حصول إثيوبيا على تعاون دفاعى مع قوة دولية يدفع دولاً أخرى لإعادة تقييم احتياجاتها الأمنية
البحر الأحمر وباب المندب يدخلان الحسابات الجديدة.. والسدود الإثيوبية علامات استفهام
كتب : أحمد بديوى
فتحت الإدارة الأمريكية مسارًا جديدًا للتعاون الدفاعى والأمنى مع إثيوبيا، فى توقيت حساس لأمن القرن الإفريقى، البحر الأحمر، ونهر النيل، على خلفية المشاورات التى جرت يومى 19 و20 أغسطس الجارى، وانتهت إلى الاتفاق على الارتقاء بالعلاقات بين واشنطن وأديس أبابا إلى مستوى «الشراكة الإستراتيجية الشاملة».
الاتفاق بين البلدين يتضمن توسيع التعاون الدفاعى، تعزيز التنسيق الإستراتيجى، وتسريع تنفيذ الأطر المتفق عليها، وهذه ليست صيغة دبلوماسية تقليدية، لأن اتساع نطاق التعاون العسكرى بين قوة دولية كبرى وإثيوبيا، التى تتحرك فى قلب أزمات إقليمية متشابكة، يثير أسئلة حول أهداف الشراكة، طبيعة ما ستنتجه، والحدود التى يمكن أن تصل إليها.
تفرض طبيعة المنطقة سؤالًا يتعلق بكيفية استجابة الأطراف الأخرى، فالحصول على دعم عسكرى نوعى قد يدفع دولاً أخرى إلى البحث عن مصادر تسليح أو شراكات أمنية بديلة، بما قد يوسع مساحة التنافس بين القوى الخارجية فى القرن الإفريقى.
تنبع حساسية الاتفاق من البيئة الإقليمية المحيطة به. إثيوبيا طرف مباشر فى نزاعات جيوسياسية مع السودان، والصومال، وإريتريا، ولديها طموحات متزايدة للوصول إلى البحر، وترى انه يمكن للشراكة العسكرية مع واشنطن أن تتيح لها تطوير قدرات فى مجالات التدريب، التسليح، المعلومات، الاستطلاع، اللوجستيات.
جيبوتى ليست بعيدة عن هذه الحسابات، كما تمثل إريتريا طرفًا شديد الحساسية فى المعادلة. فامتلاكها ساحلًا بحريًا، إلى جانب تاريخها العسكرى والسياسى المعقد مع إثيوبيا، يجعل أى تحرك إثيوبى باتجاه البحر مرتبطًا بصورة مباشرة بحسابات أسمرة، وهو ما يجعل أى تطور فى القدرات الإثيوبية محل متابعة من جانب الدول التى ترتبط مصالحها بهذه الحسابات.
تطرح الشراكة بين واشنطن وأديس أبابا أسئلة حول التوازنات التى يمكن أن تتشكل فى محيط إثيوبيا، خاصة مع اتساع التعاون العسكرى وتعدد الأطراف المنخرطة فى أمن القرن الأفريقى. كما أن طبيعة الدعم الذى ستقدمه واشنطن، والقدرات التى قد تنتج عنه، ستحدد جانبًا مهمًا من تطور العلاقة، وما إذا كانت ستبقى فى إطار التعاون الدفاعى أم تمتد إلى شراكة ذات تأثير أوسع فى البيئة الإقليمية.
لا توجد، حتى الآن، ترتيبات معلنة تربط الاتفاق الأمريكى الإثيوبى بالمجال البحرى، أو الموانئ، أو ملف مياه نهر النيل، أو منظومة السدود، لكن ما تواجهه دولتا مصب النيل، السودان ومصر، منذ سنوات من خلافات مع أديس أبابا بشأن قواعد تشغيل السد، يجعل تجاهل التزامن بين المسارين قراءة ناقصة للمشهد.
بدورها، تنظر واشنطن إلى القرن الإفريقى ضمن نطاق أوسع يتصل بأمن البحر الأحمر، والملاحة، وباب المندب، وخليج عدن، والموانئ، ومكافحة الجماعات المسلحة، ومنافسة القوى الدولية، وهى ملفات تتداخل حساباتها فى نطاق جغرافى واحد.
البحر الأحمر حاضر بقوة فى الحسابات المرتبطة بالاتفاق. الممر البحرى يشهد أصلاً وجودًا عسكريًا دوليًا وتنافسًا بين قوى إقليمية ودولية، بينما يمثل باب المندب وخليج عدن نقطتى اختناق بالغتى الأهمية للتجارة العالمية. وأى ترتيبات جديدة تمنح إثيوبيا دورًا أكبر فى هذه البيئة، بصورة مباشرة أو عبر شراكات مع دول ساحلية، يمكن أن تضيف بعدًا جديدًا إلى معادلة أمنية شديدة الحساسية.
إثيوبيا، التى لا تملك منفذًا بحريًا، تسعى منذ سنوات إلى توسيع خياراتها للوصول إلى البحر، عبر طرق غير مشروعة وأساليب ملتوية لكن والوصول إلى البحر لا يتحقق بمجرد الحصول على منفذ جغرافى، بل يحتاج إلى ترتيبات أمنية ولوجستية وقدرات على حماية خطوط الإمداد وتأمين حركة البضائع والمعدات.
مع انتقال التعاون الدفاعى مع واشنطن إلى مستوى «الشراكة الإستراتيجية الشاملة»، يصبح من المهم متابعة ما إذا كانت القدرات التى ستنتج عن هذا التعاون ستظل مرتبطة بالاحتياجات الدفاعية داخل الأراضى الإثيوبية، أم تمتد إلى مجالات تتصل بتحركاتها وأطماعها فى البيئة البحرية المحيطة.
لا يحتاج الأمر إلى افتراض وجود بند بحرى سرى داخل الاتفاق حتى يصبح الملف محل اهتمام، فبعض القدرات العسكرية ذات طبيعة مزدوجة؛ يمكن استخدامها فى حماية الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة، لكنها قد تتيح أيضًا نطاقًا أوسع من المعلومات عن التحركات والموانئ وخطوط الملاحة والمجال المحيط بالدولة.
لا يتوقف تقييم الاتفاق عند أهدافه المعلنة، وإنما يمتد إلى طبيعة القدرات التى يمكن أن تنتج عنه. يصبح أكثر حساسية فى محيط باب المندب وخليج عدن، حيث تتقاطع حركة التجارة العالمية مع الانتشار العسكرى الدولى والتوترات الإقليمية، فيما قد يؤدى تطوير قدرات المعلومات والاتصال والنقل والإسناد إلى توسيع هامش الحركة أمام الدولة المستفيدة.
تتعدد الأسئلة المرتبطة بما أُعلن عنه من تفاصيل: إلى أى مدى يمكن أن تتطور الشراكة الأمريكية ــ الإثيوبية من التعاون الدفاعى إلى بناء قدرات جديدة؟ هل ستظل فى نطاق التدريب ورفع الكفاءة، أم تمتد إلى المعلومات والاستطلاع والدعم اللوجستى والتسليح؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه الخيارات على التحركات الإثيوبية فى محيط البحر الأحمر، وعلى حسابات الدول المرتبطة بأمن القرن الأفريقى ونهر النيل؟
>>>
المفارقة الأولى فى الاتفاق الأمريكي- الإثيوبى أن الطرفين استخدما تعبير «شراكة إستراتيجية شاملة»، دون الكشف عن التفاصيل التى تحدد طبيعة هذه الشراكة وحدودها. الإعلان يتحدث عن حماية المصالح الوطنية، المنافع المتبادلة، تعزيز الثقة، ودعم السلام والأمن والاستقرار(!)، لكنه لا يوضح ما ستقدمه الولايات المتحدة لإثيوبيا فى المجال الدفاعى، وما الذى ستحصل عليه واشنطن فى المقابل.
الفجوة بين اتساع وصف الشراكة ومحدودية التفاصيل المعلنة تترك الباب مفتوحًا أمام تفاهمات لاحقة قد تحدد عمليًا نطاق العلاقة أكثر مما يحدده الإعلان الأول. ويزداد هذا الأمر أهمية مع توسيع التعاون العسكرى بين البلدين، حيث يتجاوز الأمر اتصالاً سياسيًا أو برنامجًا تدريبيًا محددًا إلى بناء قنوات أكثر انتظامًا بين مؤسسات البلدين.
التفاهمات التنفيذية ومستوى التعاون الذى سيتبلور خلال المرحلة المقبلة تبقى العامل الأهم فى تحديد طبيعة الشراكة. فرق كبير بين تبادل الخبرات، التدريب، ورفع الكفاءة، وبين توفير قدرات متقدمة فى الاستطلاع والمراقبة، مشاركة المعلومات، الاتصالات العسكرية، والدعم اللوجستى. كل مستوى من هذه المستويات يضيف إلى القدرات الإثيوبية بطريقة مختلفة، ويحدد مقدار ما يمكن أن تكتسبه الشراكة من وزن عملى.
لا يتعلق الأمر فقط بحجم الدعم، وإنما بنوع القدرات التى يمكن أن تنتج عنه. فالتدريب يرفع كفاءة الوحدات الموجودة، بينما يمكن للمعلومات والاستطلاع والاتصالات والدعم اللوجستى أن توسع قدرة المؤسسة العسكرية على الرصد والتخطيط والتحرك والاستجابة. ولهذا فإن تحديد طبيعة هذه الأدوات سيكون أكثر دلالة من العنوان السياسى للشراكة نفسه.
تزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى طبيعة المؤسسة العسكرية الإثيوبية والمهام التى تتحرك ضمنها، فى دولة تدخل فى صرعات وحروب أهلية عنيفة لقمع التيجراى كما تتداخل أطماعها مع ملفات إقليمية عدة. أى انتقال من التعاون التقليدى إلى بناء قدرات أكثر تقدمًا سيطرح سؤالاً مختلفًا: هل تستهدف الشراكة تحسين قدرة إثيوبيا على التعامل مع احتياجاتها الأمنية القائمة فى ظل حروبها وصراعاتها التى تؤثر على أوضاعها الأمنية، أم تفتح لها أدوات أوسع للحركة فى محيطها الإقليمي؟ بغية تحقيق أطماع رئيس وزرائها.
لا يعنى ذلك افتراض اتجاه محدد للشراكة قبل ظهور تفاصيلها. لكن طبيعة الأدوات التى ستدخل حيز التنفيذ، ومستوى استمراريتها، ومدى ارتباطها بالمؤسسات العسكرية، ستكون مؤشرات أكثر دقة على المسار الذى تتجه إليه العلاقة من البيانات السياسية العامة.
تظهر أهمية ما سيتكشف فى المرحلة التالية من تفاهمات وبرامج وآليات تنفيذ. فإذا ظل التعاون فى حدود التدريب وتبادل الخبرات، فسيكون أثره مختلفًا عن شراكة تتضمن معلومات متقدمة، وقدرات استطلاع، واتصالات عسكرية، ودعمًا لوجستيًا مستمرًا. بين المستويين تتحدد، إلى حد كبير، القيمة الفعلية لعبارة «الشراكة الإستراتيجية الشاملة».
>>>
دون تهويل أو تهوين، لا تقف أهمية الشراكة الجديدة عند زيادة الاتصالات العسكرية الأمريكية ــ الإثيوبية، بل تمتد إلى طبيعة القدرات التى يمكن أن تنتج عنها مع انتقال التعاون إلى مستوى «إستراتيجى شامل». المسألة تتعلق بالمجالات التى يمكن أن تمنح هذا التعاون أثرًا يتجاوز العلاقة الثنائية، حتى دون إعلان قواعد عسكرية أو ترتيبات انتشار مباشرة.
حسب ما هو معلن مكافحة الإرهاب تمثل أحد دوافع التعاون العسكرى بين واشنطن وأديس أبابا، خاصة مع استمرار نشاط حركة «الشباب» فى الصومال، لكنها لا تفسر وحدها الصيغة التى اختارها الطرفان للعلاقة الجديدة. الحديث عن تنسيق استراتيجى طويل الأجل وتوسيع التعاون بين مؤسسات الدفاع يشير إلى نطاق يتجاوز التعامل مع تهديد أمنى محدد، ويفتح المجال أمام تعاون أوسع فى مجالات بناء القدرات والمعلومات والدعم العسكرى.
المعلومات والاستطلاع من أكثر المجالات دلالة على مستوى التعاون الفعلى. رفع قدرات المراقبة والاستطلاع وتحليل البيانات وتبادل المعلومات يمكن أن يمنح إثيوبيا إمكانات تتجاوز أثر التسليح التقليدى، سواء فى رصد التهديدات أو متابعة التحركات أو تحسين القدرة على التخطيط والاستجابة، وبالتالى، فطبيعة ما سيجرى فى هذا المجال ستكون من المؤشرات المهمة على عمق الشراكة.
لا يعنى ذلك اختزال الشراكة فى التسليح. الصفقة الفردية لا تكشف بالضرورة اتجاه العلاقة، بينما يمكن أن يكشف نمط المشتريات، التدريب، الصيانة، وقطع الغيار والتشغيل عن مدى الارتباط العسكرى بين الجانبين، وكلما اتسع الارتباط، ازدادت قدرة واشنطن على التأثير فى تحديد بعض أولويات التعاون بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
أنواع المعدات أكثر دلالة من مجرد وجود تعاون تسليحى. هناك فرق بين معدات مخصصة لمكافحة الإرهاب وبين منظومات استطلاع بعيدة المدى، أو طائرات مسيرة، أو تقنيات اتصالات ومراقبة متقدمة. تكشف طبيعة هذه القدرات، إذا ظهرت لاحقًا، عن المستوى الذى يمكن أن تبلغه الشراكة، وعن المهام التى يجرى إعداد المؤسسة العسكرية الإثيوبية للتعامل معها.
نطاق استخدام هذه القدرات يصبح أكثر دلالة إذا امتدت وظائفها من حماية الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة إلى مراقبة الموانئ والممرات وحركة الملاحة. فحتى مع غياب منفذ بحرى لإثيوبيا، يمكن لقدرات المعلومات والاتصال والنقل والإسناد أن ترتبط بحركة الدولة ومصالحها خارج حدودها، وهو ما يجعل طريقة استخدام هذه القدرات أكثر أهمية من مجرد حجمها.
وعليه، تتحدد الأسئلة الأهم حول نوعية الدعم ومدى استمراره ونطاق استخدامه: هل سيتركز على التدريب ورفع الكفاءة ومكافحة الإرهاب، أم يتوسع إلى المعلومات والاستطلاع والاتصالات والدعم اللوجستى والتسليح؟ وهل ستظل القدرات الناتجة عنه مرتبطة بالمهام داخل الأراضى الإثيوبية، أم تمتد وظائفها إلى محيطها الإقليمي؟ هذه المؤشرات هى التى ستحدد المعنى العملى لعبارة «الشراكة الإستراتيجية الشاملة».
>>>
لا يحدد ما أُعلن حتى الآن سقف هذا التعاون أو المجالات التى يمكن أن يصل إليها، وهو ما يجعل أثره الفعلى مرتبطًا بما ستكشفه الترتيبات التنفيذية لاحقًا، لكن تزداد حساسية الاتفاق بالنسبة إلى السودان، لأن أى تغير فى القدرات العسكرية أو الاستخباراتية لإثيوبيا قد يدخل فى الحسابات الأمنية للطرف الآخر، لاسيما إذا اتسع التعاون الأمريكى فى مجالات المعلومات والاستطلاع.
أما الصومال، فحساباته ترتبط بسجل التدخل العسكرى الإثيوبى، وبملفات الحدود والسيادة والوصول إلى المنافذ البحرية. ومن شأن تطوير القدرات الإثيوبية فى إطار شراكة أمنية وعسكرية موسعة مع الولايات المتحدة أن يثير تساؤلات فى مقديشيو حول اتساع هامش الحركة أمام أديس أبابا، وما إذا كانت القدرات الجديدة ستظل مرتبطة بمهامها الدفاعية أم تستخدم فى دعم تحركات إقليمية أوسع.
تأخذ المسألة بعدًا مختلفًا عند النظر إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة حبيسة، لكنها تسعى منذ سنوات إلى ترتيبات تمنحها بكل السبل وصولًا إلى البحر.
بينما ترتبط تحركاتها فى هذا الملف بدول ساحلية تقع ضمن بيئة شديدة الحساسية للملاحة الدولية. إذا اقترنت هذه الطموحات بقدرات عسكرية واستخباراتية أكثر تطورًا، فقد تتغير حسابات الدول المعنية بحماية مصالحها فى هذا النطاق.
تدخل التصريحات السابقة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشأن السد الإثيوبى المثير للاستفهام ومياه النيل ضمن الخلفية السياسية التى يصعب تجاهلها عند قراءة التطور الحالى، حتى مع عدم وجود ما يربط الشراكة الدفاعية المعلنة بملف السد.
لا يتوقف الأثر المحتمل عند الدول المجاورة. حصول إثيوبيا على تعاون دفاعى متقدم مع قوة دولية كبرى قد يدفع دولاً أخرى إلى إعادة تقييم احتياجاتها الأمنية، سواء عبر توسيع شراكاتها العسكرية أو البحث عن مصادر تسليح وضمانات أمنية مع قوى أخرى بديلة.
تظهر الصين من زاوية مختلفة، بحكم مصالحها الاقتصادية وبنيتها التحتية وحضورها العسكرى فى جيبوتى. إذا اتسع التعاون الأمريكى مع إثيوبيا ليصبح جزءًا من حضور أمريكى أوسع فى القرن الأفريقى، فقد يكون ذلك أحد صور التنافس غير المباشر بين واشنطن وبكين، بما يضيف بُعدًا دوليًا إلى خلافات إقليمية قائمة.
لا تقل أهمية أدوار مصر وتركيا ودول الخليج، التى تتحرك جميعها بدرجات مختلفة داخل بيئة القرن الإفريقى والبحر الأحمر. أى تغير فى العلاقة الأمريكية ــ الإثيوبية يمكن أن يدخل ضمن ترتيبات أوسع تسعى من خلالها هذه الأطراف إلى حماية مصالحها، خاصة مع تنامى أهمية الموانئ والممرات البحرية وتعدد القوى العسكرية الموجودة فى المنطقة.
تظل التحركات المصرية عبر القنوات السياسية والعسكرية والأمنية جزءًا مهمًا من التعامل مع أى تغير فى البيئة المحيطة. فتعزيز العلاقات مع الدول المطلة على البحر الأحمر، وتوسيع التنسيق مع السودان ودول الخليج والدول الأفريقية المعنية، يمكن أن يوفر لمصر أدوات أوسع للتعامل مع التحولات، بدل ترك المجال أمام طرف واحد لإعادة ترتيب البيئة الأمنية منفردًا.
>>>
من السابق لأوانه القول إن الاتفاق يمنح إثيوبيا مظلة أمريكية جديدة فى منطقة تعانى أصلاً من اختلالات أمنية وصراعات مفتوحة. الخطوة لا تتعلق فقط برفع مستوى التعاون بين المؤسستين العسكريتين، وإنما بإمكانية انتقال العلاقة إلى تطوير قدرات جديدة لدى حكومة تتشابك فى أطماعها وخلافاتها مع محيطها، بما يجعل أى دعم إضافى ذا أبعاد تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وأديس أبابا.
لكن الإشكال الأوسع يبدأ عندما تصبح الشراكات الخارجية بديلاً عن التفاهمات الإقليمية. اعتماد الدول بصورة متزايدة على القوى الكبرى لمعالجة أطماعها الأمنية قد يمنح هذه القوى مساحة أكبر للتأثير فى قرارات المنطقة، ويجعل الأزمات القائمة قابلة للارتباط بتنافس دولى يصعب ضبطه عبر التفاهمات الثنائية وحدها.
لهذا ستكون المرحلة التنفيذية أكثر دلالة من الإعلان السياسى. البرامج التى ستبدأ، والجهات المشاركة فيها، ونوعية التكنولوجيا المستخدمة، وطبيعة التدريبات والمعلومات المتبادلة، ستوضح تدريجيًا ما إذا كانت الشراكة إعادة تنظيم للعلاقات الدفاعية القائمة أم انتقالًا إلى بناء قدرات نوعية داخل المؤسسة العسكرية الإثيوبية.
لا يمكن قراءة التوسع الأمريكى من زاوية احتياجات أديس أبابا وحدها، فالقرن الإفريقى يوفر لواشنطن موقعًا مهمًا لمتابعة ملفات الحدود والنزاعات والجماعات المسلحة والطرق المؤدية إلى الموانئ، كما يتيح التعاون مع مؤسسة عسكرية محلية قنوات أكثر انتظامًا للحصول على المعلومات وفهم التحولات الأمنية فى منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر والتجارة والممرات البحرية.
تتوقف دلالة الشراكة فى النهاية على طبيعة القدرات التى ستنتج عنها. فإذا بقى التعاون فى حدود التدريب وتبادل الخبرات ورفع الكفاءة المؤسسية، فسيكون أثره مختلفًا عن حالة انتقاله إلى التكنولوجيا والمعلومات والاستطلاع والاتصالات والدعم اللوجستى والتسليح. الفارق بين المسارين هو ما سيحدد وزن الاتفاق بالنسبة إلى الدول الفاعلة فى الإقليم.
المؤشرات الأهم خلال المرحلة المقبلة ستكون فى نوع التدريب، وطبيعة التسليح، ومستوى تبادل المعلومات، ومجالات الاستطلاع والمراقبة، والترتيبات اللوجستية، ومدى اتصال التعاون بالموانئ والممرات البحرية، إلى جانب حجم الدعم السياسى الذى قد تحصل عليه أديس أبابا فى ملفاتها الإقليمية.
هذه التفاصيل هى التى ستكشف ما إذا كان الاتفاق يطور علاقة دفاعية قائمة أم يفتح الطريق أمام بناء قدرة استراتيجية جديدة، وما إذا كانت هذه القدرة ستبقى داخل الحدود الإثيوبية أم سيكون لها أثر فى توزيع أدوات النفوذ حول البحر الأحمر.









