أعلنت جامعة القاهرة نجاح فريق بحثي من قسم الجيولوجيا بكلية العلوم، بالتعاون مع باحثين من سويسرا وباحث مصري من شركة فوسفات مصر، في الكشف عن تجمع حفري استثنائي لأسماك القرش بمنطقة أبو طرطور في الصحراء الغربية، يعود إلى العصر الكريتاسي المتأخر قبل أكثر من 70 مليون عام.
ويُعد الاكتشاف مخرجًا بحثيًا لمشروع تخرج للطالب طارق ياسين بكلية العلوم، بدأ بدراسة عينات حفريات ثم تطور إلى مشروع بحثي متكامل، أسفر عن نشر دراستين في دوريتين علميتين دوليتين متخصصتين في مجال الحفريات والتاريخ الحيوي.
وبدأت قصة الاكتشاف من عينات أحضرها الجيولوجي الحسين إبراهيم، من شركة فوسفات مصر، وحُفظت في معمل الحفريات الفقارية بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم، قبل أن يتحول الاهتمام بها إلى مشروع تخرج للطالب طارق ياسين، بالفرقة الرابعة تخصص جيولوجيا، تحت إشراف الدكتور محمد قرني عبد الجواد، الأستاذ المساعد بقسم الجيولوجيا.
وتضمن مشروع التخرج رحلة حقلية إضافية إلى منطقة أبو طرطور لجمع مزيد من الحفريات ودراسة طبقات الفوسفات الحاوية لها، لتبدأ من خلاله رحلة بحثية تجاوزت نطاق مشروع التخرج، وأدت إلى جمع وتحليل عينات إضافية والتعاون مع باحثين دوليين من سويسرا.
وضم فريق الدراستين باحثين من قسم الجيولوجيا بكلية العلوم بجامعة القاهرة، وشركة فوسفات مصر التابعة لوزارة البترول والثروة المعدنية، بالتعاون مع باحثين من جامعة زيورخ ومجموعات علمية متخصصة في الحفريات بسويسرا.
وأشاد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، بهذا الإنجاز، مؤكدًا أنه يعكس استراتيجية الجامعة الرامية إلى تطوير منظومتي التعليم والبحث العلمي، ويبرهن على أن مشروعات التخرج تمثل فرصة حقيقية لاكتشاف القدرات البحثية لدى الطلاب وتنميتها لإجراء أبحاث علمية رصينة منذ سنوات الدراسة الجامعية الأولى.
وأكد رئيس جامعة القاهرة أن الاكتشاف يمثل إضافة جديدة إلى رصيد الجامعة في مجال علوم الأرض والحفريات، مشيرًا إلى أن أهميته لا تقتصر على اكتشاف حفريات نادرة لأسماك القرش، وإنما تمتد إلى ما تقدمه النتائج العلمية من معلومات جديدة حول التنوع الحيوي وانتشار الكائنات البحرية في مصر خلال العصر الكريتاسي المتأخر، بما يسهم في إثراء المعرفة العلمية على المستويين المصري والدولي.
وأشار الدكتور محمد سامي عبد الصادق إلى أن نشر نتائج العمل البحثي في دوريات علمية دولية متخصصة، بمشاركة باحثين من مؤسسات علمية سويسرية، يؤكد قدرة باحثي جامعة القاهرة على المنافسة في مجالات البحث العلمي المتخصصة، ويعكس حرص الجامعة على دعم البحوث التي تستند إلى العمل الميداني والدراسة العلمية الدقيقة والتعاون الدولي.
وأكد حرص الجامعة على مواصلة دعم البحوث العلمية التي تستكشف الثروات العلمية والطبيعية لمصر، وتعيد قراءة تاريخها الجيولوجي والحفري، بما يسهم في تعظيم الاستفادة من هذا التراث العلمي، ويفتح المجال أمام أجيال جديدة من الباحثين لاكتشاف المزيد من أسرار تاريخ الحياة على أرض مصر.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة سهير رمضان، عميد كلية العلوم، أن الكلية تولي اهتمامًا خاصًا بمشروعات التخرج القائمة على البحث والاستكشاف، والتي تنتج عنها مخرجات علمية قابلة للنشر الدولي.
وأشارت إلى أن تجربة مشروع التخرج بقسم الجيولوجيا تؤكد أن مشروعات الطلاب يمكن أن تكون نقطة انطلاق لأبحاث علمية متقدمة متى توافر لها الإشراف العلمي الجيد، والبحث الميداني، والإمكانات المعملية، والتعاون مع المؤسسات والمراكز البحثية المتخصصة.
ولفتت إلى أن الاكتشاف يمثل إضافة مهمة إلى سجل الحفريات الفقارية في مصر وأفريقيا، ويعزز مكانة جامعة القاهرة كمركز علمي رائد في دراسة تاريخ الحياة والبيئات القديمة، كما يفتح آفاقًا جديدة أمام المزيد من أعمال الاستكشاف والبحث العلمي في صخور الصحراء الغربية المصرية.
ومن جهته، قال الدكتور محمد قرني عبد الجواد، الأستاذ المساعد بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم والباحث المراسل في الدراستين، إن المشروع بدأ في الأساس كمشروع تخرج للطالب طارق ياسين، ثم تطور تدريجيًا إلى بحث علمي متكامل مع جمع المزيد من العينات والتعاون مع باحثين متخصصين في الحفريات من سويسرا.
وأضاف أن ما تكشفه الحفريات يؤكد أن أبو طرطور لم تكن مجرد بيئة بحرية عابرة، بل كانت موطنًا لنظام بحري غني ومتنوع، ويمكن اعتبار الموقع «مقبرة كبيرة لأسماك القرش» التي عاشت في بحار مصر القديمة.
وأسفرت المرحلة الأولى من المشروع عن نشر دراسة في دورية Historical Biology عام 2024، وثق خلالها الفريق 49 سنًا أحفوريًا تعود إلى نوعين من أسماك القرش اللامنية المنقرضة، هما:
Scapanorhynchus cf. rapax
وCretoxyrhina cf. mantelli.
وسجلت الدراسة أول وصف لأسماك القرش اللامنية من تكوين الضوي في منطقة أبو طرطور، كما وثقت أحدث ظهور معروف لقرش Cretoxyrhina mantelli في أفريقيا والشرق الأوسط، مع احتمال أن يكون من أحدث سجلاته المعروفة عالميًا، وأظهرت بعض الأسنان أن أفراد Scapanorhynchus ربما وصل طولها إلى نحو 6.7 أمتار.
كما نشر الفريق دراسة ثانية في دورية Cretaceous Research، وصفت 14 سنًا أحفوريًا إضافيًا تمثل خمسة أنواع من أسماك القرش المنقرضة، هي:
Cretalamna cf. maroccana
وScapanorhynchus cf. raphiodon
وSerratolamna cf. serrata
وSqualicorax bassanii
وSqualicorax pristodontus.
وقدمت الدراسة سجلات تصنيفية جديدة لمصر، من بينها ثلاثة أنواع تُسجل للمرة الأولى في البلاد، إلى جانب Scapanorhynchus cf. raphiodon، الذي يُرجح أن يمثل أول سجل له في مصر وأفريقيا، وربما أحدث ظهور معروف له زمنيًا، مع تأكيد الباحثين ضرورة العثور على عينات إضافية لتثبيت هذا التصنيف بصورة قاطعة.
وأكدت الدراسة أن الأنواع الخمسة تمثل تجمعًا جديدًا لأسماك القرش اللامنية في تكوين الضوي بمنطقة أبو طرطور.
وبدمج نتائج الدراستين، يرتفع التنوع المعروف في موقع أبو طرطور إلى سبعة أنواع من أسماك القرش اللامنية تنتمي إلى خمسة أجناس، ما يجعل المنطقة واحدة من أغنى مواقع حفريات أسماك القرش المعروفة في مصر.
وتشير الكمية الكبيرة والتنوع الملحوظ لأسنان أسماك القرش المكتشفة إلى وجود تجمع حفري استثنائي في المنطقة، يمكن وصفه علميًا بأنه «مقبرة لأسماك القرش»، يحفظ سجلًا نادرًا للنظم البيئية البحرية التي كانت تغطي أجزاء واسعة من مصر خلال العصر الكريتاسي المتأخر.
وتوضح طبيعة الأنواع المكتشفة أن المنطقة كانت جزءًا من بحر استوائي إلى شبه استوائي، غني بالمغذيات وعالي الإنتاجية الحيوية، يضم أسماكًا صغيرة ومفترسات متوسطة وأسماك قرش ضخمة ومفترسات بحرية أخرى.
كما توثق الحفريات امتداد البحر القديم إلى جنوب الصحراء الغربية خلال العصر الكريتاسي المتأخر، وتقدم صورة جديدة عن التنوع الحيوي وتوزيع أسماك القرش في شمال أفريقيا خلال تلك الحقبة الجيولوجية.
وتوضح الدراسة أيضًا أن طبقات الفوسفات في تكوين الضوي تمثل بيئة بحرية استوائية غنية بالمغذيات، وأن التجمع الحفري قد يعكس تراكمًا للأحافير عبر فترات زمنية وبيئات مختلفة، وليس بالضرورة تجمعًا لأسماك عاشت جميعها في المكان وفي الفترة الزمنية نفسها.
وتُحفظ جميع العينات ضمن مجموعة حفريات أبو طرطور في معمل الحفريات الفقارية بقسم الجيولوجيا، كلية العلوم، جامعة القاهرة، بما يتيح الاستفادة منها في الدراسات العلمية المستقبلية.









