR» دقائق طويلة حتى نظن أن الحكم يتابع مباراة أخري، لكن فى النهاية يصبح القرار نفسه مادة جديدة للسخرية والتحليل والمناقشة.
مشاهدة المباراة فى «بيت العائلة» حاجة تانية.لها طعم مختلف هناك الهدوء والراحة، والحكاية كلها. الجمهور، والمناوشات، والضحك، والهزار، والعزومات، وانتظار القرار التحكيمي، ثم النقاش الذى قد يستمر حتى بعد انتهاء المباراة.
ربما لهذا السبب أعود كل مرة. ليس لأننى لا استطيع مشاهدة المباراة فى مكان آخر، وإنما لأننى أحتاج أحياناً إلى أن أترك كل شيء خلفي، وأجلس وسط هذه النخبة من الناس، وأضحك من القلب.
وسط كل هذا الضغط الذى نعيشه، نحتاج أحيانا إلى ساعة أو ساعتين ننسى فيها مشاغل الحياة، ونختلف على كرة خرجت أم لم تخرج، وضربة جزاء احتسبت أو لم تحتسب، ثم ننصرف ونحن نضحك.
قد يختلف الأهلى والزمالك فى الملعب، وقد تختلف الجماهير فى المقاهي، لكن فى النهاية يجمعنا شيء أبسط وأجمل: أننا نحتاج إلى لحظة ضحك.









