دخلت تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة أكثر تعقيدًا، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الصراع وانعكاساته على حركة الملاحة والتجارة الدولية وأسواق الطاقة والتأمين وإعادة التأمين، في وقت يظل فيه مضيق هرمز أحد أبرز بؤر المخاطر التي تراقبها الأسواق العالمية، نظرًا لأهميته في حركة نقل النفط والغاز والتجارة البحرية.
وفي ظل استمرار الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية، يواجه قطاع التأمين تحديات متزايدة تتجاوز الأضرار المباشرة الناتجة عن العمليات العسكرية، لتشمل أخطار الحرب والإرهاب والتخريب والهجمات السيبرانية والتلوث البحري، إلى جانب العقوبات والقيود المرتبطة بالمدفوعات والخدمات البحرية، وهو ما يفرض على شركات التأمين إعادة تقييم سياساتها الاكتتابية والتسعيرية بصورة مستمرة.
ويتابع الاتحاد المصري للتأمين تطورات الأزمة وانعكاساتها على أسواق التأمين وإعادة التأمين إقليميًا ودوليًا، مع التأكيد على أهمية التعامل الاستباقي مع الأخطار الجيوسياسية، خاصة في قطاعات النقل البحري والجوي والطاقة والممتلكات والمسؤوليات.
تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز
وشهدت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال أغسطس استمرارًا عند مستويات محدودة، رغم عبور عدد من السفن في الاتجاهين، دون عودة الحركة إلى مستوياتها المعتادة. وتراجعت عمليات العبور الأسبوعية من 91 إلى 73 عملية، مع استحواذ ناقلات النفط الخام على النسبة الأكبر من الحركة المسجلة.
وتظل البيانات المتعلقة بحركة السفن أولية، في ظل احتمال ظهور رحلات إضافية لم تكن مسجلة في أنظمة التتبع وقت إعداد البيانات، وهو ما يعكس إحدى أبرز المشكلات التي تواجه شركات التأمين، والمتمثلة في صعوبة الحصول على بيانات دقيقة ومحدثة بشأن تحركات السفن ومستويات التعرض الفعلية للخطر.
وامتد تأثير الاضطرابات إلى تجارة الحاويات، حيث تراجعت واردات المنطقة بنسبة 21% وصادراتها بنسبة 31% خلال النصف الأول من العام، في حين واصلت تجارة الحاويات العالمية نموها مدفوعة بالطلب على طرق التجارة البديلة الأقل تعرضًا للتوترات الحالية.
ارتفاع تكلفة تأمين أخطار الحرب
قبل بداية الصراع في 28 فبراير، كان مضيق هرمز يمثل ممرًا رئيسيًا لنحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يوميًا، بينما كانت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب تبلغ نحو 0.25% من قيمة السفينة.
ومع تصاعد العمليات العسكرية، ارتفعت تكلفة التأمين بصورة كبيرة، ووصلت أقساط تأمين أخطار الحرب في بعض الحالات إلى نحو 10% من قيمة السفينة، مع اختلاف السعر وفقًا لطبيعة السفينة والحمولة والمسار ومدة وجودها داخل المنطقة عالية الخطورة.
وأصبحت شركات التأمين تعتمد بصورة أكبر على تسعير الخطر لكل رحلة على حدة، بما يسمح بتعديل القسط والشروط وفقًا للتطورات الأمنية وقت الإبحار. ويتطلب ذلك الحصول على معلومات تفصيلية بشأن نوع السفينة وقيمتها والحمولة وخط السير والموانئ التي ستتوقف بها ومدة التعرض للخطر.
تحديات جديدة أمام التأمين البحري
ولا يرتبط الخطر الذي تواجهه شركات التأمين باحتمال تعرض السفينة أو البضائع للتلف فقط، وإنما يمتد إلى الوضع القانوني للأطراف المشاركة في العملية، ومدى إمكانية تحصيل الأقساط وسداد التعويضات في ظل العقوبات والقيود الاقتصادية.
كما تمثل محدودية بيانات التتبع تحديًا إضافيًا، إذ وصلت نسبة حركة السفن التي تعذر تتبعها عبر نظام التعرف الآلي خلال يوليو إلى نحو 70%، وفق البيانات الواردة في التقرير. ويؤثر ذلك في قدرة شركات التأمين على التأكد من التزام السفن بالمسارات التي تم قبول الخطر وتسعيره على أساسها، فضلًا عن صعوبة تقدير أخطار التراكم في المناطق الجغرافية المحدودة.
وفي الوقت نفسه، تظل أخطار الاحتجاز والمصادرة والتلوث وإصابات أفراد الطاقم مرتبطة بنطاق الوثيقة وحدودها واستثناءاتها، وهو ما قد يؤدي إلى توزيع نتائج الحادث الواحد بين تأمين جسم السفينة وأخطار الحرب والبضائع والحماية والتعويض.
التلوث البحري يوسع دائرة الخسائر
ومن أخطر التداعيات التي برزت مع اضطراب الملاحة، تصاعد المخاطر البيئية المرتبطة بالتسربات النفطية. فقد وصلت بقايا نفطية يعتقد أنها ناتجة عن إصابة سفينة شحن إلى جزيرة قشم الإيرانية، بما في ذلك مناطق من غابات المانجروف المحمية في هارا، بينما شهدت السواحل الجنوبية لسلطنة عمان تسربًا نفطيًا أكبر من ناقلة روسية تابعة لما يعرف بـ«أسطول الظل».
وتكتسب هذه الحوادث أهمية تأمينية كبيرة، لأن الحادث الواحد قد يجمع بين أضرار الحرب والأضرار المادية للسفينة والجنوح والتلوث والمسؤولية البيئية ومطالبات الغير وتكاليف الإنقاذ وإزالة آثار التلوث.
كما أن الخسائر البيئية لا تظهر بالضرورة بصورة كاملة فور وقوع الحادث، فقد تمتد آثارها إلى مناطق التكاثر والتعشيش وجودة المياه والموائل الساحلية، بما يجعل تحديد القيمة النهائية للمطالبات بحاجة إلى دراسات بيئية وفنية متخصصة.
الاتحاد المصري للتأمين يوصي بإدارة استباقية للمخاطر
ويرى الاتحاد المصري للتأمين أن التطورات الحالية تستوجب تعزيز إدارة المخاطر والاكتتاب، وإجراء مراجعات دورية للمحافظ التأمينية التي يمكن أن تتأثر بالتطورات الجيوسياسية.
كما يوصي الاتحاد بمراجعة وثائق التأمين، خصوصًا التعريفات المتعلقة بأخطار الحرب والإرهاب والشغب والاضطرابات السياسية والأخطار السيبرانية، إلى جانب الاستثناءات والحدود الجغرافية وشروط الإخطار وتغير الظروف.
ويشدد الاتحاد كذلك على ضرورة تعزيز التنسيق بين إدارات الاكتتاب والمطالبات وإعادة التأمين وإدارة المخاطر والشؤون القانونية، بما يضمن وجود رؤية متكاملة للخطر منذ دراسة طلب التأمين وحتى تسوية المطالبة.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات في الحالات التي تتداخل فيها أسباب الخسارة، مثل تعرض سفينة لهجوم أو تخريب يعقبه حريق أو جنوح أو تسرب للحمولة، بما يستدعي تحقيقًا فنيًا دقيقًا لتحديد السبب المباشر للخسارة ومدى ارتباطه بالخطر المغطى أو الاستثناءات الواردة في الوثيقة.
مراجعة اتفاقيات إعادة التأمين
كما يؤكد الاتحاد أهمية إجراء مراجعة دقيقة لاتفاقيات إعادة التأمين، والتأكد من اتساق التغطيات المقدمة للعملاء مع الحماية المتاحة فعليًا لدى معيدي التأمين، خصوصًا فيما يتعلق بأخطار الحرب والأخطار السياسية والتراكمات المحتملة.
وتشمل الإجراءات المقترحة إجراء اختبارات ضغط وسيناريوهات افتراضية لقياس تأثير استمرار الصراع أو اتساع نطاقه الجغرافي على المحافظ التأمينية والسيولة والاحتياطيات ورأس المال، فضلًا عن متابعة التغيرات في أسعار وتوافر طاقات إعادة التأمين.
ويؤكد الاتحاد أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير أدوات تحليل البيانات والسيناريوهات، ورفع كفاءة الكوادر الفنية، وتعزيز سرعة الاستجابة للمطالبات، مع الحفاظ على وضوح العلاقة التعاقدية مع العملاء والالتزام الكامل بالتشريعات والضوابط الرقابية
وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، لم يعد التعامل مع أخطار الحرب مسألة مرتبطة بالتأمين البحري وحده، بل أصبح اختبارًا متكاملًا لقدرة قطاع التأمين على إدارة أخطار مترابطة تمتد إلى الطاقة والطيران وسلاسل الإمداد والمسؤوليات والتلوث وإعادة التأمين، بما يجعل الإدارة الاستباقية للخطر عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار المالي للقطاع وقدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه حملة الوثائق.









