فى ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا ينبغى أن يتوقف احتفالنا عند المظاهر والعبارات، بل يجب أن تمتد فرحتنا بهذه المناسبة إلى حياتنا اليومية، وأن تتحول محبة النبى إلى سلوك وأخلاق ومعاملات. فأعظم ما نتعلمه من سيرة المصطفى أن الدين ليس شعائر فقط، وإنما أخلاق تُترجم إلى واقع، ورحمة يشعر بها الناس، وعدل يحفظ الحقوق، وأمانة تصون المجتمع.
لقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلَيٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة التى نقتدى بها فى القول والعمل والمعاملة. ولذلك فإن الاحتفال الحقيقى بمولده يبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: هل انعكست محبتنا للنبى على أخلاقنا؟ نحن أمام أزمات اجتماعية مؤلمة، بعضها يبدأ بخلاف بسيط ثم يتحول إلى قطيعة، وقد يصل الأمر إلى صراعات داخل الأسرة بسبب الميراث أو المال أو سوء الفهم. أشقاء يختلفون، وأرحام تنقطع، وأسر تتفكك، لأن الدنيا أحيانًا تصبح أقوى من صلة الدم. والأكثر ألمًا أن نسمع عن جرائم عنف وقتل تقع داخل الأسرة الواحدة؛ بين أب وابنه، أو ابن ووالده، أو بين الزوج وزوجته. وهنا لا بد أن نسأل أنفسنا بصدق: كيف وصلنا إلى أن يصبح البيت، الذى يفترض أن يكون مصدر الأمان، مكانًا للخوف والصراع؟ إن الاقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ليس شعارًا نردده، وإنما منهج حياة. نقتدى به عندما نختلف فلا نظلم، نحتاج أن نعيد أخلاق المصطفى إلى تفاصيل حياتنا الصغيرة قبل الكبيرة؛ فكم من كلمة أفسدت علاقة، وكم من غضب هدم بيتًا، وكم من طمع قطع رحمًا، وكم من سوء فهم حوّل صديقًا إلى عدو، وفى المقابل كم من كلمة طيبة أصلحت قلبًا، وكم من اعتذار أعاد علاقة، وكم من عفو أنهى خصومة، وكم من مساعدة بسيطة أعادت الأمل إلى إنسان. نحن فى حاجة إلى أن نحتفل بمولد المصطفى بتجديد أخلاقنا قبل تجديد مظاهر احتفالنا؛ فليس من المعقول أن نتحدث عن الرحمة بينما القسوة تملأ بعض بيوتنا، ولا أن نتحدث عن الأمانة بينما يأكل البعض حقوق غيرهم، ولا أن نتحدث عن التسامح بينما الخصومات لا تنتهى. إن المجتمع لا يُصلح نفسه بالكلمات وحدها، وإنما يبدأ الإصلاح من الإنسان نفسه. ابدأ بنفسك، سامح من تستطيع مسامحته، أعطِ كل ذى حق حقه، اتصل برحم قطعتها الخلافات، اعتذر إذا أخطأت، ارحم من هو أضعف منك، ساعد محتاجًا، احفظ لوالديك حقهما، كن رحيمًا بأبنائك، واجعل أخلاقك فى العمل كما هى أخلاقك أمام الناس. مولد المصطفى ليس ذكرى نحتفل بها يومًا، وإنما فرصة لنعيد مولد الأخلاق فى داخلنا كل يوم. فإذا عادت الرحمة إلى بيوتنا، والصدق إلى معاملاتنا، والأمانة إلى أعمالنا، وصلة الرحم إلى أسرنا، والتسامح إلى قلوبنا، نكون قد فهمنا المعنى الحقيقى للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.









