نقل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المواجهة كاملة مع إيران إلى ساحة الاقتصاد، فى محاولة لخنق شرايينها التجارية والمالية ودفع قيادتها إلى تقديم تنازلات، فى هذا السياق صك ترامب مصطلحا جديدا أسماه «يوم الإنزال الاقتصادي» (Economic D-Day) للإعلان أنه منذ الاثنين الماضى بدأت واشنطن حزمة عقوبات اقتصادية شاملة وقاسية وعزل مالى غير مسبوق ضد إيران، الرئيس ترامب استوحى اسم المصطلح من يوم «إنزال نورماندي» التاريخى إبان الحرب العالمية الثانية، وهو أكبر عملية غزو بحرى وبرمائى فى التاريخ، بدأت فجر الثلاثاء 6 يونيو 1944، وشهدت نزول نحو 160 ألف جندى من قوات الحلفاء على شواطئ شمال فرنسا لتحرير أوروبا من الاحتلال النازي، فى إشارة إلى رغبة ترامب فى جعلها معركة حاسمة ومفصلية لإرضاخ إيران.
وهنا لدينا سؤالين، الأول: هل تستطيع واشنطن فعليا عزل إيران؟، أم أن العقوبات ستعيد إنتاج تجربة «الضغط الأقصي» السابقة وتدفع طهران إلى مزيد من التشدد والتصعيد؟، عمليا سبق للرئيس ترامب فى عام 2018 فرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران عندما انسحب من الاتفاق النووي، أملا فى إجبارها على التفاوض من موقع ضعف، لكنّ إيران صمدت و تكيفت مع العقوبات ولم تنجح واشنطن وقتذاك فى انتزاع تنازلات من طهران، بل دفعتها إلى زيادة نشاطها النووى وتشديد موقفها تجاه الغرب.
الشاهد أن إيران الآن وبعد أربعة عقود تقريبا من العقوبات صار لديها خبرة فى التعامل تحت ضغط دون أن تنهار، وأصبحت أكثر خبرة فى الالتفاف على العقوبات، فقد تحوله إيران إلى مجرد حملة عقوبات تدريجية كالتى تعودت عليها، بعدما استهدفت الخزانة الأمريكية أكثر من 60 جهة مرتبطة بإيران ووسعت نطاق العقوبات الثانوية، من دون تحديد موعد نهائى واضح للدول والشركات المعنية.
نجاح العقوبات الجديدة على إيران مرهون بتعاون دول لا تبدو مستعدة بالضرورة للانصياع الكامل لواشنطن، وفى مقدمتها الصين وروسيا وتركيا والعراق، فالصين على سبيل المثال تمثل فى رأيى التحدى الأكبر لـيوم الإنزال الاقتصادي، فهى أكبر شريك تجارى لإيران والمشترى الرئيسى لنفطها.
سبب آخر، يصعب تطبيق هذه العقوبات، أن إيران طورت منذ سنوات شبكات من الشركات الوهمية والوسطاء للالتفاف عليها، لا يعنى ذلك أن العقوبات بلا أثر، فقد تسببت سياسة الضغط الأقصى السابقة فى انكماش الاقتصاد الإيراني، وانهيار قيمة الريال وارتفاع التضخم وتراجع صادرات النفط،.. لكنّ طهران طورت فى المقابل اقتصادا موازيا يعتمد على شركات واجهة ومسارات تجارية عبر تركيا وعُمان والإمارات، كما وسعت صادراتها غير النفطية من الصلب والبتروكيميائيات.
أما السؤال الثاني: هل الرئيس ترامب مستعد فعلا لمعاقبة البنوك والمصافى وشركات الشحن الصينية إذا رفضت بكين الانضمام إلى الحصار؟، الإجابة فى رأيى لا، فالصين أصبحت أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الأمريكية، وقد ترد على العقوبات الثانوية بإجراءات تستهدف المعادن الحيوية أو الأصول المالية الأمريكية، ثم هل سيطرح الرئيس ترامب هذه المسألة خلال زيارة الرئيس الصينى شى جين بينغ لواشنطن المنتظرة خلال الأيام القليلة القادمة؟
واشنطن تحتاج فى هذه المواجهة إلى تعاون الصين وروسيا والهند وتركيا وأوروبا والمراكز المالية الكبري، هذا غير أن رد فعل طهران قد يكون صادما لترامب، وقد يمنحها دفع الدول الأخرى إلى قطع ما تبقى من شرايينها الاقتصادية حافزا أكبر لإثبات أن المشاركة فى عزلها ستكون مكلفة أيضا.. وقد تظلم إيران الأجواء على الكل بإغلاق صادرات النفط فى الخليج إذا شاركت دول المنطقة فى الحملة الأمريكية، وهو ما قد يشعل المواجهة مجددا ويرفع أسعار النفط والغاز والوقود عالميا، فى ظل أزمة طاقة موجودة بالفعل ومرشحة للتفاقم مع انخفاض مخزونات أوروبا، بما ينعكس على التضخم وتكاليف المعيشة.
أستطيع القول إن العقوبات على إيران قد تنجح فى خنقها لكنها أبدا لن تجبرها على الاستسلام، فالأزمة الاقتصادية العميقة قد تجعلها أقل استعدادا للاستسلام لأن قيادتها الحالية تعتبر التصعيد أقل كلفة من القبول بشروط واشنطن، وقد يتراجع الرئيس ترامب بعد يومين أو ثلاثة عن هذه العقوبات ليثبت أن «الإنزال الاقتصادي» عجز عن تحقيق أهدافه، ونعود مجددا للحديث عن التفاوض.









