القانون يجرّم والوعى غائب لم تعد وسائل التواصل الاجتماعى مجرد أدوات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وأصبح ما يُنشر عبرها قادرًا على التأثير فى سمعة الإنسان ومكانته وعلاقاته وحياته الخاصة. ومع هذا التطور، ظهرت ممارسات خطيرة، من بينها استخدام صور الآخرين دون إذنهم، وإنشاء صفحات أو حسابات بأسمائهم أو صورهم، ونشر محتوى لم يصدر عنهم، بما قد يسيء إليهم أو يمس خصوصيتهم وسمعتهم. والحقيقة التى يجب أن يدركها الجميع أن الفضاء الإلكترونى ليس فضاءً خارج القانون، وأن ما يراه البعض مجرد «حساب وهمي» أو «صورة منشورة على الإنترنت» قد يتحول إلى فعل مجرّم متى توافرت أركان الجريمة. وضع المشرع المصرى إطارًا قانونيًا لمواجهة صور متعددة من إساءة استخدام التكنولوجيا، وعلى رأسها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إلى جانب نصوص قانون العقوبات. فقد جرّمت المادة 24 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات اصطناع بريد إلكترونى أو موقع أو حساب خاص ونسبته زورًا إلى شخص طبيعى أو اعتباري، وهو نص مهم فى مواجهة ظاهرة إنشاء الحسابات والصفحات الوهمية وانتحال صفة الآخرين. كما تناولت المادة 25 من القانون ذاته صورًا من انتهاك حرمة الحياة الخاصة ونشر المعلومات أو الأخبار أو الصور التى تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات صحيحة أم غير صحيحة. فكون المعلومة صحيحة لا يعنى أن نشرها على نحو ينتهك الخصوصية أصبح مباحًا. كذلك تحمى نصوص قانون العقوبات حرمة الحياة الخاصة، ومن بينها المادة 309 مكرر والمادة 309 مكرر «أ»، اللتان تتناولان بعض صور الاعتداء على الخصوصية والتقاط أو نقل أو إذاعة أو استعمال الصور والمواد التى يتم الحصول عليها بطرق مجرّمة، وفقًا لظروف كل واقعة وتوافر أركان الجريمة. وبالتالي، فإن استخدام صورة شخص آخر أو إنشاء حساب باسمه ليس مسألة بسيطة يمكن اختزالها فى عبارة: «الصورة موجودة على الإنترنت». إذن.. لماذا ما زالت هذه الجرائم منتشرة؟ السؤال ليس: هل لدينا قانون؟ أو هل وضع المشرع عقوبات؟ فالنصوص موجودة والتجريم قائم، لكن السؤال الأهم: لماذا تستمر بعض هذه الممارسات رغم ذلك؟ فى تقديري، هناك ثلاثة أسباب رئيسية: أولاً: ضعف الوعى القانوني؛هناك من لا يعرف أن ما يفعله عبر الهاتف قد يشكل جريمة. البعض يعتقد أن استخدام صورة شخص منشورة على حسابه أمراً مباحاً للجميع، أو أن إنشاء صفحة باسم شخص آخر مجرد «مزحة»، أو أن حذف المنشور ينهى المسئولية. وهذا غير صحيح بالضرورة؛ فالتكنولوجيا لا تلغى القانون، ووسيلة ارتكاب الفعل لا تغير من طبيعته متى توافرت أركان الجريمة. ومن هنا تأتى أهمية نشر الوعى القانونى الرقمى بين جميع مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعي. ثانيًا: إحجام المجنى عليه عن اللجوء إلى القانون قد تتردد الضحية فى اتخاذ الإجراءات القانونية، وتقول: «مش مستاهلة محضر» أو «هتعب نفسى فى الإجراءات». لكن هذا التهاون قد يشجع الجانى على تكرار الفعل، ويمنحه شعورًا زائفًا بأن الفضاء الإلكترونى يوفر له حصانة.









