شهد التعليم الجامعي في مصر خلال السنوات الماضية طفرة كبيرة في أعداد مؤسسات التعليم العالي؛ حيث ارتفع عدد الجامعات والمؤسسات الجامعية من 56 مؤسسة عام 2013 إلى 129 مؤسسة في 2026، ما بين حكومية وأهلية وخاصة، إضافة إلى 181 معهدًا عاليًا خاصًا تستوعب نحو 3.8 مليون طالب.. وهي أرقام تعكس ضخامة الاستثمارات التي ضختها الدولة في التعليم الجامعي.
لكن بعد أن قطعنا هذا الشوط العظيم في توفير المقاعد الجامعية، أصبح السؤال الأهم حاليًا: ماذا تقدم هذه الجامعات للمجتمع؟ فالتحدي لم يعد فقط في زيادة أعداد المقبولين، وإنما في جودة الخريج، وقدرته على المنافسة، وإسهام الجامعة في البحث العلمي والابتكار وخطط التنمية.
وهنا تستحق التجربة الصينية في سياسات القبول الجامعي التوقف أمامها.
ففي عام 1977، أعادت الصين العمل بامتحان القبول الوطني للجامعات «الجاوكاو»، وكان القرار نقطة تحول مفصلية في تاريخ التعليم الجامعي الصيني، استهدف اختيار أفضل العناصر للالتحاق بالجامعات وتوجيهها نحو التخصصات التي تحتاجها الدولة.
وبعد نحو نصف قرن، تبدو نتائج هذه السياسة واضحة في البحث العلمي. ففي أحدث تصنيف لـ Nature Index 2026، أزاحت جامعة تشجيانج الصينية جامعة هارفارد الأمريكية من صدارة ترتيب المؤسسات الأكاديمية عالميًا لأول مرة من حيث الإنتاج البحثي الذي يقيسه المؤشر، بعد احتفاظ هارفارد بالصدارة منذ عام 2015، كما جاءت جامعات صينية أخرى ضمن المراكز الأولى.
وتقوم فلسفة التعليم الجامعي الصيني اليوم على أن الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، وإنما مؤسسة لإنتاج المعرفة والابتكار، وإعداد الكفاءات، وربط البحث العلمي باحتياجات الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا يمكن لمصر الاستفادة من التجربة، بدءًا من إعادة النظر في فلسفة القبول الجامعي وإلغاء الشكل الحالي لمكتب التنسيق، الذي يجعل مجموع امتحان الثانوية العامة العامل الحاسم في تحديد مستقبل الطالب، والانتقال إلى نظام أكثر مرونة يجمع بين نتيجة الثانوية العامة واختبارات القدرات والميول والاستعداد للتخصص، وفق قواعد عادلة وشفافة.
كما يجب ربط أعداد المقبولين باحتياجات سوق العمل والطاقة التعليمية الحقيقية لكل كلية، بحيث تتحول المنافسة بين الجامعات من سباق على أعداد الطلاب إلى سباق على جودة الخريجين، والأبحاث التطبيقية، وبراءات الاختراع، والشراكات مع الصناعة، وفرص توظيف الخريجين.
لقد بدأت الصين من سؤال: من يستحق أن يدخل الجامعة؟ وانتهت إلى منظومة جامعية تنافس أكبر جامعات العالم.
واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي والروبوتات و(Deep Tech) والبيوتكنولوجيا وأشباه الموصلات والأمن السيبراني والصناعات المتقدمة، لم تعد الجامعة مطالبة فقط بإنتاج خريجين، وإنما بإنتاج عقول قادرة على صناعة المستقبل. وهنا يبقى السؤال الذي نضعه أمام الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي: هل آن الأوان لإعادة النظر في منظومة القبول الحالية والانتقال إلى نظام يكتشف قدرات ومواهب الطلاب وميولهم، ويوجههم إلى التخصصات التي يحتاجها مستقبل مصر؟
إن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في المعايير البشرية؛ فالصين لم تتفوق بكسر أرقام المقاعد الجامعية المتاحة، بل بكسر جمود قواعد القبول.
فالقضية ليست: كم طالبًا يدخل الجامعة؟ بل: أي طالب يدخل.. وأي خريج يخرج.. وماذا سيضيف لمصر؟









